وصلت إلينا نسخة فريدة من الكتاب كتبت سنة ٧٥٩، وهي في مكتبة
_________________
(١) هذا ما كنا ذكرناه في مقدمة الطبعة الأولى، ثم زدناها عددًا وبيانًا في مقدمة الطبعة الثانية، وهي بين يديك.
[ ٤٧ ]
رضا في رامفور بالهند برقم [٢١٧٠]. وقد كانت في فهرسها القديم (١/ ٥١٢) منسوبةً إلى ابن عقيل الحنبلي. وبعد الاطلاع على النسخة ودراستها ظهر أنها ليست لابن عقيل، فإنه توفي سنة ٥١٣، والكتاب يناقش «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي المتوفى سنة ٦٨٧، وهو متأخر عن ابن عقيل كما نرى.
وكان علينا أن نبحث عن المؤلف الحقيقي له في الفترة بين (٦٨٧ - ٧٥٩ تاريخ وفاة النسفي وتاريخ كتابة النسخة). وبما أن الملزمة الأولى من النسخة ناقصة، فذهبت بعشر أوراق تحتوي على مقدمة الكتاب والكلام على بعض الفصل الأول من «الفصول»، كان لابدّ من دراسة النسخة والتأمل فيها لعلنا نهتدي إلى المؤلف الحقيقي. وبعد عكوفنا على النسخة والقراءة المتأنية فيها وجدنا قرائن تُشير إلى أن المؤلف هو شيخ الإسلام، ثم توصلنا إلى القطع بذلك بعدما وجدنا نصوصًا مقتبسة منه في «إعلام الموقعين» لابن القيم.
أما القرائن فكانت عديدة:
منها: أن المترجمين لشيخ الإسلام ذكروا له كتابًا في الجدل بعنوان «تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل». والكتاب الذي بين أيدينا نقدٌ لأصحاب الجدل الباطل وبيانٌ لتمويهاتهم، ولا نعرفُ أحدًا غيره ألَّف على هذا النحو في الرد على الجدليين المتأخرين.
ومنها: أن شيخ الإسلام كان في هذه الفترة التي حددناها، أي بعد وفاة النسفي ٦٨٧، وقبل تاريخ النسخة ٧٥٩. ولا نعرف أحدًا غيره برز في هذه الفترة للرد على الجدليين.
[ ٤٨ ]
ومنها: أن في الكتاب ذكر «تمويه» الجدليين والجدل «المموّه» وأصحاب الجدل «المموّهين» ومشتقاته بكثرة، وإذا قرأنا مقدمة الكتاب التي اقتبسها ابن عبد الهادي في «العقود» عرفنا أن المقصود الاصلي من الكتاب نقد جدل «المموّهين» وبيان «تمويهاتهم».
ومنها: أن هذه المقدمة المقتبسة فيها أن المؤلف يأخذ في تمييز حقّه من باطله وحالِيه من عاطله بكلام مختصر، والنسخة كلها تحوي نقد كتاب النسفي المذكور وتمييز حقّه من باطله وتمييز صحيحه من سقيمه.
ومنها: أن في الكتاب موضوعاتٍ وأبحاثًا اشتهر شيخ الإسلام بالحديث عنها، منها نقله لكلام الإمام أحمد: «ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين». وقوله: «أكثر ما غلط الناس من جهة التأويل والقياس»، وبيانه لمعناه (ص ٢٠٥). وانظر نحو هذا الكلام في «قاعدة في الاستحسان» (ص ٧٤) و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٩١، ٣٩٢).
وتكلم في موضوع النهي عن التشبه بالأعاجم والكفّار (ص ٢٥٧ - ٢٥٩). وقد فصَّل فيه الكلام بما لا مزيد عليه في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم».
وتكلم في موضوع التنافي (ص ٣٩٧ وما بعدها)، ونحوه في «الرد على المنطقيين» (ص ٢٠٥، ٢٠٦).
وهناك موضوعات أخرى أشرنا إلى ما ورد منها ما يماثلها في كتبه الأخرى.
هذه القرائن وغيرها أرشدتنا إلى أن الكتاب من تأليفه، ثم وجدنا تلميذه
[ ٤٩ ]
العلامة ابن قيم الجوزية ذكر في «إعلام الموقعين» (٥/ ٥٤٦ - ٥٨١، ٦/ ٥ - ٤٠) مبحثًا طويلًا في حجية قول الصحابي، وكلُّه منقول من هنا دون عزو مع إضافات (ص ٥٢٩ - ٥٥٦)، على طريقته في نقل كلام شيخه بعزوٍ أو بدون عزوٍ. وهذا مما يقطع بصحة نسبته إلى شيخ الإسلام.