من ادعى ثبوتَ الشيء فقد ادعَى ثبوتَ لوازمه ولوازمِ لوازمِه وهَلُمَّ جرًّا ضرورةَ عدمِ الانفكاك، ومن ادعَّى انتفاءَه فقد ادَّعَى انتفاءَه وانتفاءَ ملزوماتِه وملزوماتِ ملزوماتِه وهَلُمَّ جرًّا ضرورةَ عدم الانفكاك.
فلا تغفلنَّ عن هذا، فإن طائفةً من كلام هؤلاء المموِّهين تدور على مثلِ هذا الكلام، حتّى إنّ من ادَّعى شيئًا معينًا قد لا يتمُّ عندهم، ومن ادَّعاه مبهمًا يتمُّ له. ثمَّ إنه إن ما يثبِته مبهمًا عين ما أثبته معينًا (^١)، وثبوتُه مبهمًا يقتضي ثبوتَ تلك الأشياء التي أبهم فيها، لكن لكون الخصم لا يمكنه المقابلة بمثل تلك العبارة يفلُج (^٢) عليه، ومعلومٌ أن هذه (^٣) طريقةٌ فاسدةٌ، إذ العبرةُ بتقابل الدعويَيْنِ في المعنى لا في اللفظ. وهذا فصلٌ منتظرٌ ذكرنا هناك تفصيل هذا.
فالجواب المحقق عن سؤال المعترض أن يقال: لا نُسلِّمُ أن واحدًا من الأمرين لازمٌ، لا وقوع ما هو الواقع على التقدير في الواقع، ولا وقوع ما هو الواقع في الواقع على التقدير، ولا نُسلِّم قيامَ الأدلَّةِ على واحدٍ منهما، فإن ذلك دعوى محضة.
ثم إن ذلك مُعارَضٌ بدعوى عدمهما جميعًا بالأدلة الدالة على ذلك، وهو معارضة صحيحة كما تقدم، ومعارَضٌ بدعوى عدمِ أحدهما، لأنه مستلزمٌ لعدم الآخر، فإنه إذا عُدِم وقوعُ ما هو الواقع على التقدير في الواقع فقد عُدِمَ وقوعُ ما هو الواقع في الواقع على التقدير، لأنه لو لم يثبت العدمُ لثبتَ نقيضُه، وهو وقوع شيء هو واقعٌ في الواقع على التقدير، ولو كان ما هو
_________________
(١) كذا الأصل. ولو حذفت "إنه" يستقيم الكلام.
(٢) الأصل: "يفتح"، والأصح ما أثبتناه.
(٣) الأصل: "هذا".
[ ٦٣ ]
واقعٌ في الواقع واقعًا على التقدير لكان هذا الواقع على التقدير واقعًا في الواقع ضرورةً، وحينئذٍ فيلزمُ وقوعُ ما هو الواقع على التقدير في الواقع، والتقدير عدمُ الوقوع، هذا خلفٌ.
وإنما لزمَ الجمعُ بين النقيضين لأنّا فرضنا العدمَ الأول دون الثاني، فنقيضُه حقٌّ، وهو تلازم العدمين، وهو المدَّعَى. وهذا يستأصل كلامَهم.
وأيضًا فإن المعترض قد ادعى أحد الأمرين وهما متلازمان، فدعواه في الحقيقة واحدةٌ تنقض هذا البرهان، فلو فرضنا أن المستدلّ إنما عارضه في أحدهما فقد لزم معارضتُه في الأمرين. نعم لو أثبتَ المستدلُّ أحدَ الأمرين بدليلٍ صحيح لم يحتَجْ إلى هذا التكلُّف، وكفاه أن يذكر دليلًا صحيحًا على عدم الوجوب على الفقير على ذلك التقدير، وحينئذٍ قد يقع الترجيح بينه وبين دليل المستدلّ.
وأما المصنّف فإنه قال في الجواب: "نحن لا ندَّعي الوجوبَ ثَمَّ على التعيين، بل ندَّعي أحد الأمرين، وهو إما الملازمة بين الوجوبين: وجوبها على المدين والفقير، أو الوجوب على الفقير عينًا".
قال: "وبهذا يندفع [ق ٣٣] ما ذكرتم، فإنه لا يمكن أن يقال: لا وجودَ للملازمة ولا للوجوب على [المدين والفقير] في نفس الأمر، كما لا يمكن [أن يقال]: لا وجود (^١) للوجوب على الفقير".
قلت: اعلم أن هؤلاء لمّا جوزوا للمعترض أن يمنع الثبوت على ذلك
_________________
(١) من قوله: "للملازمة " إلى هنا لحق في هامش النسخة، ذهبت بعض كلماته بسبب قطع المجلِّد أطراف المخطوط، والإكمال بما بين المعكوفات مقترح.
[ ٦٤ ]