المدين، أو الوجوب على الفقير.
إلى غير ذلك من العبارات التي مقصودها واحد. قالوا: وبهذا يندفع ما أورده السائل، فإنه لا يمكنه نَفي كلِّ واحدٍ من الأمرين في نفس (^١) الأمر، كما أمكنه نفي الوجوب على الفقير عينًا، فإن أحد الأمرين هنا ممكن لانتفاء (^٢) الخلاف فيه، وهو الملازمة بين الصورتين أو غلبة المشترك، بخلاف الوجوب على الفقير عينًا، فلا يمكن السائلَ أن يقول: لا يتحقق أحد الأمرين لأجل تحقق أحد الأمرين اللذين ذكرناهما، فإنه إما أن يستدل بالأمر الأول، وهو وقوع ما هو الواقع على التقدير في الواقع، فيحتاج أن يقول: لا يتحقق أحدهما على ذلك التقدير أصلًا، إذ لو تحقق أحدهما على التقدير لتحقق في نفس الأمر، ولم يتحقق في الواقع واحدٌ منهما، لا الملازمة ولا الوجوب على الفقير. فيقول له المستدل: لا نسلّم أنه لا تحقُّقَ لأحدهما، فإن الملازمة بين الوجوبين من الأمور الواقعة في نفس الأمر عندنا. وإما أن يستدلَّ بالأمر الثاني، وهو وقوع ما هو واقع في الواقع. هذا كلامُهم.
واعلم أن هذا الكلام ليس بسديد لوجوه:
أحدها: أن هذا المدَّعى لا يمكنه إثباتُه، فإن الوجوب [ق ٣٤] على الفقير لا يمكن إثباته، فإنه على خلاف الإجماع، وهو غير واقع، والملازمة إن أثبتها بما يدلُّ على الوجوب على الفقير مطلقًا فهو الأولى، وإن أثبتها بما يدلُّ عليه على هذا التقدير فقط فهو صحيح، لكن ليس الكلام فيه، ولأن ذلك لو صحَّ ادعى أحد الأمرين معينًا وهو الملازمة، ولم يدَّعِ أحدَ الأمرين.
_________________
(١) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبتناه.
(٢) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبتناه.
[ ٦٦ ]
الثاني: أنه قد ادَّعَى أولًا الوجوب على تقدير الوجوب، وذلك دعوى الملازمة والوجوب عينًا على تقدير الملازمة، ولذلك أثبت الوجوب بأدلته، وإذا كان قد ادَّعى الأمرين لم يصحَّ قولُه بعد ذلك يدعي أحد الأمرين.
الثالث: أن يقال له: قد ادعيتَ أولًا أنه لو وجبت على المدين لوجبت على الفقير، فلا يخلو بعد ذلك: إما أن تدَّعي أنها وجبت على المدين فتجب على الفقير، أو لم تجب على الفقير فلا تجب على المدين، فإن ادعيتَ الأول فهو رأس المسلم، ثم اللازم خلاف الإجماع، وإذا انتفى اللازم بالإجماع لم يصح إثباتُه بالملازمة، بل يكون انتفاؤه دليلًا إما على بطلان الملازمة أو على انتفاء الملزوم، فيبطلُ الاستدلال. وإما أن تدَّعي أنها لم تجب على الفقير فلا تجب على المدين، فإذا ادعيتَ هذا فقد ادعيتَ سببين لا يتم دليلك إلا بهما: الملازمة وانتفاء الوجوب على الفقير، فإذا قلتَ بعد هذا: ندَّعي أحد الأمرين إما الملازمة أو الوجوب على الفقير على التعيين، قيل لك: قد ادعيتَ أحدَ الأمرينِ أحدُهما إحدى المقدمتين والآخرُ نقيض المقدمة الأخرى، فإن كان الثابت نقيض المقدمة بطلَ الدليلُ، وإن كان الثابت هو المقدمة الأخرى فقد ادعيتَ مقدمةً واحدةً، وتلك لا تفيد إلا بانضمام الأخرى إليها، فكيف إذا ادعيتَ مفردةً عن الثانية؟ ثم هذه المقدمة وهي الملازمة لابدَّ أن يُدَّعَى عينًا مع نقيض الأمر الذي وقع التردد بينها وبينه، فإذا كنتَ مضطرًّا إلى دعوى أحدهما على التعيين مع نقيض الآخر، فكيف تدعي أحد الأمرين: إما هذه المقدمة وإما نقيض الثانية؟
الرابع: أن هذه الدعوى مُعارَضةٌ بمثلها، فيقال: نحن لا ندعي الوجوب على المدين عينًا، بل ندعي أحد الأمرين، وهو إما الوجوب عليه عينًا، أو
[ ٦٧ ]
الملازمة بين الوجوب عليه وعدم الوجوب على الفقير، أو نفي الوجوب على الفقير عينًا، ولا يمكن أن يقال: لا وجود لأحد هذين في نفس الأمر، وإذا عورضت هذه المعارضة بمثلها بقيت الأولى سالمة. ودليل ذلك هو الأدلة الدالة على الوجوب التي استدل بها على الوجوب على الفقير من طريق الأولى.
ويقال له أيضًا: هذه الأدلة الدالة على الوجوب على الفقير إما أن تكون دالة أو لا تكون، فإن لم تكن دالةً بطلَ التلازمُ، فبطلَ الدليل، وإن كانت دالةً فهي دالّةٌ على الوجوب على المدين أيضًا.
وهذا سؤالٌ جيد يمكن إيرادُه [ق ٣٥] من الابتداء، وبه ينقطع المستدلُّ إذا استدلَّ بالأدلة العامة، بأن يقال: ما ذكرتَه من الدليل وإن دل على الوجوب على الفقير بتقدير الوجوب على المدين فهو دالٌّ على الوجوب على المدين بتقدير عدم الوجوب على الفقير، لأنه دالٌّ مع جملة الأمور الواقعة، وعدم الوجوب على الفقير من الأمور الواقعة.
أو يقال: هو دالٌّ على الوجوب على المدين على كل تقدير واقع، وتقدير عدم الوجوب على الفقير من التقديراتِ الواقعة.
أو يقال: هو دالٌّ على الوجوب على المدين بتقدير الوجوب على الفقير وبتقدير عدم الوجوب عليه.
أو يقال: هو دالٌّ على الوجوب على المدين بتقدير الوجوب على الفقير، كما هو دالٌّ على الوجوب على الفقير بتقدير الوجوب على المدين أولى، فإنه دالٌّ على الوجوب على المدين والفقير، فإما أن يكون مدلولُه ثابتًا أو متروكًا، فإن كان متروكًا بطلَ الاستدلالُ به على الوجوب عليهما،
[ ٦٨ ]
فيبطلُ التلازم، وإن كان مدلولُه ثابتًا لَزِمَ الوجوبُ عليهما، وهو خلاف الإجماع. أما ثبوتُ دلالته على الوجوب على تقدير الوجوب على المدين وانتفاءُ دلالتِه على تقدير عدم الوجوب عليه فهو ترجمة المذهب ونفس الدعوى، فلا بدَّ من دليلٍ يدلُّ عليه سوى هذا الدليل المشترك الدلالة، فإن هذا الدليل يدلُّ على الثبوت مطلقًا، أو لا يكون دليلًا فيلزمُ الانتفاء مطلقًا. فأما كونُه دليلًا على تقديرٍ دون تقديرٍ فليس في نفس الدليل ما يقتضي ذلك، فدعواه تحتاج إلى دليلٍ ثانٍ، وهو الدليل الصحيح على الملازمة دون الأدلة العامّة.
الخامس: أن يقال: هب أنك تدعي أحدَ الأمرين، لكن لا نُسلّم أحدَ الأمرين، ولم تذكر دليلًا يدلُّ على أحد الأمرين، وإنما ذكرتَ دليلًا يدلُّ على الوجوب عينًا فقط. وهذه المعارضة التي ذكرناها تنفي موجب هذا الدليل، ولا يجوز أن تدَّعي أحد أمرين أحدهما أقمتَ الدليلَ على ثبوته والآخر لم تُقِم دليلًا على ثبوته، بل لابدَّ أن تذكر دليلًا يدلُّ على ثبوت أحدهما، ولم تتعرض لذلك، وهذا يكشِف سِتْرَ هذا التزوير.
السادس: أن يقال: لا وجودَ لأحدهما في الواقع، أما الوجوب عينًا فبالإجماع، وأما الملازمة فلأنها لو كانت ثابتةً لَزِمَ نفيُ الوجوب على المدين، لكن الوجوب على المدين ثابتٌ بعين الأدلة التي دلَّت على الوجوب على الفقير، وإذا كان الوجوب على المدين ثابتًا فلو لزمَ منه الوجوبُ على الفقير لَزِمَ أن يكون الوجوب على الفقير ثابتًا، وهو خلاف الإجماع. وإنما لزمَ هذا من الملازمة المدَّعاةِ فيكون باطلًا، وليس هذا بغَصْبٍ لوجهين:
[ ٦٩ ]
أحدهما: أنه استدلالٌ على نقيض الدعوى بعد فراغ المستدلّ من دليله.
الثاني: أن هذه مشاركة في الدليل ببيان أن الدليل الذي استدللتَ به على إحدى مقدمتَي [ق ٣٦] دليلك هو بعينه دليلٌ على نقيض الدعوى، وإذا كان الدليل يلزمُ من صحتِه النقيضان عُلِمَ أنه باطل.
السابع: أن يقال: أن يُدعى أحد أمرين إمّا عدمُ الملازمة أو الوجوب على المدين، وأيُّهما كان حَصَلَ الغرضُ، وبيان لزوم أحد الأمرين أنه إن لم يكن في الأدلة ما يدُلُّ على الوجوب على الفقير فقد لزمَ عدمُ الوجوب عليه ضرورةَ انتفاء الوجوب لانتفاء الأدلة الشرعية على الوجوب، وحينئذٍ يبطل الدليل المذكور على الملازمة، فتبطل الملازمة. وإن كان فيها ما يدلّ على الوجوب عليه فهو يدلّ على الوجوب على المدين بطريق الأولى، والعلم به ضروري، وحينئذٍ فيثبتُ الوجوبُ على المدين، وهو نقيض المدَّعى.
الثامن: أن هذه الدعوى إما أن تُغايِرَ الأولى أو لا تُغاير الأولى، فإن كانت هي الأولى في المعنى فلا تَغايُرَ، وإن كانت مغايرةً لها فإما أن تدَّعي الأولى مع الثانية أو لا تدَّعيها، فإن ادعيتَ الأولى أيضًا فالمحذور قائم، وإن كنت إنما تدعي الثانية دون الأولى فقد رجعتَ عن المدَّعى أولًا، وذلك انقطاع.
التاسع: أنك إذا ادَّعيتَ أحدَ الأمرين
_________________
(١) إما الوجوب على الفقير [على] ذلك التقدير أو الملازمة فقد ادعيتَ أحد أمرين متلازمين، لأن الوجوب على الفقير على ذلك التقدير يقتضي الملازمة، والملازمة تقتضي الوجوب على الفقير على ذلك التقدير، ودعوى الملزوم دعوى اللازم، فيكون المدَّعى كلَّ واحد من الأمرين لا أحدَ الأمرين، وهو يُبطِل الجواب.
[ ٧٠ ]
العاشر: أن الخصم إما أن يتمكن من نفي أحد الأمرين أو لا يتمكن، فإن لم يتمكن فلا حاجةَ إلى تعيين الدعوى وإبهامها؛ وإن تمكَّن من نفي أحدهما، فإن نفي اللازم نفي الملزوم، وذلك يوجب تمكُّنَه من نفيهما، فتعود الحالُ الأولى جذعةً.
الحادي عشر: أنّا لا نُسلِّم أن هذه الدعوى تُغايرُ الأولى، بمعنى أن هذه الدعوى إما أن تكون هي الأولى أو تستلزم الأولى.
فإن قيل: الدليلُ على المغايرة أن الوجوب على الفقير من لوازم الملازمة بين الصورتين على ذلك التقدير، واللازم يغاير الملزوم، فإنه يمكن أن يُوجَد اللازم بدون الملزوم من حيث هو لازم. وكذلك يقال على التقدير الثاني: الوجوبُ على الفقير على ذلك التقدير من لوازم استلزام الوجوبِ على المدين الوجوبَ على الفقير، وهذا الاستلزام لا يستلزم وقوعَ اللازم دون الملزوم، فاللازم وهو الوجوب غير ما هو اللازم.
قيل له: الوجوب على الفقير على ذلك التقدير معناه تحقق الوجوب عليه عند تحقق الوجوب على المدين، وهذا بعينه هو الملازمة، وكونه من لوازم الملازمة لا يُفِرّه من تحقق اللازم عند تحقق الملزوم ومن لوازم الملازمة، وأيضًا فلو ساوتْها في [ق ٣٧] دعوى الملازمة، ودعوى استلزام هذا ذاك يستلزم دعوى الوجوب على الفقير على التقدير، ودعوى الملزوم دعوى اللازم معه، وليس ذلك بمغايرة في الحقيقة.
وأيضًا فلا نسلِّم أن الوجوب على الفقير على التقدير من لوازم الملازمة والملزومية، بل هو تفسير الملازمة والملزومية عند التأمل. والله أعلم.
[ ٧١ ]