هو مطلق عام، وحينئذٍ فلا يخلو إمّا أن يكون دالًّا أو غيرَ دالٍّ، فإن كان غيرَ دالٍّ بَطلتِ الملازمة، وإن كان دالًّا لزِمَ الوجوبُ على الفقير والمدين جميعًا، وهو خلافُ الإجماع وخلافُ المدَّعَى، لأن المدَّعَى نفي الوجوب عليهما جميعًا، وقد مرَّ التنبيهُ على هذا.
فإن قال: هو دالٌّ على ذلك التقدير، وليس بِدَالٍّ على عدمِه.
قيل له: إما أن يكون هذا التفصيل معلومًا من هذا التفصيل أو من غيرِه، ولا يجوز أن يكون معلومًا من غيرِه، فذاك دليل يدلُّ بخصوصِه على الملازمة، وهذا إذا صح فلا شك في ثبوت كلام المستدل، فأختم به كلامه.
فإن قيل: فَمَن الذي صحَّ كلامه؟ المستدلّ أو المعترض؟
قلنا: إن كان المستدلُّ أثبتَ الملازمةَ بدليلٍ يَدُلُّ على خصوصِ التلازم، بأن أثبتَ أنه بتقدير الوجوب على المدين يزول المانع عن الوجوب على الفقير، ولم يَعترض عليه السائلُ إلّا بما يمنع الوجوب على الفقير في نفس الأمر= كلام المستدلِّ صحيح وكلامُ المعترض باطلٌ.
وإن كان المعترضُ قَدَحَ فيما يدَّعيه المستدلُّ من قيامِ مقتضٍ أو وجودِ معارضٍ بما يوجب قيامَ النافي على ذلك التقدير= فحينئذٍ يتعارضُ كلامهما، ويَبقى الرجحان لمن قَوِيَ دليلُه بحسب موادِّ المسائل والأدلة الدالة على صحةِ التلازم وفسادِه، ولكل مسألةٍ نظرٌ خاص، فمحالٌ أن يُحكم في جميع المسائل برجحان أحد الطرفين للمحتج بالملازمة أو للمانع منها.
وإن كان المستدلُّ إنما أثبت الملازمة بما يدلُّ على ثبوت اللازم في الجملة من الأدلة العامة التي لا يختصُّ ثبوتُه على تقدم ثبوت الملزوم=
[ ٧٤ ]
فكلامُه باطلٌ، وكلامُ المعترض هو الحق، لأنه احتجَّ بالباطل واستدلّ بدليلٍ علم أنه باطل، وخصَّه [و] ليس في تلك الأدلة ما يخصُّ ذلك التقدير، ولا في ثبوت ذلك التقدير ما يقتضي ثبوتَ مدلولِ تلك الأدلة. وهو نظير قول مَن يقول: لو وجبت على الغني لوجبتْ على الفقير بالأدلة الموجبة، أو يقول: لو وجبت الصلاة لوجبت الزكاة على الفقير بالأدلة الموجبة، أو: لو كانت السماء موجودةً والشمسُ طالعةً والماءُ مائعًا والترابُ حارًّا وجبت الزكاة على الفقير بالأدلة الوجبة، ويذكر من [ق ٣٩] الأدلة ما يقتضي الوجوب، من غير تعرضٍ لذلك التقدير، ثم يدَّعي أن اللازم منتفٍ، فينتفي الملزوم، ولقد صدقَ في قوله: إن اللازم منتفٍ، لكن لم ينتف (^١) بما ينفي ذلك التقديرَ، بل انتفى بما يُوجِب انتفاءَه، سواءٌ فُرِضَ وجودُ ذلك التقدير أو عدمُه، فلا يلزم من انتفائه انتفاءُ ما ليس وجودُه متعلقًا بوجودِه، ولا عدمُه متعلقًا بعدمِه.
وسلوكُ مثل هذه الملازمة فاسدٌ في الأصل من وجهين:
أحدهما: أنه ادّعَى الملازمةَ ولم يُقِم عليه دليلًا.
الثاني: أنه ذكر أن الدليل يدلُّ على ثبوت اللازم على ذلك التقدير، واللازم في هذه الملازمات مثل المثال المذكور لا بدَّ أن يكون منتفيًا في نفس الأمر، كالوجوب على الفقير، وحينئذٍ فلا يكون عليه دليلٌ يدلُّ على الوجوب وعلى ثبوت اللازم، وإذا ذكر عمومًا أو قياسًا مطلقًا أو غير ذلك من الأدلة، فقد عُلِمَ قطعًا أنه غيرُ دالٍّ على ثبوت اللازم، وأنه متروكٌ في تلك الصورة، أو هو غير دليل.
_________________
(١) في الأصل: "لم ينتفي". وله وجه.
[ ٧٥ ]
وهذا الوجه الثاني يفارقُه فيه من أمكنَه إثباتُ اللازم، بأن يكون ثابتًا في نفس الأمر لكن ليس في ثبوته ما يدلُّ على التلازم، وقد يكون منتفيًا على تقدير محال فرض ذلك التقدير، ليستدلّ على عدمِه بعدمِ اللازم، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ونحو ذلك من التلازم الصحيح، فلو كان يبطل "لو كان فيهما آلهة إلا الله لصلحتا" بالمقتضي لصلاحَيْهما، فإنهما صالحتان، لعلم أن هذا الكلام باطلٌ، لأن المقتضي لصلاحَيْهما يفوت عند فرض آلهةٍ أخرى، أو يوجد هناك ما يمنع الصلاح.
وهذا نظير قول مَن يحتج على وجود لازمٍ على تقدير يدَّعيه بشيء يذكره، وقد عُلِمَ أن ذلك اللازم منتفٍ، وإنما يذكره لاختصاصٍ له بذلك التقدير، فإن هذا اللازم قد عُلِمَ بطلانُه، فكيف يجوز أن يقوم دليلٌ عامٌّ على صحته واللازمُ في الأصل فائتٌ، وعليه دليل يُبطِلُ دلالتَه عند ذلك التلازم؟ فقد اشتركا في أن كلًّا منهما احتجَّ على ثبوت التلازم بدليلٍ عام لا يَدُلُّ على التلازم، والله سبحانه أعلم.
[ ٧٦ ]