المانع المستمر في الواقع، فتجب الزكاة على الفقير لو كان المانع غيرَ واقع، لكن الزكاة غير واجبة عليه فالمانع واقعٌ في الواقع، فهو واقع على ذلك التقدير، فيكون موجودًا.
هذا تقرير هذا السؤال، وقد قَبِلُه المصنِّف وأجاب عنه، وهو مبني على استصحاب الواقع كما سيأتي بأن يقال: كان، فيستمر على التقدير، لأن هذا التقدير ممكن، لأنه لا يخالف الإجماع.
وهذا السؤال إذا ثبت التلازم بطريقه الصحيح فإنه باطل من وجوهٍ (^١)، فلا يُقبل، ولا يحتاج إلى المعارضة بينه وبين غيره، إلا أن يبيّن حصول المانع على ذلك التقدير. وأما بمجرد استصحاب الواقع فلا.
أحدها: قوله "المانع المستمر واقع في الواقع".
قلنا: هذا مسلَّم، ولكن لِمَ قلتَ: إنه واقع على تقدير وجوب الزكاة على المدين، وذلك أنه إنما يثبت أنه مانعٌ على هذا التقدير إذا كان التقدير من جملة الأمور الواقعة، ولا يُمكنه بيانُ ذلك إلا بغَصْب منصب الاستدلال، فلا يلزم من كونه واقعًا في الواقع كونُه واقعًا على تقدير ليس من الأمور الواقعة.
الثاني: أن هذا التقدير تقدير غير واقع، لأنه قد ثبت بالملازمة المتقدمة التي (^٢) سَلَّمَ المعترضُ دلالتَها أنه لو وجبَ على المدين لوجبَ على الفقير، ولم يجب على الفقير فلا يجب على المدين، فلا يكون الوجوب على المدين واقعًا، بل يكون محالًا لاستلزامه المحالَ. وإذا كان تقديرًا ممتنعًا
_________________
(١) الأصل: "وجوب" تحريف.
(٢) الأصل: "الذي".
[ ٤٢ ]
غيرَ واقعٍ لم يلزم من كون المانع مانعًا في الواقع أن يكون مانعًا على تقدير غير واقع، وذلك لأن التقدير المحال يجوز أن يلزمه اللازم المحال، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، [ق ٢١] وتقدير وجوبها على المدين محالٌ لما مرَّ، فيلزم منه أن لا يكون المانع واقعًا في الواقع، وهذا محال، وإنما لزمَ ذلك حين فرضنا وجوبَها على المدين، وهو محال لما بيَّنه المستدل. فتَفطَّنْ لهذا، فإن به تَنحلُّ مثلُ هذه الأغاليط.
وبيان ذلك أن وجوبها على الفقير، فيستلزم وجوبها على الفقير (^١)، يستلزم رفعَ الأمر الواقع، وهو المانع من وجوبها عليه، وهذا محال فذاك محال. وبهذا يتبيَّن أن المانع ليس بمانع على تقدير وجوبها على المدين، وأنه إن كان واقعًا في الواقع لا يمتنع أن يُفرَض عدمُ وقوعِه على تقدير غير واقع بل محالٍ باطلٍ.
فإن قال: لا نُسلِّم أن هذا التقدير غير واقع، أو أنا أقيم الدليل على أن هذا التقدير واقعٌ.
قلنا: قد مرَّ التلازم الدالُّ على عدم وقوع هذا التقدير، فلا يُسمع منك إقامة الدليل في ضمن الممانعة على خلافه، لأنه غَصْبٌ أو أردأ من الغَصب.
فإن قيل: لا يمكن المستدلَّ أن يمنع الوجوب في نفس الأمر بالمانع في نفس الأمر كما ذكرتم مع منعِه كونَ المانع مانعًا على ذلك التقدير، لأنه يجوز أن يكون المانع على ذلك التقدير إنما انتفى لانتفاءِ المانع في الواقع،
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب حذف عبارة "فيستلزم وجوبها على الفقير" وكأنها تكرار.
[ ٤٣ ]
وذلك بأن يكون انتفاء المانع المستمر على التقدير منافيًا للمانع الواقع ومضادًّا له، فلا يَصحُّ الجمع بين انتفاء المانع المستمر وبين المانع الواقع.
قلنا: هذا الجائزُ معارَضٌ بمثله، فإنه يمكن أن لا يكون المانع الواقع منافيًا لعدم المانع المستمر، بل يكون المانع الواقع مانعًا في نفس الأمر، وليس هناك مانعٌ مستمرٌّ على التقدير، وإذا كان كل واحدٍ من الأمرين جائزًا احتاج المعترضُ أن يبين ثبوتَ أحد الأمرين، وإن كان المانع مانعًا (^١) على ذلك التقدير وأنه مستمر، وحينئذٍ فلا بدَّ له إذا استصحب الواقع أن يبيِّن أن هذا التقدير لا ينافي قيامَ المانع من الوجوب على الفقير، فيبيِّن أن ما يمنع الوجوب على الفقير لا يمنع الوجوبَ على المدين، كما بيَّن المستدلُّ أن ما يُوجب على المدين يوجب على الفقير. وإذا بيَّن ذلك بطريقه الفقهي كان كلامًا مسموعًا، وأمّا بمجرد استصحاب الواقع مع جواز منافاة التقدير وعدم منافاته ففيه نظرٌ. وتمامُ الكلام في هذا يأتي إن شاء الله في الاستصحاب.
الثالث: لا نسلِّم أن المانع المستمر واقعٌ في الواقع.
قوله: "لو لم يكن واقعًا لوجبت الزكاة على الفقير عملًا بالمقتضي السالم عن المعارض".
قلنا: لا نُسلِّم أن ههنا ما يقتضي وجوب الزكاة على الفقير، ولم يذكر دليلًا على ذلك، وإنما أخذه مسلَّمًا وهو غير مسلَّم، وذلك لأن انتفاء الزكاة عن الفقير لعدم المقتضي، وهو مِلك النصاب الزكويّ، لا لوجود مانعٍ [ق ٢٢] من الوجوب. وقد تقدم بيان ذلك.
_________________
(١) الأصل: "مانع".
[ ٤٤ ]