وإفسادُ هذا الكلام له وجوهٌ، لكن نُنبِّه على نكتة التغليط، فنقول:
قوله: "المستلزم لا يفارق الشرط في اللزوم، وهو ما يناقض العدمَ فيهما"، يعني به ما يُناقِض العدم في كلِّ منهما أو ما يُناقِض العدمَ في مجموعهما، فإن الذي يناقض العدمَ في كلٍّ منهما الوجوبُ في كلّ منهما، والذي يناقضه في مجموعهما الوجوبُ فيهما أو في أحدهما.
فإن قال: أريد به ما يناقض العدم في كل منهما، كان معنى كلامه أن الشرط في لزوم المستلزم للوجوب على الفقير الوجوبُ على المدين والوجوب على الفقير.
فيقال له: نحن نسلِّم أن الوجوب عليهما شرط للزوم المستلزم للوجوب على الفقير، لكن لِمَ قلتَ: إن هذا الشرط متحققٌ ولازمٌ في نفس الأمر حتى يكون لازمُه متحققًا، فإن التلازم لا يقتضي وجودَ اللازم ولا وجودَ الملزوم، فتسليم التلازم لا يُفيد إن لم يثبت تحققُ الملزوم.
وقوله بعد ذلك: "إن كان العدم شاملًا فظاهرٌ".
قلنا: لا نُسلِّم أنه ظاهر، وذلك لأن شمول العدم معناه أنه عُدِم المستلزم للوجوب على الفقير، وعُدِم الوجوب على الفقير والمدين الذي هو مناقضٌ عَدَمَ الوجوب، ومعلومٌ أن هذين إذا عُدِما لم يُفِدْ ذلك تحقُّقَ الملزوم. أكثرُ ما يفيد تلازمَهما، ونحن قد سلمناه.
وقوله: "وإن لم يكن العدم شاملًا لهما فكذلك هو ظاهر".
قلنا: لا نُسلِّم أنه ظاهر، لأنّ العدم إذا لم يشملهما جاز وجود أحدهما، فإن كان الموجودُ (^١)
_________________
(١) في هامش الأصل: "هنا بياض في الأصل نحو السطر".
[ ٢٠ ]
[ق ٨] وإن قال: أراد به ما يناقض العدم في مجموعهما، كان معناه أن المستلزم للوجوب على الفقير لا يفارق الوجوب عليهما أو على أحدهما، بل لا بدَّ أن يكون لازمًا للوجوب على أحد التقديرات الثلاث.
فيقال له: هذا عينُ محلِّ النزاع، فلا نُسلِّم أن المستلزم للوجوب على الفقير لازم للوجوب على المدين، فإن هذا أول الدليل، فإن أثبته بهذا الدليل كان دورًا، وإن ذكر دليلًا آخر كان ذلك كافيًا في تحقيق التلازم، وما سواه ضياعًا وحشوًا.
وقوله في تقرير ذلك: "إن شملَهما العدمُ فظاهرٌ".
قلنا: لا نُسلِّم، لأنه إذا عدم المستلزم للوجوب على الفقير والوجوب عليهما وعلى أحدهما لم يدلَّ ذلك على لزوم أحدهما للآخر، لأن الأشياء التي لا تلازمَ بينها بل الأشياء المتضادة المتنافية قد تشترك في عدم جميعها، فبتقدير عَدَمِها لا يثبتُ تلازمها.
وإن قال: "فظاهر" أردتُ به ثبوتَ المدَّعَى، وهو عدم الوجوب على المدين.
قيل: أنتَ في تقرير التلازم وبيان أن الوجوب على المدين يستلزم الوجوب على الفقير، فإذا أثبتَّ عدمَ الوجوب على المدين لم يثبت التلازمُ، لأن صحةَ المدعَى لا يستلزم صحةَ الدليل المعيَّن، لجواز أن يكون القول حقًّا وما يُستدَلُّ به باطل، لثبوته بدليل آخر، فلا بدَّ لك من تصحيح الدليل الذي زعمتَ أنه يُفيد ثبوتَ المدعى، وإلّا فنحن قد نُسَلِّم لك الحكمَ ونُنازِعُك في الدليل.
[ ٢١ ]
وقوله: "إن لم يكن العدم شاملًا فظاهرٌ أيضًا".
قلنا: ليس كذلك، لأنه إذا لم يشملهما العدمُ فلا بدَّ من ثبوت أحدهما، فإن كان الثابت هو الوجوب على المدين خاصةً الذي يناقض عدم مجموع الوجوبين لم نُسلِّم أن ذلك موجب للوجوب على الفقير، إذ هو أول الدليل.
وقوله: "لأن من اللوازم ما يكون مستلزمًا له على تقدير عدم الشمول".
قلنا: لا نُسلِّم.
قوله: "وإلّا لكان الشمولُ من لوازم اللزوم في الجملة".
قلنا: لا نُسلِّم أيضًا، فإن شمولَ العدم إنما يكون من لوازم اللزوم، إذا كان المراد باللزوم لزوم ما يناقض عدم كلٍّ منهما وهو الوجوب فيهما، فإنه على هذا التفسير يثبت المستلزم للوجوب على الفقير، لأنه إما أن يكون موجودًا أو الوجوب فيهما موجودًا، وأيّهما كان فقد لزم المستلزم للوجوب على الفقير، فلا يكون عدم الشمول لازمًا لهذا اللزوم.
أما إذا كان المراد باللزوم لزوم ما يناقض عدمَ [ق ٩] مجموعهما، وهو مطلق الوجوب، سواء جعل فيهما أو في أحدهما الذي نتكلم نحن على تقديره، فإن العدم إذا لم يكن شاملًا له وللمستلزم فلا بدَّ من وجود أحدهما، فيجوز أن يكون هو الموجود، وإذا كان الموجود مطلقَ الوجوب ولو على المدين كان التقدير: أنَّ مطلق الوجوب ولو على المدين مستلزمٌ للوجوب على الفقير، وهذا أول الدليل، وهو عينُ المقدمة الممنوعة في الدليل.
فيقال: لا نسلِّم ذلك، ومعلومٌ أنه إذا لم يلزم ذلك لا يكون شمول العدم من لوازم لزوم المستلزم للوجوب، لأن ذلك أيضًا هو نفس هذه المقدمة، فلا يلزم من عدم الشيء وجودُه.
[ ٢٢ ]