فأتى المستدل بجواب سديد، فقال: لا يخلو إمّا أن يكون المانع على هذا التقدير واقعًا في الواقع أو غير واقع، فإن كان واقعًا صحت هذه المعارضة، وبه يتمُّ الدليل، وإن كان المانع على هذا التقدير غير واقع في الواقع فقد لزم من ذلك التقدير انتفاء ما هو واقع في الواقع، وهذا اللازم باطل، لأن نقيضه حقٌّ، وهو وقوع ما هو الواقع في الواقع، وإذا كان اللازم منتفيًا انتفى ملزومه، وهو ذلك التقدير، وإذا انتفى ذلك التقدير فهو المدَّعَى، لأنا إنما ادَّعَينا أن نقيض المدعى ــ وهو الوجوب على المدين ــ مستلزم لما هو غير واقع في الواقع.
وبيان ذلك أيضًا أن المانع إذا لم يكن على هذا التقدير واقعًا في نفس الأمر لم يكن مانعًا، لأنَّ ما ليس بواقع لا حقيقةَ له، وإذا لم يكن مانعًا على تقدير الوجوب على المدين بَطَلَ أولُ الاعتراض، وهو قوله: لا تجب الزكاة على الفقير بالمانع على تقدير الوجوب على المدين.
واعلم أن هذا [ق ٢٩] الكلام مشروطٌ إذا ثبت اللازم أولًا بوجهٍ صحيح، وأما إن كان بدليل لا يختص التقدير فهذا الكلامُ فاسدٌ، وطريق إفسادِه ما قدَّمناه، وهو كلامٌ باطل من جهتَي المعترض والمستدل.
أما المعترض فقوله: "المانع متحقق على ذلك التقدير، وإلّا لوقعَ التعارضُ بين المقتضي السالم عن المانع المستمرّ وبين المانع الواقع في الواقع".
يقال له: لا نُسلِّم أنه لو لم يكن واقعًا على ذلك التقدير لوقعَ التعارضُ كما ذكرته، ولم يذكر على ذلك دليلًا. وبيان عدم الكلام (^١) أنه إذا لم يكن
_________________
(١) كذا، ولعل صوابه: "التعارض".
[ ٥٧ ]
المانع واقعًا على ذلك التقدير فهو واقع في الواقع، وحينئذٍ فلا نُسلِّم أن المقتضي واقع، لأنا إنما ادعينا قيامَ المقتضي على التقدير، وادَّعينا قيامَ المانع في الواقع، ولا معارضةَ بينهما.
أو يقال: المانعُ إن لم يكن واقعًا في نفس الأمر فلا يُعارض، وإن كان واقعًا في نفس الأمر فقد وقعَ التعارضُ في نفس الأمر بين المقتضي والمعارض، وهذا ليس من مقتضياتِ مذهبي، فلا يلزمني الجوابُ عنه.
أو يقال: هذا لازمٌ لي ولك، لأن ما هو في نفس الأمر لا يختصُّ أحدَ الجانبين.
أو يقال: ما هو في نفس الأمر حقٌ، والحقُّ لا يضرُّ لزومُه.
أو يقال: ما هو واقعٌ يَجِبُ التزامُه، وإن كان فيه تعارضٌ وتركٌ للدليل، لأن تركَ الدليل يجوز، ورفعُ الأمور الواقعة لا يجوز.
أو يقال: تركُ الدليل تركٌ للظنّي، ورفعُ الواقع تركٌ للقطعيّ، وإذا دارَ الأمرُ بين تركِ الظنيّ وتركِ القطعيّ كان تَركُ الظنّي (^١) واجبًا، بل يعلم أنه باطلٌ لاستلزامه مخالفة القاطع.
وأما من جهة المستدلّ فإنه قابلَ الدعوى بالدعوى، ويَرِدُ عليه من الممانعة وبيانِ عدم الملازمة والتزامِ التعارض وغير ذلك ما وردَ على المعترض، وهو أضعفُ من جهةِ أنه لا يلزمُ من كونه متحققًا على ذلك التقدير تحققُه في الواقع، لاسيّما وعند المستدلّ أن ذلك التقدير غير واقع، فلا يلزمُ من كونه واقعًا على ذلك التقدير وقوعُه في الواقع عنده، وإن كان
_________________
(١) في الأصل: "كان ترك القطعي كان ترك الظني". ولعل ما أثبتناه هو الصواب.
[ ٥٨ ]