قال المصنف (^١): (ولئن قال: لا وجودَ لأحدهما أصلًا على ما ذكرتم من التقدير، إذ لو تحققَ أحدُهما تحققَ (^٢) الوجوب على الفقير لا مَحالةَ، ولا يتحقق [هذا] (^٣) على ذلك التقدير لما قررنا. فنقول: يتحقق أحدُهما لما مرَّ آنفًا).
هذه دعوى محضة بمثلها قَصْدُ المعترض منها نفيُ هذين الأمرين اللذين ادعى المستدلّ أحدهما بما ينفي أحدَهما، وهو الوجوب على الفقير. وهو في الأصل كلام صحيح، فإن المستدل يقول: لا وجودَ للوجوب على الفقير ولا للملازمة، لأن أحدهما إذا وُجِد فلا بدَّ أن يوجَد الوجوبُ على الفقيرِ بتقدير الوجوب على المدين، لأنه إن وُجِد الوجوبُ على الفقير فظاهرٌ، وإن وُجِدت الملازمةُ وُجِد الوجوبُ على الفقير على ذلك التقدير، لتحقق الملزوم، وهو الوجوب على المدين إذ التقدير ذلك، لكن لا يجب على الفقير على هذا التقدير، لما تقدم من الأمرين، فلا يكون أحدهما موجودًا.
فقال له المستدل: يتحقق أحدهما لما مرَّ آنفًا من دعوى أحد الأمرين إما الملازمة أو الوجوب على الفقير، وما ذكرتُه من الأمرين لا يدلُّ على نفيهما، بل يدلُّ على نفي أحدهما مبهمًا، لأن الوجوب على الفقير من لوازم أحدهما، فإذا انتفَى انتفى أحدهما، ولا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء كلّ واحدٍ منهما في الأول والثاني.
_________________
(١) "الفصول" (ق ٣ أ).
(٢) في "الفصول": "لتحقق".
(٣) زيادة من "الفصول".
[ ٧٢ ]
وقد أجاب المعترض عن هذا بأن قال: أعني بأحدهما ما يناقض شمولَ العدمِ لهما (^١)، بحيث إذا تحققَ أحدُهما تحقّقَ انتفاءُ عدمِ كلٍّ منهما، فيكون الوجوب على الفقير من لوازم النقيض لشمول العدم، وهو منتفٍ لانتفاءِ لازمه، فيكون شمولُ العدم لهما، فيلزم انتفاءهما.
فقال المستدل: بل يتحقق أحدهما، لما تقدم من الأدلة الدالة على الوجوب ابتداءً من النصّ والقياس وغيرهما من الدلائل، فإن الدالَّ على المعيَّن دالٌّ على أحدهما بالضرورة.
فإن قال المعترض: لا أسلِّم أن هذا الدليل يُغايرُ الأول.
قيل له: يَعني به دليلًا يدلُّ على الوجوب غير الأول، وعلى هذا فكلما ذكر المعترض ما ينفيهما ذكر المستدل ما يُثبِت أحدهما [معارضةً] من بعد أخرى، حتى يعجز السائل عن المعارضة، فيتحقق أحدهما ويلزم منه الوجوب على الفقير على ذلك التقدير، وهو المطلوب لما ذكره من الدليل السالم عن المعارضات، فإن المعارضات [ق ٣٨] قد عورضت بمثلها، وبقي الأول سليمًا عن المعارضة.
وللسائل الكلام الأول الذي قد تقدم، ويجيب عن كلام المستدل بما ذكر، ولا يزالانِ في معارضة دعوى بدعوى. ويُمكن السائلَ أن يقول هنا: لا وجودَ لأحدهما أصلًا، أما الوجوب على الفقير فبالإجماع وبالنصوص المانعة من الوجوب عليه، وأما الملازمة فإن الدليل الدالَّ على الوجوب على الفقير بتقدير الوجوب على المدين لم يخصّ الوجوب بهذا التقدير، بل
_________________
(١) في الأصل: "لها".
[ ٧٣ ]