لم تُسعِف المصادر التي ترجمت للنسفي بتفصيل كاف يكشفُ عن مختلف جوانب حياته، بل حتى تلك المعلومات المقتضبة يتناقلها اللاحق عن السابق دون إضافة تُذكر سوى التصرف في بعض العبارات. ونحن هنا نجمع بين ما تفرق من معلومات ونسوقها على النحو التالي:
هو: محمد بن محمد بن محمد أبو الفضل (^٢) برهان الدين النَّسَفي الحنفي.
ولد النَّسَفي نحو سنة ستمائة (٦٠٠) على ما قاله تلميذه الفُوَطي، وجزم البعض أنه ولد في تلك السنة، وقيل: سنة (٦٠٦) وهي سنة وفاة الرازي صاحب «مفاتيح الغيب» الذي اختصره النسفي.
والنسفي نسبةٌ إلى مدينة «نَسَف» بفتح النون والسيف، وهي مدينة كبيرة
_________________
(١) أهم مصادر ترجمته: «مرآة الجنان»: (٤/ ٢٠٠)، «دول الإسلام»: (٢/ ٢١١)، «تاريخ الإسلام»: (وفيات ٦٨٧ ص ٣١٧)، «العبر»: (٣/ ٣٥٥)، «السير»: (ص ٢٣٢ - الجزء المفقود)، «الوافي بالوفيات»: (١/ ٢٨٢)، و«تذكرة النبيه»: (١/ ١٢٠)، و«درة الأسلاك»: (١/ق ١١٤)، و«الجواهر المضية»: (٣/ ٣٥١)، و«المنهل الصافي»: (١/ ٢٦٥)، و«تاج التراجم» (ص ٢٤٦)، و«شذرات الذهب»: (٥/ ٣٨٥)، و«طبقات المفسرين»: (٢/ ٢٥٠)، «كتائب أعلام الأخيار» رقم ٥٣٥، و«الطبقات السنية» رقم (٢٢٩٦)، و«الفوائد البهيّة» (ص ١٩٤)، و«هدية العارفين»: (٢/ ١٣٥)، و«الأعلام»: (٧/ ٣١).
(٢) وقيل: أبو الفضائل.
[ ٥٥ ]
من مدن بلاد ما وراء النهر (^١).
برز النسفي في العلوم العقلية، كالفلسفة، والكلام، والمنطق، والأصول، وله بعض التصانيف في الخلاف والتفسير، وقد أثنى عليه غير واحد في هذه الفنون.
قال تلميذه ابن الفُوَطي (ت ٧٢٣) كما في «الوافي»: «شيخنا المحقق، العلامة الحكيم، له التصانيف المشهورة. كان في الخلاف والفلسفة أوحد، مُتِّع بحواسِّه، وكان زاهدًا».
وقال الذهبي (ت ٧٤٨) في «دُوَلِه»: «العلامة البرهان النسفي، المتكلم، شيخ الفلسفة ببغداد، صاحب التصانيف في الخلاف».
وأثنى عليه كل مَن ترجم له بنحو ما سبق، إلا أن اللكنوي (ت ١٣٠٤) وصفه بأنه كان «محدِّثًا»! وهذا الوصف تفرَّد به اللكنوي، ولم نجد ما يؤيده، بل وجدنا كل الدلائل تشير إلى عدم اشتغال النسفي بالحديث وقلة بضاعته فيه ــ كما هو حال أكثر من اشتغل بالعلوم العقليَّة ــ.
قال شيخ الإسلام في كتابنا هذا (^٢): «هؤلاء المتأخرون من الخلافيين ونحوهم من المتفقِّهة أقل الناس علمًا بالحديث وأبعدهم عن ضبطه ومعرفته، ولعل أحدهم أو أكثرهم لا يَعرفون مظانَّ طلب الأحاديث ويكفي دليلًا على ذلك أن هذا المصنف [أي النسفي] ذكر في كتابه هذا عدة أحاديث، عامتها ليست محفوظة عن رسول الله - ﷺ -، مع أن في الباب الذي
_________________
(١) «معجم البلدان»: (٥/ ٢٨٥)، و«بلدان الخلافة الشرقية» (ص ٥١٣).
(٢) (٢/ ٥٠٤ - ٥٠٦).
[ ٥٦ ]
يذكره عدة أحاديث صحاح مشهورة ».
وقال الذهبي في «السير» (^١): «وما علمته روى حديثًا ولا تشاغل في الأثر».
فإن قيل: إن استجازة الحافظ البرزالي (ت ٧٣٩) منه في سنة (٦٨٤) (^٢) تدل على أنه له تشاغلًا بالرواية. فيقال: ذلك غير لازم؛ لأنه قد يطلب منه الإجازة لِمَا صحَّت له روايته من كتب الفقه والخلاف ونحوها، أو كتبه التي صنَّفها هو، ولو صح أن له رواية بكتب الحديث فلا يعني أن يوصف من أجل ذلك بالمحدِّث. مع أن البرزالي واسع الرواية جدًّا، ويروي عن كل أحد.
* مصنفاته (^٣):
ترك النسفيُّ جملةً من التصانيف أكثرها في العلوم العقلية والمباحث الفلسفية، حتى تفسيره (مختصر تفسير الرازي) أكثر مسائله قضايا فلسفية وجدلية. وهذا ذكر مصنفاته مرتبةً على الحروف:
١ - التراجيح (خ) ولدينا نسخة منه.
٢ - دفع النصوص والنقوض (خ) ولدينا نسخة منه.
٣ - رسالة في الدور والتسلسل.
٤ - رسالة في العشق (خ).
_________________
(١) الجزء المفقود منه (ص ٢٣٢) تحقيق عبد السلام علُّوش.
(٢) ذكرها في «تاج التراجم» (ص ٢٤٧).
(٣) انظر «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان: (٩/ ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٥٧ ]
٥ - شرح أسماء الله الحسنى (خ). ويُسمَّى «مشارق الأنوار».
٦ - شرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا.
٧ - شرح الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية للغزالي.
٨ - شرح منشأ النظر.
٩ - الفصول في الجدل، ويسمَّى أيضًا (المقدمة البرهانية، ومقدمة في الجدل)، وهو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه هذا وسيأتي تفصيل القول فيه.
١٠ - الفوائد.
١١ - القوادح الجدلية (خ) ولدينا منه نسخة.
١٢ - كشف الحقائق وشرح الدقائق في تفسير كلام رب العالمين، ويسمى أيضًا بـ: الواضح في تلخيص تفسير القرآن للرازي. وهو مختصر من تفسير الرازي «مفاتيح الغيب»، ذكره جل من ترجم له، وله نسخة خطيَّة وحيدة في كوبريللي بإستانبول، طبع منه تفسير سورة الناس في دار البحوث للدراسات الإسلامية بدبي بتحقيق د/ عيادة الكبيسي.
١٣ - مطلع السعادة.
١٤ - مكارم الأخلاق. طبع بتحقيق أخينا أبي الفضل القونوي في بيروت عام ٢٠١١ م.
١٥ - منشأ النظر في علم الخلاف (خ) ولدينا منه نسخة في عدة أوراق، وقد شرحه غير واحد، منهم: المؤلف، والبابرتي.
[ ٥٨ ]
* شيوخه وتلاميذه:
لم تنص المصادر على أحد من شيوخ النَّسَفي.
أما تلاميذه فقال الذهبي: «وتخرج به خلق»، لكن لم نقف إلا على خمسة وهم:
١ - ابن الفُوَطي (ت ٧٢٣) (^١).
عبد الرزاق بن أحمد بن محمد الصابوني الحنبلي الحافظ، المعروف بابن الفُوَطي نسبة إلى الفُوَط التي كان يبيعها.
٢ - ابن الصاحب (ت ٦٨٥) (^٢).
هارون بن محمد شرف الدين الجويني، صاحب ديوان الممالك.
٣ - البِرزالي (ت ٧٣٩) (^٣).
القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد أبو محمد علم الدين البرزالي.
٤ - جلال الدين الحنفي (ت ٧٤٥) (^٤).
أحمد بن الحسن بن أحمد قاضي القضاة.
٥ - علي بن هارون بن محمد السمرقندي (^٥).
_________________
(١) نص عليه غير واحد.
(٢) نص عليه في «تاريخ الإسلام».
(٣) نص عليه في «تاج التراجم».
(٤) ذكره في «المنهل الصافي».
(٥) قرئت عليه نسخة من «شرح الفصول» لمؤلفه النسفي، وكتب إجازة بخطه للناسخ سنة ٦٩٩. انظر شرح المؤلف (ق/١٠٤ ب).
[ ٥٩ ]
* وفاته:
اختلفت المصادر في تعيين سنة وفاته على أقوال أهمها ثلاثة:
١ - سنة ٦٨٤، ذكره الذهبي في «العبر»، وتبعه جماعة.
٢ - سنة ٦٨٦، ذكره الحاج خليفة والبغدادي واللكنوي.
٣ - سنة ٦٨٧، وبه قال جمهور مَن ترجم له، ويؤيده أن تلميذه ابن الفُوَطي قد حدد هذا التاريخ بدقة تدل على معرفة واطلاع فقال: مات في الثاني (^١) والعشرين من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وستمائة. ويؤيده أنه أجاز للبرزالي سنة ٦٨٤، فيكون قد توفي بعدها في الغالب، فالراجح هذا الأخير.
* * *
_________________
(١) في بعض المصادر: «الثامن».
[ ٦٠ ]