الموضعين، فكيف يفرُّ من ترك العمل بشيء في صورةٍ وقد ترك العمل به في صورتين؟ وأما السائل فقد ترك العمل بها في صورة، فلا يلزمه ترك العمل بها في أخرى، لأن ترك العمل بالدليل على خلاف الأصل، فكثرته على خلاف الأصل.
والنكتة فيه أن يقال: إذا تركنا العمل بنصّ قد عملنا به في صورةٍ أيّ محذورٍ في هذا؟
فإن قال: لأن فيه مخالفة النصّ.
قيل له: هذه المخالفة ثابتة في نفس الأمر بالاتفاق منا ومنك، وما هو ثابت في نفس الأمر لا يضرُّني التزامُه على تقدير صحة مذهبي، بل هو أدلُّ على صحة المذهب منه على فساده، فيحتاج حينئذٍ إلى أن يبيّن أن العمل به في إحداهما (^١) يقتضي العمل به في الأخرى بمعنى فقهيّ، وهذا مقبول إذا أبداه. وأما القياس فإن قاس بوصف مجهول ونحو ذلك من الأقيسة العامة فسيأتي إفساده. فإن ذكر قياسًا فقهيًّا فهو مقبولٌ. ومتى وقع التحقيق في هذا المقام تعذَّر على المستدل إثبات اللازم (^٢) بنص عام أو بقياس عام.
وربما يثبتونه بغير النص والقياس، مثل تلازم آخر أو ترديد أو دوران أو غير ذلك، فما أفاد منها معنًى فقهيًّا فهو مقبول، وإلّا فهو مردود، مثل قولِ بعضهم: لو لم تجب الزكاة على الفقير على تقدير وجوبها على المدين لم يَخْلُ إما أن يكون العدم لازمًا للوجوب في الجملة أو لا يكون لازمًا،
_________________
(١) الأصل: "أحدهما".
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "التلازم".
[ ١٥ ]
والتقديران باطلانِ، فيبطل الملزوم وهو عدم الوجوب، فيثبت الوجوب على الفقير على ذلك التقدير.
بيان الأول أنه لا يخلو إما أن يكون الوجوب في الجملة مستلزمًا [ق ٥] للعدم أم لا؟ بيان الثاني أنه لو استلزم الوجوبُ في الجملة العدمَ لكان الوجوب على الفقير مستلزمًا عدمَ الوجوب على المدين، وهو باطلٌ قطعًا، فإنه من المحال أن تجب على الفقير غيرَ مستلزم للوجوب على المدين، وهو باطلٌ أيضًا، إذ التقدير وجوبها على المدين دون الفقير.
وهذا الكلام ركيك، فإن كلا المقدمتين باطلة:
أما الأولى فلا نسلّم لزومَ أحد الأمرين على هذا التقدير، وذلك أن قوله: "العدم" إما أن (^١) يُعنَى به عدم الوجوب فيهما، أو في أحدهما بعينه، أو في أحدهما بغير عينه، أو مطلق العدم. فإن عُني به الأول كان التقدير إما أن يكون عدم الوجوب في الصورتين من لوازم الوجوب في الجملة أم لا؟ وهذا مع رِكَّته ظاهر، فإن جوابه أن يقال: ليس من لوازمه، فإن عدم الوجوب في الموضعين يمتنع أن يكون من لوازم الوجوب في أحد الموضعين، فإنه يلزم منه أن يكون الوجوب في صورة ملزومًا لعدم الوجوب في كل صورةٍ، وذلك جمعٌ بين النقيضين. وإذا لم يكن العدم فيهما من لوازم الوجوب بطلت الملازمة الثانية، وهو قوله: لو يستلزم العدم الوجوب لكان عدم الوجوب على الفقير غير مستلزم للوجوب على المدين، فإن العدل إنما هو عدم الوجوب فيهما لا عدمه على الفقير خاصّة، ولا شك أن عدمه عليهما غير مستلزم للوجوب على المدين.
_________________
(١) في الأصل: "بان ما".
[ ١٦ ]
وأيضًا فلو كان عدم الوجوب على الفقير غير مستلزم للوجوب على المدين لم يلزم عدم الوجوب على المدين، بل قد تكون واجبةً على المدين لا من جهة التلازم، بل من جهة أخرى، فإن نَفْيَ الدليل المخصوص لا يلزمُ منه نَفيُ الحكم، فيجوز أن يكون التقدير وجوبها على المدين دون الفقير، ولا يكون وجوبها على المدين من لوازم العدم على الفقير، بل ثابت بنفسه، واجتماعهما أمرٌ اتفاقي، كجميع الأمور التي هي ثابتة وليس بعضها من لوازم البعض.
وإن عُنِي عدم الوجوب في أحدهما بعينه، فإن أراد الفقير ــ وهو مقتضى كلامه ــ كان التقدير: إما أن يكون عدمُ الوجوب على الفقير لازمًا للوجوب في الجملة أو غيرَ لازمٍ، وحينئذٍ فإن قيل: هو لازم، لم يصحّ قوله: "الوجوب على الفقير يستلزم العدمَ على المدين"، لأن التقدير: العدم على الفقير. وإن قيل: ليس بلازم، فقد تقدم أنه لا يلزم عدم الوجوب عدم (^١) المدين.
وإن أراد المدين بطل التلازم الثاني من وجهين.
وإن أراد أحدهما لا بعينه أو أراد مسمًّى قيل: لا يخلو في نفس الأمر: إما أن يدّعي عدمَهما أو عدمَ كل منهما أو عدم [ق ٦] أحدهما بعينه أو عدم أيهما كان، وعلى التقديرات كلِّها فالتلازمُ المدَّعَى باطلٌ. وإنما جاء هذا التلبيس من كون لفظ "العدم" فيه إبهامٌ وإطلاقٌ واشتراكٌ، واللبيب لا يخفى عليه هذا.
_________________
(١) كذا، ولعلها: "على".
[ ١٧ ]