الكتاب الذي بين أيدينا يبحث في موضوع الجدل الأصولي، وينقد طريقة الجدليين المتأخرين ويبيِّن ما فيها من الخطأ والصواب، ويميِّز بين القشر واللباب. وهو كما ذكرنا ردٌّ على كتاب «الفصول في الجدل» لبرهان الدين النسفي (٦٨٧)، ومنهجه فيه أنه يقتبس شيئًا من كلام النسفي، ويُعقِّب عليه بالشرح أولًا ثم الردّ عليه ثانيًا، ويأتي بوجوهٍ كثيرة لبيان فساد كلامه. وإذا كان عنده شيء من اللحن أو مخالفة في اللغة يُنبِّه عليه ويذكر صوابه. وإذا كان في كلامه ما يوافق الحق والصواب أبرزَه وأيَّده فيه، ولكنّه ينتقده بتطويل الكلام وتكثير المقدمات وتغيير العبارة بما لا فائدة فيه. ويقدِّم المؤلف بعض الفصول بمقدّمات مفيدة تساعد على فهم الموضوع، كما فعل في مبحث القياس والاستصحاب وحجية قول الصحابي وغير ذلك.
وقد التزم المؤلف بالردّ على النسفي من أول كتابه «الفصول» إلى آخره، فلم يترك منه فقرةً إلّا اقتبسها وتكلَّم عليها، والتزم الترتيب نفسه، إلّا في فصل «التنافي بين الحكمين» (ص ٣٩٧)، فقد تأخّر عند المؤلف مع أنه في أول الكتاب بعد «فصل التلازم» في الأصل وجميع شروحه. ولعلَّ النسخة التي اطلع عليها شيخ الإسلام من «الفصول» كانت مضطربة في الترتيب.
[ ٥٠ ]
ونرى أن إخراج هذا الكتاب لأول مرة يُقدِّم للباحثين مادةً جديدة لدراسة آراء شيخ الإسلام في موضوع الجدل الأصولي، فالكتاب فريدٌ في بابه، لم نجد له مثيلًا في الكتب التي أُلِّفت في الجدل. ثم إن اهتمام الشيخ بنقد كتاب كاملٍ من أهم الكتب المؤلفة على طريقة المتأخرين يزيد من قيمة الآراء والنظرات التي وردت فيها، ونستطيع أن نستخلص منه رأيه في كلّ مبحث من مباحث الجدل. ونرى أن أكثر هذه الأبحاث جديدة لنا، فلم نجد من قبلُ إلا نتفًا مما يتعلق بها في كتبه المعروفة.
وعلى هذا فما في هذا الكتاب من الأبحاث المتعلقة بالتلازم والتنافي والدوران والقياس وتخصيص القياس وتعدية العدم وتوجيه النقوض والتمسك بالنصّ والأمر والنهي والتمسك بالنافي وقول الصحابي والإجماع المركب والاستصحاب وغيرها، وما فيه من الردّ على الجدليين المموّهين في هذه الموضوعات، يدفعنا إلى دراسته دراسة متأنية، والمقارنة بينه وبين ما يشبهها من المباحث في كتبه الأخرى.
ولا يمكننا في هذه المقدمة أن نتناول آراءه في الكتاب بالبحث والتحليل والمقارنة، فهذه مهمة الباحث المتفرغ لهذا الموضوع. وإنما ننبِّه هنا على أمرٍ يجب الاهتمام به عند دراسة آراء الشيخ في الكتاب، وهو أن الشيخ كثيرًا ما يُعقِّب كلامَ البرهان النسفي بما يشرحه ويُوضحه، فلا يُؤخذ منه أنه يؤيِّده وينصره، بدليلِ أنه يأتي فيما بعد بما يُبيِّن فساده من وجوهٍ كثيرة. وكذلك يفعل في ذكر المقصود من منع المعترض وجواب المستدّل (أو النسفي) عنه، فالشيخ يذكر أولًا المقصود من الاعتراض والجواب، ثم يُعقب عليه بكلام من عنده. وأحيانًا يذكر وجوهًا من الاعتراض على لسان المعترض أو المستدل جريًا على طريقة الجدليين، ثم يقول: إنها لا طائل
[ ٥١ ]
تحتها. وأحيانًا يتكلم بعد افتراضِ شيء، ويتوسَّع في الكلام، ثم يُبيِّن أن هذا الافتراض ليس بصحيح. والأمثلة على ذلك كثيرة مبثوثة في الكتاب.
وينبغي أن يكون القارئ والدارس على معرفةٍ بالغرض الأصلي من تأليف هذا الكتاب، فقد كان قصدُ الشيخ فيه التمييز بين الجدل الصحيح والباطل، والتنبيه على ما في كلام الجدليين المموّهين من المغالطات، وما يسلكونه من الطرق المعوجّة للوصول إلى المقصود. وقد نبَّه الشيخ كثيرًا على هذا الغرض في أثناء كلامه. يقول في موضع (ص ٤٢١): «واعلم أن نكت هؤلاء المموِّهين إذا صحَّ بعضُها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لابدّ من حشوٍ وإطالة، وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح». ونحو هذا الكلام عنده كثير، فعلينا عند دراسة آراء الشيخ أن لا ننسب إليه ما هو منه برئ، وإنما ورد ما ورد منه في كلامه على لسان المعترض أو المستدل.
وبالإضافة إلى مباحث الجدل والأصول يوجد في الكتاب آراء جديدة للشيخ في النحو واللغة، ونخصُّ بالذكر هنا كلامه في المصدر الصناعي (ص ٢٥٠ - ٢٥٦)، فقد أطال الكلام حوله، وبيَّن ما هو على الجادة منه مما ليس كذلك، وقد ردَّ هنا على النحويين وفصَّل تفصيلًا لا يوجد في كتب النحو القديمة والجديدة التي رجعنا إليها.