كسَوها من جَودة العبارة، وتقريب الإشارة، وحُسْن الصِّياغة (^١)، وصنوف البلاغة، ما يُحَلِّيها عند النّاظرين، ويُنَفِّقُها عند المتناظرين، مع ما اشتملت عليه من الأدلَّة السَّمعية والمعاني الشرعيّة (^٢)، وبنائها على الأصول الفقهيَّة والقواعد المرضيَّة (^٣)، والتحاكم فيها إلى حاكم (^٤) الشّرع الذي لا يُعْزَل، وشاهد العقل المُزَكَّى المعدَّل.
وبالجملة [ق ١٥] لا تكاد تشتمل على باطل مَحْض ونُكْرٍ (^٥) صِرْف، بل لا بدَّ فيها من مَخِيلٍ للحقِّ ومشتملٍ على عُرْف.
ثم إن بعض طلبةِ العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولَعين (^٦) بنوعٍ من جَدَل المُمَوِّهين، استحدثه طائفةٌ من المشرقيِّين (^٧)، وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا (^٨) فيه مراوغة الثَّعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللَّاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنَّهم وضعوها في غير مواضعها المستحقَّة لها، وألَّفوا الأدلَّة تأليفًا غير مستقيم، وعَدَلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم.
غير أنَّهم بإطالة العبارة، وإبعاد الإشارة، واستعمال الألفاظ المشتركة
_________________
(١) (ب، ق): "الصناعة".
(٢) الأصل: "الشريعية".
(٣) (ك): "الشرعية".
(٤) (ب): "حكم".
(٥) (ب، ف، ك): "مكر". وغير واضحة في (ق).
(٦) رسمها في الأصل: "مولفين".
(٧) من بقية النسخ، وفي الأصل: "المسرفين".
(٨) (ب، ف): "راغو".
[ ٦ ]
والمجازيَّة في المقدِّمات، ووضع الظنيَّات موضعَ (^١) القطعيَّات، والاستدلال بالأدلة العامَّة حيثُ ليس (^٢) لها دلالة، على وجهٍ يستلزمُ الجمعَ بين النقيضين مع الإحالةِ والإطالة، وذلك مِنْ فِعْل غالطٍ أو (^٣) مُغالطٍ للمُجادل، وقد نهى النَّبي - ﷺ - عن أغلوطات المسائل (^٤) = نَفَق ذلك على الأغْتام الطَّماطِم، وراجَ رواجَ البَهْرج على الغِرِّ العادِم، واغترَّ به بعضُ الأغْمار الأعاجم، حتى ظنُّوا أنَّه من العلم بمنزلة الملزوم من اللازم، ولم يعلموا أنه والعلم المقرِّب من الله (^٥) متعاندان متنافيان، كما أنَّه والجهل المركَّب متصاحبان متآخيان (^٦).
فلما استبان لبعضهم أنّه كلامٌ ليس له حاصل، لا يقوم بإحقاقِ حقٍّ ولا إبطال باطل= أخَذَ يطلبُ كشفَ مُشكِله وفتحَ مُقفَله، ثم إبانة علله وإيضاح زَلله، وتحقيقَ خطئه وخلله (^٧)؛ حتى يتبيَّن (^٨) أنَّ سالكَه يسلك في الجَدَل
_________________
(١) (ف): "مواضع".
(٢) (ف، ك): "ليست".
(٣) (ف، ك): "و".
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٦٨٨)، وأبو داود (٣٦٥٦)، وغيرهما، من طرق عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية عن النبي - ﷺ - الحديث. وفي سنده عبد الله بن سعد مجهول، وضعف الحديث ابن القطان في "بيان الوهم": (٤/ ٦٦)، وقواه الحافظ في "فتح الباري": (١٠/ ٤٠٧).
(٥) "من الله" من الأصل فقط.
(٦) (ف): "ومتآخيان".
(٧) بقية النسخ: "وخطله".
(٨) (ف): "تبين".
[ ٧ ]
مسلك اللَّدَد، وينأى عن مسالك (^١) الهدى والرَّشَد، ويتعلَّق من الأصول بأذيالٍ لا توصل إلى حقيقة، ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطّريقة.
ومع ذلك فلا بدَّ أن يدخل في كلامهم قواعدُ صحيحة، ونُكتٌ من أصول الفقه مليحة، لكن إنَّما أخذوا ألفاظَها ومبانيها، دون حقائقها ومعانيها، بمنزلة ما في الدِّرْهم الزّائف من العين، ولولا ذلك لما نَفَق على من له عين.
فلذلك آخذُ في تمييز حقِّه من باطله، وحالِيْه من عاطله، بكلام مختصر مُرتجَل، كتبه كاتبُه على عَجَل. والله الموفِّق لما يحبّه ويرضاه، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله (^٢).
* * * *
_________________
(١) (ف، ك): "مسلك".
(٢) انتهت خطبة الكتاب المقتبسة في "العقود الدرية" (ص ٤٥ - ٥١) ط. دار عالم الفوائد. وفي مقدمته بيان للنسخ التي رُمز لها.
[ ٨ ]