نعم، الذي يمكن أن يُقالَ: لو وجبَتْ على المدينِ لوجبَ كونُ الفقير مرادًا من هذا النصّ، إذا بيَّن أن النافي للإرادة يزول على هذا التقدير، فيعمل مقتضي الإرادة عمله، فيحتاج أن يبيِّن أن النافي لإرادة الفقير يزول على هذا التقدير. وحينئذٍ يحتاج إلى الخوض في فقه المسألة، ولا تُغنيه الأدلة العامةُ، لأنّا قد علمنا أن الفقير ليس بمرادٍ من النصّ، فدعوى إرادته على تقديرٍ يحتاجُ إلى دليلٍ ينشأُ من ذلك التقدير.
فلو قال: هو جائز الإرادة على ذلك التقدير، فلا نسلِّم أنه جائز الإرادة على ذلك التقدير، ولئن سلَّمنا جواز الإرادة [فلا نُسلم أنه] (^١) يقتضي الإرادة، كما سيأتي إن شاء الله. ولو سلَّمنا له أنّ جواز الإرادة [يقتضي] الإرادة فإنما تقتضيه (^٢) إذا كان الجواز ثابتًا في نفس الأمر، أما إذا كان جائز الإرادة على تقدير غير واقع لم يلزم أن يكون مرادًا.
وهنا وجوب الزكاة على المدين ليس واقعًا عند المستدل، وإنما يجوز كون الفقير مرادًا بتقدير الوجوب على المدين، فإذَنْ هو جائز الإرادة بتقدير غير واقع عنده، ومعلومٌ أن ما هو كذلك [ق ٣] لا يكون مرادًا، لأن ذلك الجواز منتفٍ في نفس الأمر لانتفاء تقديره في نفس الأمر، وإذا كان الجواز منتفيًا كان غيرَ واقع، فلا يكون جائز الإرادة في نفس الأمر، فلا يصحّ الاستدلالُ به على الإرادة، لأن ذلك الدليل إنما يدلُّ على الواقع لا على غير الواقع.
أو يقال: ليس جائز الإرادة على هذا التقدير بالإجماع، أما عند المستدل
_________________
(١) هنا طمس في الأصل، وكذا في المواضع الآتية، ولعل الساقط ما أثبته.
(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "يقتضيها".
[ ١٢ ]
فلانتفاءِ هذا التقدير، وأما عند المعترض فلأنه غير جائز الإرادة عنده على هذا التقدير.
وأيضًا فلا بدَّ أن يقول: المقتضي للإرادة ــ وهو شمولُ اللفظ أو صلاحيته مثلًا ــ قائمٌ، وإنما تُرِك العملُ به للمعنى المشترك بين الفقير والمدين، أو لمعنًى هو في الدين أو بالمنع، فلو وجبت على المدين لزال هذا المانعُ، ولو زال لوجبَ أن يكون مرادًا من هذا النص، فلا يتمُّ كلامُه حتى يبيّن أن الوجوب على المدين يقتضي الوجوب على الفقير من جهة المعنى، وحينئذٍ فلا يكون مثبتًا للتلازم بالنصّ. فعلمت (^١) أن النصّ بنفسه يمتنع أن يَدُلَّ على الوجوب، مع العلم بأنه في نفس الأمر غيرُ دالٍّ حتى يتبيَّن قيامُ مقتضٍ للوجوب أو زوالُ مانعٍ له. وهذا إذا وُجِد كان استدلالًا صحيحًا، ولسنا نطعنُ فيه.
واعلم أنه يُمكِن إبطال (^٢) من كل نصّ يدعى بما يختصه، فإن عدم الإرادة بالإجماع دليلٌ عام، وذلك أنه يمتنع أن تدل النصوص دلالةً مسلَّمةً على ما يخالف الإجماع، مثلَ أن يقال على هذا الحديث: لو كان له أصلٌ فالنبي - ﷺ - إنما أمرَ بأداءِ زكاة المال، والفقير ليس له مالٌ تكون له زكاةٌ، أو له مالٌ لكن لا زكاةَ له. أو يقال: لا نُسلِّم أن للفقير زكاةَ مالٍ حتى يؤمرَ بأدائها، فإنّ الأمر بأدائها فرعٌ تحقُّقِها، فلو أُثبت تحققُها بالأمر بأدائها لزمَ الدورُ.
فإن قال: يجوز أن يكون مرادًا.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله "فعُلِمَ".
(٢) هنا طمس في الأصل.
[ ١٣ ]
قلنا: لا نسلِّم، فإن زكاةَ المال لا يُعرف لغةً، وإنما يعرف شرعًا، فإن لم يثبت من جهة الشرع أنَّ لهذا المال زكاةً امتنع أن يُراد أداء زكاةٍ فيه من هذا الخطاب.
واعلم أن اللفظ لو كان "في أموالكم زكاة" ونحو ذلك احتجنا إلى جواب آخر، وإنما أمر بأداء زكاة الأموال، والإضافة إلى المعرفة تقتضي التعريف، فلا بدَّ أن تكون زكاةُ الأموال معروفة، حتى ينصرفَ الخطابُ إليها. وسواءٌ أُريدَ الزكاة المعتادة أو جنس الزكاة فالاستدلال به موقوف على ثبوت هذا الاسم في حق الفقير، ولا سبيل إلى ذلك.
واعلم أنه يمكن إثباتُ التلازم بالقياس الصحيح، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وهو الذي يعتمد عليه في هذا [ق ٤] الباب. وعادةً هؤلاء يُثبِتونه بقياسٍ عام، كما أثبتوه بنصٍّ عام، وربَّما أثبتوه بالنصّ والقياس جميعًا، وبعضهم يقول: لا يُستدلُّ به مع وجودِ النصِّ، وهذا ليس بشيء، فإنه لو فرض وجود قياس يوافق مقتضى النص لم يمتنع الاستدلال به، فإن توارد الأدلة القوية والضعيفة على مدلولٍ واحدٍ ليس بممتنع، إنما القياس الباطل ما خالف مقتضى النصّ لا ما وافقه.
وربّما قال بعضهم: يجب الزكاة على هذا التقدير، وإلا يلزم تركُ العمل بالنصوص المعمول بها في إحدى الصورتين، والأقيسة المخصوصة بالصورتين، فإنه على هذا التقدير قد عمل بالنصوص في المدين، وبينه وبين الفقير جامعٌ يوجب اشتراكهما في الحكم.
وهذا أيضًا ليس بشيء، فإن هذه النصوص متروكة في هذه الصورة بالإجماع، ومتروكة في صورة النزاع عند المستدل، فهو تارك للعمل بها في
[ ١٤ ]