رواه محمد بن نبهان مرفوعًا والمشهور من قول عبد الله موقوف. انتهى. وحيث كان الحديث بهذه المثابة من الضعف فلا يجوز الجزم برفعه إلى النبي - ﷺ -.
وفي صفحة ٧ من النسخة التي بخط المؤلف. وهو في صفحة ٤٠ من النسخة المطبوعة: ذكر الجزائري نظرية داروين في النشوء والارتقاء، ثم ذكر في صفحة ٨ من النسخة التي بخطه، وهو في صفحة ٤٢ من النسخة المطبوعة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته».
قلت: هذا الحديث رواه مسلم بهذا اللفظ في (كتاب البر والصلة والآداب) صفحة ٢٠١٧ ج ٤ طبع دار إحياء الكتب العربية، وهي الطبعة التي حققها محمد فؤاد عبد الباقي. وهو أيضا في صفحة ١٦٥ - ١٦٦ ج ١٦ من طبع المطبعة المصرية التي عليها شرح النووي. ورواه البخاري في كتاب العتق مختصرًا صفحة ١٨٢ ج ٥ فتح الباري طبع المطبعة السلفية، ورواه الإمام أحمد في المسند صفحة ٢٤٤ ج ٢ الطبعة الأولى ولفظه: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته» وقد
[ ٢٢ ]
قال الجزائري في الكلام على هذا الحديث ما نصه:
«وتأويل هذا الحديث يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدهما: باطل لأنه محال عقلا وشرعا وهو كون الله خلق آدم على صورته ﷿، إذ الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلم يكن له تعالى كفؤ ولا مثل بحال.
والثاني: يحتمل الجواز وهو أن يكون الله تعالى خلق آدم على صورة الرجل المضروب.
والثالث: وهو المعجزة المحمدية وشاهد إبطال النظرية الدارونية والإلقاء بها في نفاية الزبالات وهو أن الله خلق آدم على صورته التي ورثها أبناؤه عنه.
ولازم هذا أن آدم ﵇ لم يتطور في خلقه، بل خلقه الله يوم خلقه على صورته التي توارثها أبناؤه جيلا بعد جيل كما هو الشأن في سائر الحيوانات. كل جنس من أجناس الحيوان يتوارث أفراده الشكل والصورة الأولى لأول حيوان، فلم يطرأ عليها تغير ولا تبدل يذكر، فالفرس منذ أن كان هو الفرس، والقرد هو القرد» انتهى الكلام.
وأقول: إن الجزائري قد زالّ في هذا الموضع زلة شنيعة، حيث قرر قول الجهمية وأخذ به، وخالف قول أهل السنة والجماعة.
[ ٢٣ ]
فأما الوجه الأول الذي زعم أنه باطل ومحال عقلا وشرعا فهو قول أهل السنة والجماعة: ذكر ذلك القاضي أبو الحسين في ترجمة أبي جعفر محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي، من (طبقات الحنابلة) قال: نقلت من خط أحمد الشنجي بإسناده قال: سمعت محمد بن عوف يقول: أملي علي أحمد بن حنبل - فذكر جملة من مسائل الاعتقاد ومنها - وأن آدم صلى الله عليه خُلق على صورة الرحمن كما جاء الخبر عن رسول الله - ﷺ -، رواه ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -.
وأما الوجه الثاني والوجه الثالث فهما: خلاف قول أهل السنة، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى علي أنهما من أقوال الجهمية. قال الطبراني في كتاب (السنة) حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال رجل لأبي: إن رجلا قال: خلق الله آدم على صورته، أي صورة الرجل. فقال: كذب هو قول الجهمية. ذكره الحافظ ابن حجر في آخر (كتاب العتق) من (فتح الباري) وذكر القاضي أبو الحسين في (طبقات الحنابلة) عن أبي جعفر محمد بن علي الجرجاني المعروف بحمدان قال: سألت أبا ثور عن قول النبي - ﷺ -: «إن الله خلق آدم على صورته»
[ ٢٤ ]
فقال: على صورة آدم، وكان هذا بعد ضرب أحمد بن حنبل والمحنة، فقلت لأبي طالب: قل لأبي عبد الله. فقال أبو طالب: قال لي أحمد بن حنبل: صح الأمر على أبي ثور. من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه. وقال القاضي أبو الحسين أيضا في ترجمة عبد الوهاب ابن عبد الحكم الوراق، من (طبقات الحنابلة) قال زكريا بن الفرج: سألت عبد الوهاب غير مرة عن أبي ثور فأخبرني أن أبا ثور جهمي، وذلك أنه قطع بقول أبي يعقوب الشعراني. حكى أنه سأل أبا ثور عن خلق آدم على صورته فقال: إنما هو على صورة آدم ليس هو على صورة الرحمن. قال زكريا: فقلت بعد ذلك لعبد الوهاب: ما تقول في أبي ثور؟ فقال: ما أدين فيه إلا بقول أحمد بن حنبل: يهجر أبو ثور ومن قال بقوله. قال زكريا: وقلت لعبد الوهاب مرة أخرى وقد تكلم قوم في هذه المسألة: «خلق الله آدم على صورته» فقال: من لم يقل إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي.
فأما حديث ابن عمر ﵄ الذي أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فهو حديث صحيح الإسناد، رواه عبد الله
[ ٢٥ ]
ابن الإمام أحمد في كتاب (السنة) بإسناد رجاله رجال الصحيحين. ولفظه: قال: حدثني أبو معمر، حدثنا جرير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وقد رواه أبو بكر الآجري في (كتاب الشريعة) فقال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم المروزي قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ﷿» إسناده صحيح. أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال: أبو علي الحافظ ثقة مأمون. وقال أبو بكر الإسماعيلي: ثقة ثبت. وقال أبو الحسين بن المنادي، هو أحد الثقات وأهل الصلاح والفهم لما يحدث به: وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁: رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في (كتاب السنة) فقال: حدثني أبو بكر الصاغاني، حدثنا أبو الأسود - وهو النضر بن عبد الجبار - حدثنا ابن لهيعة عن أبي يونس - وهو سليم بن جبير السدوسي مولي أبي هريرة - عن أبي
[ ٢٦ ]
هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإنما صورة الإنسان على وجه الرحمن» ابن لهيعة ضعفه بعض الأئمة، وحسن بعضهم حديثه، وقد روى له مسلم مقرونا بآخر. وبقية رجاله ثقات. وحديث ابن عمر المذكور قبله يشهد له ويقويه.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في آخر (كتاب العتق) من (فتح الباري) ما ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة ﵁: «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» ثم قال: أخرجه ابن أبي عاصم في (السنة) والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجالة ثقات. وأخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ: «من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن» فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر به أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه. قال: وقال حرب الكرماني في (كتاب السنة): سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج: سمعت أحمد يقول: هو حديث صحيح. انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر. وقد ذكر الذهبي في ترجمة أبي الزناد في (الميزان) ما رواه حرب عن إسحاق، وما رواه الكوسج عن أحمد، ثم قال: وهو مخرج في
[ ٢٧ ]
الصحاح. قال: وأما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء انتهى.
وقال أبو بكر الآجري في (كتاب الشريعة): (باب الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف) ثم روى حديث أبي هريرة ﵁ في ذلك من عدة طرق بألفاظ مختلفة:
اللفظ الأول: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته».
اللفظ الثاني: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته».
اللفظ الثالث: بنحو اللفظ الأول.
اللفظ الرابع عن أبي هريرة ﵁ قال: «لا تقل: قبح الله وجهك ولا وجه من أشبه وجهك فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته» وقد رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يحيي ابن سعيد قال: حدثنا ابن عجلان قال: حدثني سعيد عن أبي
[ ٢٨ ]
هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا تقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم ﵇ على صورته» ابن عجلان قد روى له مسلم في المتابعات، ووثقه ابن عيينة، وأحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي. وبقية رجاله رجال الصحيح.
وروى الآجري في الباب أيضا حديث ابن عمر ﵄، وقد تقدم ذكره. ثم قال الآجري بعد إيراده لحديثي أبي هريرة وابن عمر ﵄: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها كيف ولم، بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. حدثنا أبو نصر محمد بن كردي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: سالت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها وقال: تلقتها العلماء بالقبول تسلم الأخبار كما جاءت.
وقال أبو بكر المروذي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه في أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها
[ ٢٩ ]
الجهمية، فقال أبو عبد الله: حدثوا بها فقد تلقتها العلماء بالقبول، وقال أبو عبد الله: تسلم الأخبار كما جاءت. قال محمد ابن الحسين الآجري: سمعت أبا عبد الله الزبيري ﵀ وقد سئل عن معنى هذا الحديث فذكر مثل ما قيل فيه، ثم قال أبو عبد الله: نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت كما جاءت ونؤمن بها إيمانا ولا نقول كيف، ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهى بنا فنقول في ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت. انتهى كلام الآجري رحمه الله تعالى.
وإذا علم أن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه قد صححا حديث: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وعلم أيضا ما تقدم عن الإمام أحمد أنه قال من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي. وقوله أيضا: من قال إن الله خلق آدم على صورة الرجل - أي المضروب - فهو جهمي، وكذلك قول عبد الوهاب الوراق: من لم يقل إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فهو جهمي. فليعلم أيضا أنه يجب الإيمان بما جاء في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن» لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -، ويسلك في هذا الحديث كما يسلك في آيات الصفات،
[ ٣٠ ]