مفتوحة. وقيل: ما بلغ الكعب، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان. إلى غير ذلك. راجع كتبهم المطوّلة.
ومَن طالع كتب الحنفية وكتب الشافعية عَرَف أن المسائل المضطربة عند الحنفية أكثر جدًّا منها عند الشافعية.
فأما قديم المسائل وجديدها فهي معروفة عند الشافعية، والمذهب هو الجديد باتفاقٍ منهم، وإنما هناك بضع عشرة مسألة عُرف للشافعي فيها قول قديم وقول جديد، ثم جاء في الجديد ما أوجب ترجيح القديم، وذلك كامتداد وقت المغرب إلى دخول وقت العشاء، كان الشافعي يقول به قديمًا؛ لأنه قول جمهور أهل العلم، ثم وقف عنه في الجديد لحديث صلاة جبريل، فقال بعدم الامتداد إلّا أن يصحّ الحديثُ الآخر، وهو حديث الشّفَق، فصحّ الحديثُ عند أصحابه فقالوا به.
وأما المسائل التي يقول الشافعي: "فيها قولان" ولا يرجّح، فقد ذكروا أنّ ذلك اتفق في ستّ عشرة مسألة، فهذه يؤخذ الترجيح فيها مِن عَرْضها على أصول الشافعي، وما من إمام إلا وتوجد مسائل لا تحصى لم ينصّ عليها؛ لأن الفروع أكثر من أن يُحاط بها. وتركه الترجيح فيها لا يزيد عن تركه ذكرها رأسًا، ثم يستنبط أصحابه الحكمَ فيها من أصوله، فهكذا يستنبطون الترجيح.
فإن قيل: لكن تركه الترجيح فيها مع ذكره لها يدلّ على عجزه.
قلت: أما العجز عند نصّه عليها فلا بأس به؛ إذ ليس من شَرْط المجتهد أن لا تعرض له مسألة إلّا عَرَف الحكمَ فيها فورًا، فرُبّ مسألة تُعَنِّي المجتهدَ أيّامًا أو أشهرًا أو أكثر، ورُبّ مسألة لا تزال مشكلة عنده. هذا عمر بن
[ ١٥ / ٣٢٧ ]
الخطاب أشكلت عليه مسائل حتى [ص ٣٠] أوصى بأنه لا يقول فيها شيئًا.
وأما العجز المطلق فهذا غير لازم، فلو أن الشافعيَّ صبَر نفسَه وداوم النظر في تلك المسائل لكان الظاهر أن يتبيَّن الراجح فيها، ولكن لم يكن هناك ما يدعوه إلى ذلك؛ إما لأن تلك المسائل لم يتفق وقوعُها حينئذٍ فليزم الشافعي أن يعمل أو يفتي أو يقضي فيها، وإمّا لغير ذلك. ودلالة عدم ترجيحه فيها على ديانته وورعه لا تخفى.
وقد جاء عن حفص بن غِياث أنه قال: "كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل، فلما رأيتُ ذلك تركته وأقبلتُ على الحديث" (^١).
وأجاب عنه الأستاذ ص ١١٩ بقوله: "يوجد بين الأئمة من يُروى عنه عدة أجوبة في مسألة واحدة؛ كالروايات الستّ عن مالك في المسح على الخفّين، وكالأجوبة المشفّعة في "الأم" للشافعي وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولًا واحدًا منه في كل مسألة. وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذّة على أن قيمة روايات النوادر تقدّر بأحوال رواتها".
كذا قال! وعليه في هذا ما لا يخفى. أما الروايات الستّ عن مالك فليست كلها في درجة واحدة، فالراجح منها واحدة، وباقيها كروايات النوادر عند الحنفية. وأما الأجوبة المشفّعة فقد مرّ الكلامُ فيها. وأما الروايات عن أحمد ففيها راجح ومرجوح، فالراجح بمنزلة ظاهر الرواية عند الحنفية، وليس في ذلك ما يدلّ على أن مالكًا أو الشافعي أو أحمد كان يقول
_________________
(١) أخرجه الخطيب في "تاريخه": (١٣/ ٤٢٥).
[ ١٥ / ٣٢٨ ]
في اليوم الواحد في المسألة الواحدة خمسة أقاويل؛ يجزم بهذا ثم يجزم بهذا وهكذا ولا ما يقرب من ذلك، بل لا أراه اتفق لواحد منهما مثل ذلك في قولين فكيف خمسة؟
والاضطراب في اليوم الواحد يشعر بما لا يشعر به أن يقول العالم قولًا ثم يرجع عنه بعد سنة
_________________
(١) مثلًا فتدبّر. [ص ٣١] وقول الأستاذ: "إنه لا يوجد في كتب ظاهر الرواية إلا قول واحد لأبي حنيفة في كل مسألة" مجازفة! وهذه كتبهم موجودة بأيدي الناس. وعلى فرض صحة ذلك فإنما وجهه: أنّ مؤلفي تلك الكتب نقلوا آخر أقواله أو أقواها عندهم؛ ولهذا رجّحت كتبهم لا لضعف الكتب الأخرى مطلقًا. فأما قوله: "إن الشافعية يَشْكُون من عدم مشي الفروع على الأصول"، فلا أدري مَن هو الذي شكا ذلك من الشافعية؟ ولا شكّ أنّ في الفروع ما يصعب على بعض المتفقّهة تطبيقه على الأصول، ولكن عامة هذا في الفروع التي لم ينص عليها الإمام، والإمامُ غير مسؤول عن ذلك. فأما الفروع التي نصّ عليها فلا يكاد يوجد فيها ذلك إلا أن يكون قليلًا. لكن طالع كتب الحنفية وتأمل العجب العُجاب من ذلك، بل طالع مناظرات الشافعي مع أئمتهم ليتبين لك كثرة تناقضهم. هذا مع أن أصول الفقه عند الشافعية حرّة غالبًا؛ ولهذا لا تكاد تجد في كتبهم الأصولية محاولة تطبيق الفروع عليها، فأما أصول الفقه عند الحنفية فمبنية على الفروع، فكم من فرع شاذٍّ حاولوا أن يخترعوا أصلًا يردونه إليه؛ ولهذا يكثر التناقض في أصولهم نفسها بينا تراهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث
[ ١٥ / ٣٢٩ ]