والمقصود هنا أن في القرآن مواضع كثيرة تشكل فصاحتها على كثير من الناس، فما الظنّ بعربيّ فصيح نُقِل عنه كلام كثير جدًّا؟! فإذا تدبّرت هذا ثم تدبّرت ما تقدّم وأنعمتَ النظر اتضح لك حالُ الشافعي في فصاحته.
ثم اسمع الآن بعض الثناء عليه بالفصاحة، فمما ذكره الحافظ ابن حجر في "توالي التأسيس" (^١) ــ ومن عادته أن لا يجزم إلا بما كان ثابتًا ــ: "قال زكريّا الساجي: حدثنا جعفر بن أحمد قال: قال أحمد بن حنبل: كلام الشافعي في اللغة حُجّة".
"قال داود بن عليّ إمام أهل الظاهر في "مناقب الشافعي" له: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أوتي فيه فهمًا " (^٢).
[ص ١٠] "وقال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام (صاحب السيرة وهو من أهل العلم بالعربية): الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم: وحُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضًا: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان. قال: وكتب إليَّ عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت
_________________
(١) كذا أثبت المؤلف اسم الكتاب كما هو في طبعته الأولى، وصواب اسمه "توالي التأنيس" بالنون كما نص عليه تلميذه السخاوي في "الجواهر والدرر": (٢/ ٦٨٢). والنص فيه (ص ٨٥ - ط. دار الكتب).
(٢) انظر "توالي التأنيس" (ص ٩٠).
[ ١٥ / ٣٠٣ ]
جعفر بن محمد الخوارزمي يحدِّث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأتُ شِعر الشَّنْفَرى على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: قلنا لعمّي: على مَن قرأت شعرَ هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس" (^١).
"وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي: تصفحنا أخبار الناس فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أوضح شأنًا، ولا أبين بيانًا، ولا أفصح لسانًا من الشافعي، مع قرابته من رسول الله ﵌" (^٢).
"وقال الحاكم: سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أُخِذَت على الشافعي، مثل قوله: "ماء مالح". ومثل قول: "انبغى أن يكون كذا وكذا"؟ فقال لي: كلام الشافعي صحيح. وقد سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه" (^٣).
"وقال الآبري: أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي: سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارًا: لو رأيتَ الشافعيّ وحسن بيانه وفصاحته لعجبت منه، ولو أنه ألَّف هذه الكتب على عربيّته التي كان يتكلّم بها معنا في المناظرة لم يُقْدَر على قراءة كتبه لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضّح للعوام" (^٤).
_________________
(١) هذه الأخبار في "توالي التأنيس" (ص ٩٦ - ٩٧).
(٢) المصدر السابق (ص ١٠١).
(٣) المصدر السابق (ص ١٠٣).
(٤) المصدر السابق (ص ١٥١).
[ ١٥ / ٣٠٤ ]