قال لي أحدهم يومًا في مجلس جمعني به: إنك تمتدح عائشة ولا ترتضي الطعن فيها!
فقلت: وما الضير في هذا وهي زوجة النبي ﵌ وأم المؤمنين بنص القرآن، إنما الخلل فيمن يطعن فيها ويتجاسر عليها!
فقال: أما تعلم أنها خرجت على إمام زمانها أمير المؤمنين ﵇؟ أما فعلت في موقعة الجمل كذا وكذا؟
فقلت له: إنّ الأدلة التي تحتج بها على إدانة أم المؤمنين عائشة ﵂ هي نفسها أدلة إدانتك من حيث لا تدري.
لست بصدد تحليل خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ مع من معها إلى العراق أصواب هو أم خطأ؟ وما أسباب ذلك الخروج؟
فمن المتفق عليه أنّ أم المؤمنين عائشة ﵂ ليست معصومة، فهي لذلك تصيب وتخطئ كسائر المؤمنين، وإنما سأقول لك بكل صراحة ووضوح: إنّ رسول الله ﵌ الذي أخبر عن خروجها إلى العراق في حديث الحوأب المروي عند السنة والشيعة هو نفسه الذي رضي بها زوجة له وأحبها وقرّبها إليه.
_________________
(١) سورة الشرح آية ٤
[ ٤٠١ ]
فهل كان رسول الله ﵌ مخطئًا حينما ارتضاها لنفسه وأحبها وهو يعلم أنها ستختلف مع علي وسيدور بينهما قتال؟
هل تظن في نفسك الورع والتقوى أكثر من رسول الله كي تنزه نفسك عن الزواج من مثيلاتها وهي الطاهرة النقية التي اختارها رسول الله ﵌ لتكون رفيقة دربه في حين أنك تنسب لرسول الله ما تنزه نفسك عنه؟!
هل أنت أتقى وأنقى وأورع وأعقل من رسول الله الذي استبقاها معه حتى وفاته؟!
فصمت الرجل ولم يستطع أن يقول شيئًا.
وكيف لعاقل أن ينطق بغيرهذه الحقيقة؟!
مَنْ مِنْ هؤلاء الشتامين اللعانين يجرؤ على ادعاء أنه أكثر فهمًا وإدراكًا ووزنًا للأمور من رسول الله؟
ليأت هذا الرجل وليقلها على الملأ ليعرف الناس حقيقته بدلًا من تعمية الحقائق والطعن المبطن في رسول الله وفي زوجاته وفي أصحابه.
بعدها استئنفت كلامي قائلًا: الآن حان الوقت لنقاش موضوع (موقعة الجمل) معك، ما دليلك على أنّ أم المؤمنين عائشة فعلت كذا وكذا في موقعة الجمل؟ ستقول لي وبكل ثقة: التاريخ.
وسأجيبك قائلًا: أي تاريخ هذا؟ ما الرواية التاريخية التي استندت إليها في فهمك لحادثة (الجمل)؟
إنّ أغلب أحداث موقعة الجمل انفرد بروايتها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذّاب مشهور، منصوص على كذبه عند جمع من علماء أهل السنة وعند الشيعة الإثني عشرية أيضًا!
[ ٤٠٢ ]
وإنّ كتب التاريخ التي تُقرأ اليوم كـ"البداية والنهاية" لابن كثير و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير و"المنتظم" لابن الجوزي وغيرها كلها معتمدة على رواية (سيف بن عمر الضبّي) المذكورة في "تاريخ الطبري" وإنّ هؤلاء الذين يكثرون من تسطير أسماء كتب التاريخ في الحواشي بُغية إعطاء نوع من المصداقية لما ينقلونه من مطاعن في الصحابة يجهلون أو ربما يتجاهلون أنّ أغلب هذه الكتب إنما تنقل عن "تاريخ الطبري" اعتمادًا على رواية سيف المشار إليها، ولهذا لا يصح أن يحتج محتج بما تضمنته تلك الرواية بحجة أنها مذكورة في الكتاب التاريخي الفلاني دون النظر إلى إسنادها وعرضها على مائدة النقد العلمي.
كيف والرواية انفرد بذكرها (سيف بن عمر الضبّي) وهو كذاب مشهور؟!
قال فيه أبو نعيم الأصبهاني: (متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث، لا شيء).
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي.
وقال الدارقطني: متروك الحديث، وفي قول آخر له: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف.
وقال ابن عدي: (بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها)
أما الشيعة، فرأيهم في (سيف بن عمر) واضح وجلي لا يحتاج إلى إثبات.
فقد ألف مرتضى العسكري كتابه "عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى" اعتمادًا على فكرة أساسية هي كون (سيف بن عمر الضبّي) وهو الراوي الوحيد لقصة ابن سبأ مطعون فيه عند
علماء الجرح والتعديل عند السنة والشيعة (١).
_________________
(١) انفرد سيف بن عمر بذكر الدور الخارق لابن سبأ في فتنة مقتل عثمان ﵁، ولا بد أن نفرّق بين انفراده بذكر الدور الخارق لابن سبأ وبين صحة وجود شخصية باسم (عبد الله بن سبأ)، فإنّ هذه = = الشخصية ثابتة بلا ريب بروايات سنية في تاريخ ابن عساكر وغيره -بعضها صحيح السند- وبروايات شيعية –بعضها صحيح السند عند علماء الشيعة - في رجال الكشي والغارات للثقفي وغيرهما، وأقوال العلماء المتقدمين من السنة والشيعة في وجود هذه الشخصية وفي كون إطارها الحقيقي إنما هو الغلو في الإمام علي والطعن في الشيخين مما لا ينكره إلا أحد إثنين: إما جاهل بأقوالهم أو معاند مكابر. وقد كفانا الشيخ علي آل محسن- وهو من علماء الشيعة المعاصرين- مؤونة التفصيل إذ قال في كتابه "لله وللحقيقة ص٣٤" في رده على (حسين الموسوي): (وإنّ العجب ممن يدَّعي الفقاهة والاجتهاد كيف تخفى عليه مسألة بسيطة من أبسط المسائل الرجالية، وهي أنّ المشهور الذي كاد أن يكون إجماعًا بين علماء وفقهاء الإمامية قديمًا وحديثًا أنّ عبد الله بن سبأ شخصية كان لها وجود، وقد نصَّ العلماء على ذلك في كتبهم الرجالية المعروفة)، ويقول أيضًا في ص٣٦: (إنّ مشهور علماء الشيعة- ومن جملتهم كاشف الغطاء- قد ذهبوا إلى وجود عبد الله بن سبأ، وأنه ادّعى الألوهية لأمير المؤمنين ﵇ فأحرقه بالنار في جملة رجال ادّعوا ذلك معه، وهذا يعرفه كل من بحث في كتب الرجال وتفحّص الأقوال).
[ ٤٠٣ ]
وهو ما قرره آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي في "معجم رجال الحديث ١١/ ٢٠٧" بقوله: (إنّ أسطورة ابن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة ومختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضاع الكذّاب)، فإذا كان الأمر كذلك، فما بالكم تكيلون بمكيالين؟!
حينما يكون الكلام عن ابن سبأ يكون (سيف بن عمر الضبي) كذّابًا وحينما يكون الكلام عن أم المؤمنين عائشة تكون الرواية صحيحة ومُلزمة (١) وبهذا تنالون من زوجة نبينا محمد ﵌ (٢)؟!
_________________
(١) لا يعني كلامي هذا إنكار ما تواتر في التاريخ من وقوع موقعة الجمل ومشاركة أم المؤمنين عائشة ﵂ فيها وإنما الكلام عن تفاصيل تلك الموقعة التي نالها الكثير من التزييف من جهة الوضاعين والمغرضين.
(٢) وينبغي لي أن أسجل اعتراضًا أيضًا على بعض المؤلفين الذين اعتمدوا على روايات سيف بن عمر الضبي في موضوع (مقتل عثمان بن عفان) حيث إنّ رواية سيف للأحداث تخالف الروايات الصحيحة في مقتل عثمان وفيها من تضليل الحقائق ولمز بعض الصحابة كعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وأم المؤمنين عائشة وغيرهم ما لا يتنبه له إلا المتمعن في مضمون الروايات ومخالفتها لما صح من التاريخ.
[ ٤٠٤ ]
مالكم تركتم الثوابت وتعلقتم بالأكاذيب؟
أما قال الله تعالى عن زوجات نبيكم ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأثبت أنّ عائشة وحفصة وسودة وأم سلمة وميمونة وغيرهن هن أمهات للمؤمنين، ويلزم من ذلك أنّ من رفض أمومة هؤلاء الزوجات فهو جاحد للنص القرآني كافر به؟
إنّ تتبع المتشابه وترك المُحكم الواضح دليل صارخ على الزيغ عن الهدى كما قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَة﴾ (١).