أما وقد علمت أنّ (أهل البيت) هم (بنو هاشم بجميع فروعهم) وكذا (أزواج النبي ﵌)، فاعلم أنّ الله تعالى قد فضل أهل البيت بعضهم على بعض درجات فمنهم من ذُكر بمناقب خاصة وأُشير إليه بشرف خاص ومنهم من هو كسائر آل البيت في المنقبة العامة لا يفضل على أحد منهم بمنقبة.
وآل البيت في هذا المقام قسمان: قسم حاز (الشرف العام) وهم (المؤمنون من بني هاشم) ولهؤلاء من المكانة والشرف والتقدير والإجلال ما يميزهم عن سائر المسلمين، يُحب المرء منهم على قدر دينه وإيمانه، فمن ضم إلى قرابته لرسول الله ﵌ علمًا في الدين وتقوى لله كان أحب إلينا ممن هو أقل منه دينًا وعلمًا، ومن كان منهم أقرب من رسول الله ﵌ كان أحب إلى قلوبنا ممن بعُد نسبه.
ودليل (هذا التشريف) ما روي من أنّ العباس (عم رسول الله) شكا إلى رسول الله ﵌ ما يَلقون من قريش من تعبيسهم في وجوههم وقطعهم حديثهم عند لقائهم، فغضب رسول الله ﵌ غضبًا شديدًا حتى احمّر وجهه ودرّ
_________________
(١) مناقب آل أبي طالب ١/ ١٨٨ وبحار الأنوار ١٩/ ٢٢٥
[ ٧٥ ]
عرقٌ بين عينيه وقال: (والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله) (١).
وما ورد بسند صحيح عن النبي ﵌ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار) (٢)
أما المسيء منهم المفارق لهدي النبي ﵌ فإنه يُبغض على قدر ضلاله وبعده عن هدي محمد ﵊ إن لم يذهب به ضلاله إلى حد الكفر أو الزندقة فيُوالى الرجل منهم لإسلامه وقرابته ويُبغض لمعصيته وهواه.
ولا يقدّم الهاشمي الضال على التقي الصالح من غير بني هاشم، إذ إنّ ميزان التفاضل هو التقوى لا النسب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) والرسول ﵌ يقرر هذه الحقيقة فيقول: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (٤) فالنسب لن ينقذ أحدًا من الناس ويشفع له عند الله إن أساء العمل وخالف هدي رسول الله ﵌.
أما الكافر أو المرتد من (بني هاشم) فلا يُنسب إلى آل بيت النبي ﵌ ولا كرامة، ولا يعني ذلك إنكار قرابته النسبية من رسول الله ﵌ فإنّ
_________________
(١) في سنده (يزيد بن أبي زياد) وهو ضعيف، لكن ذكر تقي الدين ابن تيمية في "مجموع الفتاوى ٢٧/ ٢٦٨" أنّ الحديث (قد روي عن النبي ﵌ من وجوه حسان) فلعله وقف على مالم أقف عليه مع أني قد تقصيت أسانيد الرواية في مظانها فوجدتها كلها عن يزيد بن أبي زياد.
(٢) رواه الحاكم في "المستدرك ٣/ ١٥٠" وقال: (صحيح على شرط مسلم) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة ٥/ ٦٤٣" حديث رقم (٢٤٨٨).
(٣) سورة الحجرات آية ١٣
(٤) رواه مسلم – كتاب (الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار) – باب (فضل الاجتماع على تلاوة القرآن) – حديث رقم (٢٦٩٩) و"مستدرك الوسائل" للنوري الطبرسي ٣/ ٣٦٣ حديث رقم (٢٠).
[ ٧٦ ]
هذه لا يستطيع أحد إنكارها، وإنما المستنكر هو إطلاق مسمى (أهل البيت) -الذي اقترن بالتشريف من رب العالمين -على المرتدين أو الكفار.
ولهذا لا يُقال بأنّ أبا لهب وأمثاله من الكفار والمعاندين من آل بيت النبي ﵌ وإن كان (أبو لهب) في الحقيقة هو عم رسول الله ﵌.
ومثل هؤلاء يُبغَضون كـ (سائر الكفار) بل أشد، وقد أنزل الله تعالى في أبي لهب (عم رسول الله ﵌) آيات تتلى إلى يوم القيامة لما كفر وعاند وحارب الإسلام وأهله.
ولو كان النسب عاصمًا أحدًا من الضلالة لعصم ابن نوح ﵇ لما ناداه نوح ﵇ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) فآثر الغرق على الهدى أو آزر لما قال له ابنه ابراهيم ﵇ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ (٢) فقابل النصح بالعناد والمكابرة إنّ ديننا قائم على ما وقر في القلب وصدقته الأعمال لا على ما سطرته كتب الأنساب!
خصوصية أصحاب الكساء والأزواج
وأما القسم الثاني من (آل البيت) فهم أصحاب الكساء (علي وفاطمة والحسن والحسين) وأزواج رسول الله ﵌ وذريته، ويُضاف إليهم كل هاشمي وردت في حقه فضائل خاصة كالعباس وحمزة وجعفر مثلًا، فإنه قد وردت فيهم فضائل خاصة تُميزهم عن سائر بني هاشم.
_________________
(١) سورة هود آية ٤٢
(٢) سورة مريم آية ٤٤ - ٤٥
[ ٧٧ ]
فلهؤلاء خصوصية لا يشركهم فيها عامة بني هاشم فضلًا عن غيرهم.
فأما أهل الكساء فقد برزت خصوصيتهم بقول النبي ﵊ في حديث الكساء (هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق)، فنص بهذا رسول الله ﵌ على كونهم خاصة أهل بيته وأقربهم إليه، فحرص على تجليلهم بالكساء والدعاء لهم لينالهم التطهير، وسيأتي تفصيل هذا في موضعه من الكتاب.
وقد اختارهم دون سائر أهل بيته للمباهلة لأنهم أخص أهل بيته وأقربهم إليه، فخرجوا معه لمباهلة (عبد المسيح) ومن معه من وفد نجران.
وأما ذرية النبي ﵌ وأزواجه فلهم خصوصية الصلاة عليهم في (الصلاة الإبراهيمية) التي وردت بعدة صيغ عن النبي ﵌، منها (قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (١).
ولأزواج النبي ﵌ مزايا أخرى منها أنّ الله تعالى جعلهن أمهات للمؤمنين وهي أمومة يترتب عليها حرمة الزواج منهن بعد رسول الله ﵌ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، ووجوب احترامهن والتأدب معهن.
ومن مزاياهن أنّ الله تعالى فضّلهن على سائر نساء المؤمنين، فلهن من المكانة والفضل وعلو المقام والرتبة ما ليس لغيرهن من النساء كما قال الله تعالى ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (٢).
_________________
(١) رواه البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء – حديث رقم (٣٣٦٩).
(٢) سورة الأحزاب آية ٣٢
[ ٧٨ ]
وقد شرفهن الله تعالى بتلاوة آياته والحكمة في بيوتهن فقال ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾ (١).
ولمكانتهن من رسول الله ﵌ ومن المسلمين جعل الله تعالى الأجر لهن مضاعفًا إِنْ عملن صالحًا والعذاب مضاعفًا إن أتين بفاحشة (٢)، فقال عز من قائل ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (٣).
وقد روى الشيخ الطبرسي (٤) في تفسيره "مجمع البيان ٨/ ١٥٣" عن أبي حمزة الثمالي عن زيد بن علي (ع) أنه قال: (إني لأرجو للمحسن منا أجرين، وأخاف على المسئ منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي ﵌).
وروى عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، قال: فغضب وقال: نحن أحرى أن يجري فينا
_________________
(١) سورة الأحزاب آية ٣٤
(٢) قال الإمام البغوي في تفسيره "معالم التنزيل ١/ ٣٧٤": (قوله ﷿ ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَاتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة﴾ بمعصية ظاهرة، قيل: هوكقوله ﷿ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ (الزمر- ٦٥) لا أنّ منهن من أتت بفاحشة).
(٣) سورة الأحزاب آية ٣١
(٤) أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، ترجم له الشيخ عباس القمي في "الكنى والألقاب ٢/ ٤٤٤" واصفًا إياه بأنه: (فخر العلماء الأعلام أمين الملة والإسلام أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، المذعن بفضله أعداؤه ومحبوه الفقيه النبيه الثقة الوجيه العالم الكامل المفسر العظيم الشأن، صاحب كتاب "مجمع البيان" الذي قال في حقه الشيخ الشهيد: (هو كتاب لم يعمل مثله في التفسير).
[ ٧٩ ]
ما أجرى الله في أزواج النبي ﵌ من أن نكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب. ثم قرأ الآيتين).
وروى الإمام محمد بن عاصم الأصبهاني ﵀ عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت (الحسن بن الحسن) أخا (عبد الله بن الحسن) وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: (ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فأبغضونا) ثم قال: (والله إني لأخاف أن يُضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين) (١).
فهذه روايات ثلاث بأسانيد سنية وشيعية تشير إلى احتساب أئمة آل بيت النبي ﵌ أن يؤتي الله تعالى للمحسن منهم أجره مرتين والمسيء منهم العذاب ضعفين إن أساء العمل.