لا يقتصر الغلو الذي أشير إليه على بضعة أحاديث هنا وهناك يمكن للمرء أن يتنصل منها مدّعيًا عدم صحة نسبتها إلى عقيدة الشيعة، بل إنّ الغلو طال أبوابًا كاملة يحوي كل باب منها عددًا لا يُستهان به من الأحاديث المغالية، وإليك نموذجًا على ذلك كتاب "الكافي" للكليني الذي يعتبر أهم كتب الحديث عند الطائفة على الإطلاق.
ليس ذلك ادّعاء مني بل إنّ ما ذكرته هو ما يقرره محققو الطائفة وعلماؤهم وعلى رأسهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي في "المراجعات" حيث يقول: (الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان، وهي الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها، والكافي أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها) (١).
ويقول آية الله العظمى محمد سعيد الطباطبائي الحكيم في كتابه "في رحاب العقيدة" عن الكافي (ويمتاز هذا الكتاب - مضافًا إلى جامعيته للأصول والفروع- بأمرين: أحدهما: أنه الكتاب الوحيد التام الموسع الذي وصل إلينا مما أُلف في عصور الأئمة ﵈، فإنه أُلف في أواخر عصر الغيبة الصغرى، الذي يعتبر من عصور حضور الأئمة ﵈ لإمكان الرجوع فيه للإمام من طريق نوابه الخاصين الذين كانوا على اتصال مباشر به.
ثانيهما: أنّ مؤلفه (قدس الله تعالى روحه) قد صرّح في مقدمته بأنه توخى جمع الأخبار الصحيحة عن المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.
_________________
(١) المراجعات - المراجعة ١١٠
[ ٩٩ ]
ولا يريد بصحة أخباره أنه رواها بطرق صحيحة كل رجالها ثقات، لعدم ظهور هذا المصطلح في عصره بل الظاهر أنه يريد أنه رواها من كتب مشهورة معروفة في عصور الأئمة ﵈ معوّل عليها عند الشيعة، على مرأى من الأئمة ومسمع منهم. بل قد ثبت عرض بعضها على الأئمة ﵈ وتصحيحهم لها.
ويشهد بصدقه في ذلك، وبحسن اختياره للأحاديث ثناء قدماء علماء الطائفة – ممن تأخر عنه- على الكتاب المذكور وعلى مؤلفه، وأنه جليل القدر عارف بالأخبار عالم بها، وأنه أوثق الناس في الحديث وأثبتهم، حتى عرف بين علماء الشيعة بثقة الإسلام.
ولا نعني بذلك التعهد بصحة كل خبر من أخباره. فإنّ ذلك أمر متعذر مع بُعد العهد وخفاء كثير من قرائن الصحة وشواهدها علينا، وتعرض الإنسان للخطأ والغفلة.
بل نعني أنّ الكتاب يصلح أن يعكس صورة عامة إجمالية عن مفاهيم أهل البيت ﵈، ويعطي ملامح واضحة لها، في المجالات التي طرقها. فإنّ الواقع الإجمالي للكتاب هو الصحة، وصدق الخبر) (١).
ونخلص من كلام عبد الحسين شرف الدين وآية الله العظمى محمد سعيد الحكيم أنّ ما يتضمنه الكافي من عقائد وأحكام هو من الصحيح قطعًا، فإنه يجوز للمشكك أن يشكك في حديثين من كل باب، ثلاثة، أربعة، أكثر، لا أن ينسف كتابًا بأكمله انبنت عليه عقائد الشيعة وأحكامهم منذ عصر غيبة القائم!
وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على بعض أبواب "الأصول من الكافي" فإننا سنفاجئ بعدد كبير من الأبواب ذات الاتجاه المغالي الذي لا يتفق مع منهج أهل البيت المعتدل الرصين منها:
_________________
(١) في رحاب العقيدة ص١٩ - ٢٠
[ ١٠٠ ]
باب- أنّ الأئمة (ع) ولاة أمر الله وخزنة علمه
باب- أنّ الأئمة (ع) خلفاء الله ﷿ في أرضه وأبوابه التي منها يؤتى
باب- أنّ الأئمة (ع) نور الله ﷿
باب- ما فرض الله ﷿ ورسوله (ص) من الكون مع الأئمة (ع)
باب- أنّ الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا
باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم
باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء
باب- أنّ الله ﷿ لم يُعلم نبيه علمًا إلا أمره أن يُعلّمه أمير المؤمنين (ع) وأنه كان شريكه في العلم
باب- أنّ الأئمة (ع) لو سُتر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه
باب- التفويض إلى رسول الله (ص) وإلى الأئمة (ع) في أمر الدين
باب- أنّ النعمة التي ذكرها الله ﷿ في كتابه هي الأئمة (ع)
باب- أنّ الأئمة (ع) معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة
باب- أنّ الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين قبلهم
باب- أنّ الأئمة (ع) عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿ وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها.
باب- أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة (ع) وأنهم يعلمون علمه كله
باب- أنّ الأئمة (ع) يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل (ع).
هذا بخلاف الكثير من الكتب التي انتهجت هذا المنهج ككتاب "بصائر الدرجات" للصفار و"بحار الأنوار" للمجلسي وغيرها.
[ ١٠١ ]