ننادي بالوحدة فلا نجني إلا الفرقة، وننشد الاجتماع فلا نجني إلا الشتات.
ها نحن نزرع الشوك فلا نحصد إلا الألم ونشتكي من عمق جراحات الأمة ونحن السكين التي تُقطّع أوصالها.
كأيِّ مسلم .. حُق لي أن أتحسر على تاريخ عظيم وبطولات وتضحيات قادتنا بالأمس إلى الرفعة فتناسيناها وما عدنا نذكرها إلا في كتبنا المدرسية أو مسابقاتنا الرمضانية أو وسائلنا الإعلامية كمسلسلات وتمثيليات هي إلى تشويه التاريخ والرموز أقرب منها إلى النطق بالحقيقة.
حُق لي أن أتحسر على همم عالية تربت في أحضان الإسلام فأخرجت لنا جهابذة الناس على مر التاريخ وفي شتى الميادين، لكنها باتت اليوم أمجادًا نتغنى بها ونذرف عليها الدموع في أحسن أحوالنا.
نعم .. حُق لي ولك أن نحزن، وأن نستحث إيماننا وهمتنا وعاطفتنا للعودة إلى الصدارة من جديد.
لقد كانت عيناي تتطلعان إلى الوحدة تترقبان اليوم الذي تنكشف فيه عن الأمة الغمة
تمنيت لو أنّ بيدي أن أجمّع هذا الشتات .. وأنّ أحل عقدة لم يجرؤ مسلمو اليوم على حلها حتى الآن ..
لكن صوتي كان ضعيفًا .. تمامًا كإدراكي لأسباب هذه الفرقة كنت عاطفيًا جدًا .. أريد لوضع الأمة أن يتغير بغمضة عين .. كأنّ الفرقة والاختلاف على قضايا هامشية يُمكن أن تُهمّش وأن تُطرح بعيدًا عن الطريق.
[ ١٥ ]
كبرت وكبر معي هذا الهم .. وبت أدرك ما لم أدركه من قبل .. وبت أتساءل عن الوحدة التي نتكلم عنها ونتطلع إليها .. أهي الوحدة الصورية التي نعيشها للحظة ونفتقدها طوال العمر أم تلك التي تضمن لبنياننا البقاء متماسكًا وصلبًا أمام التحديات؟
أهي الوحدة التي تكون مبنية على كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﵊ أم تلك التي تكون على حساب كتاب الله وسنة نبيه؟!
لقد كُنتُ أستحضر أمامي دائمًا علاقتنا مع أهل الكتاب الذين أنزل الله عليهم الكتب وأرسل إليهم الرسل، عندما انحرفوا عن دين أنبيائهم ووصايا ربهم، جاءهم الإسلام مصححًا لما ورثوه من الضلال، داعيًا إياهم إلى تصحيح المسار وإلى الاندماج في لواء الحق فلم يرتض ما هم عليه من الضلال بحجة أنهم أتباع أنبياء بل دعاهم إلى المصارحة مع النفس وإلى عرض عقائدهم على وحي السماء.
فللوحدة مقاييس شرعية وإذا أراد المنتسبون إلى الإسلام من شتى الفرق الاتحاد مع بعضهم البعض فلا بد أن تكون الوحدة على عقيدة الإسلام التي جاء بها محمد ﵌ لا على عقائد شتى لا تمت للإسلام بصلة.
وتأمل قول الله ﷿ للمؤمنين عنهم ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) وتأمل سيرة النبي ﵌، ففيها العبرة والعظة.
ففي زمن رسول الله ﵌ كانت فئة ممن تتلبس بلباس الإسلام وتنطق بالشهادتين نطقًا دون أن تعيش معنى تلك الشهادتين في حياتها كان لتلك الفئة
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٣٧
[ ١٦ ]
من يستمع لها من المؤمنين إحسانًا للظن بها، فقال الله ﷿ ﴿لَوْخَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (١)
لكننا نغفل عن هذه الحقيقة أو نتغافل عنها فنجعل عواطفنا هي الحكم، والإسلام هو التبع لهذه العواطف