روى سفينة ﵁ عن النبي ﵊ قوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله -تعالى-، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله -تعالى-، ثم تكون ملكًا عاضًا (٣)، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم
_________________
(١) رواه مسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب (ذكر كذاب ثقيف ومبيرها) - حديث رقم (٢٥٤٥).
(٢) رواه البخاري- كتاب الفتن- باب (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل) - حديث رقم (٢٩١٠).
(٣) روى الدارمي في سننه ٢/ ١٥٥ عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة الجراح ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك أعفر ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير) فذكر (الملك والرحمة) بين خلافة النبوة والملك العضوض، والحديث ضعيف على أي حال لانقطاع السند ولو صح سندًا لجزمنا بشذوذه لمخالفته الروايات الصحيحة كرواية سفينة ﵁ المذكورة.
[ ٣٨٢ ]
يرفعها الله-تعالى-، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله -تعالى ثم تكون خلافة على منهاج نبوة. ثم سكت) (١).
فقد نص الحديث أولًا على مرحلة حكم النبوة والتي تمثلت في حكم رسول الله ﵌ ثم مرحلة الخلافة على منهاج النبوة والتي تمثلت في خلافة الخلفاء الأربعة مضافة إليها خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب (الخليفة الراشد الخامس).
ثم مرحلة الملك العضوض والتي تمثلت بالفترة ما بعد خلافة الحسن إلى سقوط الخلافة العثمانية.
ثم الحكم الجبري والذي تمثل بفترة ما بعد سقوط الخلافة وحتى خلافة المهدي (محمد بن عبد الله) أو قبلها بزمن حيث سيعود بالحكم إلى ما كانت عليه الخلافة الراشدة.
الملفت للنظر في الحديث أنه ﵊ لما تكلم عن المرحلة التي تتلو مرحلة (الحكم الجبري) قال: (خلافة على منهاج النبوة) ولم يحددها بخليفة واحد وإنما أشار إلى مرحلة قد تحتمل وجود خليفة أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر.
وهي مسألة غفل عنها الكثيرون - في رأيي - رغم وجود ما يشهد لها في السنة النبوية.
فقد روى الإمام أحمد وأبو داود بسند ضعيف عن أم المؤمنين (أم سلمة) عن رسول الله ﵌ قوله (يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من المدينة هاربًا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيُخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام فيُبعث إليهم جيش من الشام فيُخسف بهم بالبيداء).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند - حديث رقم (١٨٤٣٠)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
[ ٣٨٣ ]
فقد نص هذا الحديث على أنّ خروج المهدي إنما يكون بعد موت خليفة للمسلمين مما يعني أنه ستكون هناك خلافة قائمة قبل المهدي لكنها خلافة مشبعة بظلم فيخرج المهدي بعد موت هذا الخليفة ليشيع العدل بين الناس بعد أن أُشيع فيها الظلم.
وروى ابن ماجة والحاكم من طريق ثوبان، والإمام أحمد والحاكم من طريق أبي قلابة عن رسول الله ﵌ قوله (يُقتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قِبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يُقتله قومٌ ثم ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي) (١).
والحديث صحيح المعنى كما قال الشيخ الألباني دون زيادة (فإنّ فيها خليفة الله المهدي) لأنه لا يُقال في الشرع (خليفة الله) لما في ذلك من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز، وإنما يُقال (خليفة رسول الله ﵌).
ورغم أنّ الحديثين لا يخلوان من كلام في السند أو المتن إلا أنهما يصلحان على الأقل كشاهدين للكلام الذي ذكرته في شرح حديث الإثني عشر.
فمن ذا الذي يلزم حديث النبي ﵊ أن يكون خاصًا بالفترة ما بين أول خليفة راشد وحتى الخلافة الأموية أو العباسية أو يكتفي بالنظرة للأموية والعباسية ثم يخرج بنتيجة مضادة للحديث؟
_________________
(١) السلسلة الضعيفة ١/ ١٩٥
[ ٣٨٤ ]
نعم من منا يستطيع الجزم بعدد الخلفاء الذين سيأتون في مرحلة (العودة إلى الخلافة على منهاج النبوة) حتى يناقش الأسماء اليوم ويجزم بأنّ فلانًا من الخلفاء الإثني عشر المذكورين في الحديث أم أنّ غيره أحق منه بذلك؟
الحديث نص على أمور لكنه لم يحدد فترة ولا أسماء حتى يُمكن لمعترض أن يختبر الناس في أسماء هؤلاء الخلفاء الإثني عشر!
وقد أعجبني تعليق ابن كثير على هذا الحديث الشريف حيث لمست في كلامه بعده عن التعجل الذي وقع فيه بعض شراح الحديث.
فقد قال ﵀ في "تفسيره ٢/ ٣٤" (ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود إثني عشر خليفة صالحًا يقيم الحق ويعدل فيهم ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وُجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة. والظاهر أنّ منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسمُ أبيه اسمَ أبيه فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا).
حيث تتلمس تورّع ابن كثير عن حصر الخلفاء الإثني عشر بمن سبقه أو من عايشه من الخلفاء وإنما اكتفى بذكر من تم اتفاق العلماء عليهم وقال عن الباقي (ولا تقوم الساعة حتى ولايتهم لا محالة).
[ ٣٨٥ ]