لم يكن حديث (الخلفاء الإثني عشر) مفصّلًا بحيث لا يقع الخلاف في فهمه أو تكثر الاحتمالات فيه، بل كانت التساؤلات التي أثارتها أذهان العلماء سببًا جوهريًا لاختلاف الآراء في الخلفاء الإثني عشر المرادين من الحديث إلا أنّ علماء أهل السنة ومعهم جميع فرق الشيعة باستثناء الإثني عشرية كلهم مجمعون على أنّ المراد بهؤلاء الإثني عشر أناس غير (الإثني عشر) الذي تذكرهم الإمامية لتوافر الأدلة على بطلان كونهم المذكورين في الحديث كما أشرت آنفًا.
لكن بقيت بعض الأسئلة في أذهان الشراح بلا إجابة:
[ ٣٨٠ ]
هل من اللازم أن يكون الإثنا عشر متتابعين أم متفرقين؟
هل من اللازم أن تجتمع الأمة عليهم جميعًا أم أنّ الحديث يشير إلى الغلبة والأكثرية؟ أم أنّ زيادة (كلهم تجتمع عليهم الأمة) لا تصح أصلًا؟ (١)
هل من اللازم أن يكون كل هؤلاء الإثني عشر من الأتقياء الأنقياء أم أنه يجوز أن يكون منهم الظلمة كما قال ﵊ (إنّ الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) (٢) بحيث تكون العبرة هنا بعزة الدين أمام الكفار وبنهضة المسلمين لا بمظالم فردية وقعت على بعض الثائرين أو المعترضين على سياسة هذا الحاكم؟
هذه الأسئلة المثارة وكذا الاحتمالات العالقة بالنص ساهمت بشكل مباشر في جعل آراء العلماء متفاوتة في تحديد شخصيات الإثني عشر المشار إليهم بالحديث النبوي.
على أنّ الجميع متفقون على أنّ رسول الله ﵌ أشار في الحديث إلى حدث مستقبلي سيحصل للأمة، ولم يذكر في الحديث أنه يلزم كل مسلم معرفة أسماء هؤلاء الإثني عشر أو الإيمان بهم كما يؤمن المرء منا بالأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر كما قال الله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِه﴾ (٣).
فحديث الخلفاء الإثني عشر لا يختلف كثيرًا عن الغيبيات الأخرى التي أخبر عنها النبي
_________________
(١) وجدت الشيخ الألباني ﵀ قد حكم على لفظة: (كلهم تجتمع عليه الأمة) و(ثم يكون الهرج) بالنكارة "السلسلة الصحيحة - حديث (٣٧٦) ".
(٢) متفق عليه
(٣) سورة البقرة آية ٢٨٥
[ ٣٨١ ]
﵊ كقوله (إنّ في ثقيف كذابًا ومبيرًا) (١) ولم يقل عاقل من العقلاء فضلًا عن أن يدّعي عالم من علماء المسلمين المشهود لهم بالعلم والمعرفة أنه يجب على كل مسلم أن يعرف من هو كذّاب ثقيف ومبيرها، وأن يؤمن بأنهما (فلان وفلان) إيمانًا جازمًا لا يتسلل إليه فيه شك! فإنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أبدًا.
وقد قال ﵊ أيضًا (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) (٢) ولم يقل أحد من الناس أنه يجب على كل مسلم أن يعرف ذاك القحطاني باسمه ونسبه وأرضه وإنما غرض مثل هذه الأحاديث الإخبار عن حدث سيحصل للأمة خيرًا كان أو شرًا. والأحاديث في ذلك كثيرة لمن أراد التتبع.