إنّ حب أهل بيت النبي ﵌ إيمان وتُقى وبغضهم نفاق وضلال، من أحبهم فبحب رسول الله ﵌ أحبهم، ومن أبغضهم فببغض رسول الله ﵌ أبغضهم.
مبغضهم في الدنيا ملعون وفي جهنم على وجهه مكدوس، وفي هذا يقول النبي ﵌ (والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار) (١).
يقول ابن الوزير ﵀: (وقد دلت النصوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم، وأن يكون معهم، ففي الصحيح: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا)، وفيه (المرء مع من أحب)، ومما يخص أهل بيت رسول الله ﵌ قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فيجب لذلك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم والاعتراف بمناقبهم، فإنهم أهل آيات المباهلة والمودة والتطهير، وأهل المناقب الجمّة والفضل الشهير) (٢).
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٥٠ وقال: (صحيح على شرط مسلم) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٦٤٣) حديث رقم (٢٤٨٨).
(٢) إيثار الحق على الخلق ص٤١٦
[ ٥٣ ]
أما الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري فقد استخلص لك من رحيق هذه الأقوال عبيرًا يُعطرّ به الأسماع إذ يقول: (واجب على كل مؤمن ومؤمنة محبة أهل بيت رسول الله ﵌ بني هاشم، علي بن أبي طالب وولده وذريته وفاطمة وولدها وذريتها، والحسن والحسين وأولادهما وذريتهما، وجعفر الطيار وولده وذريته، وحمزة وولده (١)، والعباس وولده وذريته ﵃، هؤلاء أهل بيت رسول الله ﵌، واجب على المسلمين محبتهم وإكرامهم واحتمالهم وحسن مداراتهم، والصبر عليهم والدعاء لهم، فمن أحسن من أولادهم وذراريهم فقد تخلّق بأخلاق سلفه الكرام الأخيار الأبرار، ومن تخلق منهم بما لا يحسن من الأخلاق دُعي له بالصلاح والصيانة والسلامة، وعاشره أهل العقل والأدب بأحسن المعاشرة، وقيل له: نحن نجلك عن أن تتخلق بأخلاق لا تشبه سلفك الكرام الأبرار، ونغار لمثلك أن يتخلق بما نعلم أنّ سلفك الكرام الأبرار لا يرضون بذلك، فمن محبتنا لك أن نحب لك أن تتخلق بما هو أشبه بك وهي الأخلاق الشريفة الكريمة، والله الموفق لذلك) (٢).
_________________
(١) لحمزة بن عبد المطلب ﵁ من الذكور: (عمارة) أمه خولة بنت قيس بن فهد الأنصاري، و(يعلى) أمه أنصاريا الأوسية، قال ابن عبد البر: (كان له ولأخيه يعلى عند وفاة النبي ﵌ أعوام ولا أحفظ لواحد منهما رواية، وكان حمزة يُكنى أبا عمارة، قلت-الكلام لابن عبد البر-: هو أكبر ولده فإن كان عاش بعده فله صحبة، فإنّ حمزة استشهد قبل النبي ﵌ بست سنين وأشهر)، ولحمزة ﵁ من الإناث (سلمى) و(أمامة) وهن صحابيات، وقد انقطع عقب حمزة ﵁ بموت أبنائه دون عقب "الاستيعاب لابن عبد البر ١/ ٣٥٣".
(٢) كتاب الشريعة ص٨٣٢
[ ٥٤ ]
ويقول في ص٨١١: (فإن قال قائل: فما تقول فيمن يزعم أنه محب لأبي بكر وعمر وعثمان، متخلف عن محبة علي بن أبي طالب ﵃، وعن محبة الحسن والحسين ﵄، غير راضٍ بخلافة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هل تنفعه محبة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃؟
قيل له: معاذ الله، هذه صفة منافق، ليست بصفة مؤمن، قال النبي ﵌ لعلي بن أبي طالب ﵁: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) (١) وقال ﵇: (من آذى عليًا فقد آذاني) (٢)، وشهد النبي ﵌ لعلي ﵁ بالخلافة وشهد له بالجنة وبأنه شهيد، وأنّ عليًا ﵁ محب لله ﷿ ولرسوله، وأنّ الله ﷿ ورسوله ﵌ محبان لعلي ﵁ وجميع ما شهد له به رسول الله ﵌ من الفضائل التي تقدم ذكرنا لها وما أخبر النبي ﵌ من محبته للحسن والحسين ﵄ مما تقدم ذكرنا له. فمن لم يحب هؤلاء ويتولهم فعليه لعنة الله في الدنيا والآخرة، وقد بريء منه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، وكذا من زعم أنه يتولى علي بن أبي طالب ﵁ ويحب أهل بيته، ويزعم أنه لا يرضى بخلافة أبي بكر وعمر ولا عثمان ولا يحبهم ويبرأ منهم ويطعن عليهم، فنشهد بالله يقينًا أنّ علي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃ براء منه، لا تنفعه محبتهم حتى يحب أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، كما قال علي بن أبي طالب
_________________
(١) رواه الترمذي- كتاب المناقب- مناقب علي بن أبي طالب- حديث رقم (٣٧٣٦).
(٢) صحيح بمجموع طرقه (انظر: السلسلة الصحيحة- حديث رقم (٢٢٩٥).
[ ٥٥ ]
﵁ فيما وصفهم به، وذكر فضلهم، وتبرأ ممن لن يحبهم. فرضي الله عنه وعن ذريته الطيبة، هذا طريق العقلاء من المسلمين).
ويقول تقي الدين ابن تيمية: (واتباع القرآن واجب على الأمة بل هو أصل الإيمان وهدى الله الذي بُعث به رسوله، وكذلك أهل بيت رسول الله ﵌ تجب محبتهم وموالاتهم ورعاية حقهم.
وهذان الثقلان اللذان وصّى بهما رسول الله ﵌.
فروى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: خطبنا رسول الله ﵌ بغدير يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فقال: (يا أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين – وفي رواية: أحدهما أعظم من الآخر – كتاب الله فيه الهدى والنور) فرغّب في كتاب الله، وفي رواية: (هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتي أهل بيتي. أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي) فقيل لزيد ابن أرقم: من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم الصدقة، آل العباس، وآل علي، وآل جعفر وآل عقيل.
والنصوص الدالة على اتباع القرآن أعظم من أن تذكر هنا. وقد روي عن النبي ﵌ من وجوه حسان أنه قال عن أهل بيته: (والذي نفسي بيده، لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي)، وقد أمرنا الله بالصلاة على آل محمد، وطهرهم من الصدقة التي هي أوساخ الناس، وجعل لهم حقًا في الخمس والفيء، وقال ﵌ فيما ثبت في الصحيح: (إنّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيركم نفسًا
[ ٥٦ ]
وخيركم نسبًا). ولو ذكرنا ما رُوي في حقوق القرابة وحقوق الصحابة لطال الخطاب، فإنّ دلائل هذا كثيرة من الكتاب والسنة.
ولهذا اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة، وتبرؤوا من الناصبة الذين يكفرون علي بن أبي طالب ويفسقونه، وينتقصون بحرمة أهل البيت، مثل من كان يعاديهم على الملك، أو يعرض عن حقوقهم الواجبة، أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق. وتبرؤوا من الرافضة الذين يطعنون على الصحابة وجمهور المؤمنين، ويكفّرون عامة صالحي أهل القبلة، وهم يعلمون أنّ هؤلاء أعظم ذنبًا وضلالًا من أولئك) (١).