قُلتُ لصاحبي ذات مرة: (لو كتب الله ﷿ لك أن ترى رجلًا قياديًا صالحًا، عليه سيما الإيمان والتقوى وأنوارهما، قد منّ الله تعالى عليه بفراسة وذكاء بحيث يستطيع معرفة أهل النفاق من أتباعه الحقيقيين من لحن قولهم، لكنك علمت بعد ذلك أنّ هذا الرجل الصالح قد أعرض عن أهل الصلاح من قومه مختارًا أهل النفاق والضلال، فسوّدهم على الناس، معطيًا إياهم أهم المناصب القيادية الدينية منها والدنيوية، بل إنه لم يكتفِ بإعطائهم تلك المناصب وبتقريبهم إليه بل صاهر بعضهم وجعلهم من خاصة أصحابه الذين يخرج معهم ويروح، ويهاجر معهم ويجاهد، مع علمه بنفاقهم وعلمه بنفاق بناتهم اللاتي صرن زوجاته!
ثم علمت أنّ ذاك الرجل الصالح قد مات وهنّ على ذمته، ينطقن باسمه ويتكلمن بالدين ويُفتين للناس من بعده، والناس لثقتهم وإجلالهم لهذا الرجل الصالح قد وثقوا بمن قربهم وسوّدهم عليهم، فالصالح لا يتعمد اختيار الخبثاء إلا لخبث طرأ عليه أو شهوة
[ ٣٩٠ ]
عارضة أو غفلة أو غباء، والرجل الذي نتكلم عنه هو أعظم وأشرف في أعينهم من أن يُظن به ذلك.
ثم علمت يا صاحبي أنّ هؤلاء المنافقين الذين مكّن لهم هذا الرجل الصالح قد تسلطوا على العباد وسلبوا المؤمنين حقهم وأساؤوا إليهم وأفسدوا في البلاد حتى صار المؤمن خائفًا على نفسه من الهلاك وعرضه من الانتهاك ودينه من الانحراف فلجأ إلى التقية والمداراة، فما قولك فيمن فعل هذا بقومه؟
قال صاحبي: أراه إما خبيثًا فاجرًا استغل ثقة الناس به أسوأ استغلال أو جاهلًا مغفلًا استخدمه عدوه أبشع استخدام.
قلت: فلان، قال: نعم
قلت: ألا ترى أنّ الشخصية التي تشتمها وتتهمها بالسَّذاجة أو بالخبث هي نفس الشخصية التي يريدنا الشيعة الإثنا عشرية من حيث لا يشعرون أن نجعلها شخصية أشرف الخلق محمد ﵌!
إنك شتمت تلك الشخصية وأنت مدرك أنها شخصية رجل صالح فقط لا دخل له بالوحي من قريب ولا بعيد، شخصية غير معصومة، قد تستقيم يومًا وتعتريها الشهوة غدًا فكيف بنا ونحن نتكلم عن خليل الرحمن وخاتم الأنبياء والمرسلين؟!
إننا ندرك أنّ ختم نبوته ﵌ يقتضي بقاء دينه بلا تحريف ولا عبث من بعده، وكيف يتأتى ذلك والشيعة الاثنا عشرية يجعلونه مصاهرًا للمنافقين وزوجًا للمنافقات؟!
فالشيعة الإثنا عشرية يرون أنّ رسول الله قد صاهر منافِقَيْن هما (أبو بكر وعمر) وزوّج ابنتيه إلى منافق وهو (عثمان)، وتزوج هو ﵌ منافِقَتيْن هما (عائشة
[ ٣٩١ ]
وحفصة) اللتان سُمّيتا في القرآن بـ (أمهات المؤمنين) بقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾!
وتولى خالد بن الوليد قيادة جيشه منافق آخر في القائمة!
وكل هؤلاء يشتمهم الشيعة الإثنا عشرية ويقولون بردتهم.
إنّ هؤلاء بالإضافة إلى آخرين كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وغيرهم ممن يعدّهم الشيعة الإثنا عشرية من جملة المنافقين هم في الحقيقة أهل النفوذ في زمان رسول الله ﵌، والذي اختارهم وأبرزهم هو محمد ﵌ لا أحد غيره.
وقد مات هذا النبي الكريم وخلّفهم من بعده وسلّمهم زمام الأمور، فمن المخطئ ومن المصيب؟ رسول الله أم الشيعة الإثنا عشرية؟ أخبرني بصراحة، وحكّم ضميرك وانس النظرة الطائفية الضيّقة وحكّم عقلك، فأنا لا أخاطبك من منطلق عصبية مذهبية ولكني أخاطبك كمسلم لا يرتضي هذا الطرح في رسول الله ولا في أصحابه.
هل أخطأ رسول الله في الزواج من عائشة؟ هل أخطأ في اختيار رفيق دربه في الغار وفي الهجرة إلى المدينة؟ هل أخطأ في مصاهرتهم جميعًا؟ هل كان رسول الله ﵌ ينهى المسلم عن جلساء السوء وزوجة السوء ثم يختار هو أهل نفاق وردة وضلال؟!!
إنك لتعجب وأن تسمع وتقرأ ما يقوله الشيعة الإثنا عشرية في صحابة رسول الله ﵌ من حجم التناقض بين معتقدهم في صحابة الرسول وبين اعتقادهم بأنّ الأنبياء والأوصياء يعلمون الغيب بإذن الله، فمن يعلم الغيب ويعلم ما في اللوح المحفوظ وما كان وما يكون كما في روايات الشيعة، كيف يُمكن أن يجهل ويغفل عن البشر الذين يتعامل معهم فيُقرّب منهم من لا يستحق التقريب؟!
[ ٣٩٢ ]
يعتقد الشيعة الإثنا عشرية أنّ رسول الله ﵌ والأئمة الإثنى عشر أطهار، وهم يصرّحون بتنزيههم جميعًا عن الأقذار صغيرها وكبيرها بل عن الخطأ والنسيان لكنهم في الوقت ذاته ينسبون إلى رسول الله ﵌ الخطأ والغفلة والقذر بإدعائهم أنه غفل وأخطأ في اختيار من يُقرّب من أصحابه ومن يُصاهر منهم!
صمت صاحبي برهة ثم قال لي: معك حق.
كان صادقًا مع نفسه لم يجد حرجًا في الاعتراف بحقيقة جسّها ضميره ..
ولا يعيب الإنسان أن يبحث ويفكر بهدوء بعيدًا عن البطانة التي يقودها التعصب والهوى والتي تسوّل له الاستمرار في الخطأ.
ما أحوجنا إلى هذا التجرد، وما أحوجنا إلى التفكر في الطريق الذي نسير فيه .. قبل أن نهلك أو يعمّنا الهلاك.