إنّ الحقيقة واضحة جلية، لا تحتاج إلى نقاشات مطوّلة تستهلك طاقات الأمة ويُحار فيها الفريقان (السنة والشيعة) إثباتًا ونفيًا.
لقد كان الشعور يراودني منذ أن دخلت هذا المعترك بأنّ الخط الفاصل بين الحق والباطل والذي تُعرف به الحقيقة من غيرها موجود لا خفاء فيه، ولكننا في غمرة التعصب المذهبي وغياب الموضوعية والتربّي على التراشق بالتهم غفلنا عن إدراكه.
وإذا كان الله ﷿ قد وضع بيننا -المسلمين- وبين أهل الكتاب وسائر أهل الملل معايير وأسسًا يتفق عليها الطرفان وتقام بها الحجة الظاهرة لأهل الإسلام على الأمم الكافرة، فإنه من غير المعقول أن تُطالب الأمة بالوحدة دون إيجاد أسسٍ تتحد عليها ومعيارٍ يُعرف به الحق من الباطل؟!
ومن يتصفح القرآن ويعيش مع آياته العظام ويراه وهو يناقش النصراني واليهودي ويراه وهو يناقش عابد الصنم وعابد القبر والدواب يدرك لأول وهلة بأنّ الله ﷿ لا يترك الحقيقة معمّاة يتخبط الناس في طلبها وسلوك طريقها بل يرسم حدًا فاصلًا بين الحق والباطل.
وإذا كان الله ﷿ عالم الغيب والشهادة بعلمه الأزلي قد علم أننا سنختلف كأمة مسلمة إلى سنة وشيعة، أيُظن به أن يتركنا دون وضوح تام بين الحق الذي جاء به محمد ﵊ وبين الباطل الذي أحدثته الأهواء والعصبيات؟ حاشا رب العزة ذلك.
إذًا أين الطريق؟ وأين الحق في قضية كقضية الإمامة إذا كنا كسنة وشيعة لا نثق بأوثق كتب الحديث عند الطرفين؟
[ ١٣٨ ]
فلا الشيعة يؤمنون بصحة روايات أهل السنة ولا أهل السنة يؤمنون بصحة روايات الشيعة.
إنّ خيطًا واحدًا كان ولا يزال هو الحجة القاطعة التي يُحسم بها مثل هذه الخلافات العقائدية، ذاك هو (القرآن الكريم) الذي أمر الله تعالى المؤمنين بالتمسك به بقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (١) ووصفه النبي ﵌ بقوله: (كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة) (٢).
وروى الحر العاملي (٣) في "وسائل الشيعة ٦/ ١٦٨" عن النبي ﵌ قوله: (إنّ هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله وهو النور البيّن والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه).
وفي "نهج البلاغة" قول الإمام علي: (وإنّ الله سبحانه لم يعظ أحدًا بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين) (٤).
وقد ذكر الإمام الرضا يومًا القرآن فعظّم الحجة فيه والآية والمعجزة في نظمه قال: (هو حبل الله المتين وعروته الوثقى وطريقته المثلى المؤدي إلى الجنة والمنجي من النار، لا يخلق على
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٠٣
(٢) صحيح ابن حبان ١/ ٣٣٠، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) محمد بن الحسن بن علي المشْغريّ المعروف بـ (الحر العاملي)، ترجم له الشيخ الأميني في موسوعته "الغدير ١١/ ٣٣٥" فقال: (لا تُنسى مآثره، ولا يأتي الزمان على حلقات فضله الكثار، فلا تزال متواصلة العُرى ما دام لأياديه المشكورة عند الأمة جمعاء أثر خالد، وإنّ من أعظمها كتاب "وسائل الشيعة" في مجلداتها الضخمة التي تدور عليها رحى الشيعة، وهو المصدر الفذّ لفتاوى علماء الطائفة).
(٤) نهج البلاغة ص٩٥ (من خطبة له يحذر من متابعة الهوى) – خطبة رقم (١٧٦).
[ ١٣٩ ]
الأزمنة (١) ولا يغث على الألسنة لأنه لم يُجعل لزمان دون زمان بل جُعل دليل البرهان والحجة على كل إنسان ﴿لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾) (٢).
فهذه بضعة أحاديث وآثار من كتب الطائفتين تؤكد وبوضوح بالغ بأنّ المراد بحبل الله في الآية الكريمة هو (القرآن الكريم)، وأنّ العصمة من الضلالة والانحراف إنما تكون بالتمسك به.
ولهذا كان القرآن الكريم ولا يزال هو الحجة الفاصلة بين الفرق والمذاهب العقائدية المتناحرة. (إنّ من مميزاته الظاهرة الجلية أنه يجعل صاحبه قادرًا على نقض الحجج الباطلة بسهولة منقطعة النظير ومن أقرب طريق.
ولن يحتاج - بعدُ - إلى كثرة الردود والتفريعات والمناقشات التي لا يحسنها إلا المختصون أو المتدربون، والتي ضيعت الحق على عامة الناس لأنهم يتصورون أنّ معرفته منوطة بالعلماء فقط، فإذا رأى أحد العوام أنه قد انهزم في نقاش أو حصر في مسلك ضيق وبان له تهافت حججه قال: علماؤنا أعلم ولا بد أن لهم ردودًا لا أعرفها وينهي نقاشه باقتراح مؤداه عرض الأمر على أحد أولئك العلماء من أجل حسمه ومعرفة القول الفصل فيه، وهو لا يدري أنّ مرجعية المسلم في أصول دينه وأساسياته قرآنية وليست بشرية.
وهكذا تضيع معالم الحق وتتشوش صورته في ذهنه ما دام هذا الهاجس في نفسه، لأنه يتصور أنّ الحق مع من غلب في النقاش، مع أنّ هذا ليس شرطًا مطّردًا لأنّ الغلب قد يكون للأعلم بأساليب الجدل، لا للأعلم بالحق!
_________________
(١) خلق الثوب أي: بلي
(٢) عيون أخبار الرضا ١/ ١٣٧
[ ١٤٠ ]
وإلى هذا أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى حين جاءه رجل يقول له: هلم أجادلك. قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك. قال: فإن غلبتني؟ قال: تتبعني. قال: فإن جاء رجل ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه! فقال الإمام: هذا أمر يطول، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه! أنت رجل شاك فاذهب إلى رجل شاك مثلك) (١).