لا يستطيع أحد أن يدعو إلى إصلاح فكر أو ثورة على موروث باطل دون أن يُرمى بسهم أو يُجرح بكلمة.
هذا رسول الله ﵌ أكرم الخلق وأتقاهم لم يسلم من بهت الباهتين وظلم الظالمين، قيل عنه: كاهن .. ساحر .. مجنون .. شاعر، فمن أكون أنا وأنت حتى نستكبر أن يُقال في حقنا ما هو دون ما قيل في حقه ﵌ وهو النبي المرسل؟!
مَنْ خلال معايشتي وحواراتي مع المتعصبة من شتى الطوائف نلت الكثير من الأذى فأعظم الأذى أن يُتهم المرء في دينه وصدق انتمائه إليه.
فلما كنت أحاور بعض الجفاة مظهرًا حبي لأهل البيت، رادًا على من يُقلل من شأنهم بالأحاديث الصحيحة الثابتة أو بما عُرف من حقهم في شرع الله، قيل عني: (رافضي)!
ولما كنت أحاور بعض الشيعة منتقدًا طرحهم المغالي في أهل البيت، قيل عني: ناصبي كبير فلست ناصبيًا فحسب بل عريق في النصب ولا حول ولا قوة إلا بالله!
_________________
(١) العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ ص٧
[ ٢٣ ]
ولما تحاورت مع بعض المتصوفة حول غلوهم في رسول الله ﵌ مستدلًا بأحاديث صحيحة ثابتة في بيان حقه صلوات الله وسلامه عليه تدعو إلى محبته وحفظ حقه بأبي هو وأمي، من غير غلو ولا جفاء، قيل عني: مبغض لرسول الله!
وهكذا صرت بين المتعصبة جامعًا لكل النقائض.
رافضي مبغض لصحابة رسول الله ﵌ ومغالٍ في أهل البيت وناصبي مبغض لأهل البيت ومغالٍ في الصحابة .. ومبغض لرسول الله ومن باب أولى مبغض لأهل بيته ولأصحابه.
وما حصل لي حصل للإمام المُقبلي ﵀ أكثر منه بكثير، ومثلي لا يُقارن بمثله فضلًا وعلمًا وتضحية، فأين جهد ذاك الإمام الجهبذ من جهد المقل؟
فقد تجرع ﵀ مرارة التعصب المذهبي وناله الأذى فصبر ومضى في طريقه غير آبه للتخذيل ولا للتحذير.
حرص على إعلان تنصُّله من الإنتماء إلى أي من المذاهب الإسلامية والتأكيد على براءته من التعصُّب لها في معظم مؤلفاته شعرًا ونثرًا، ومن ذلك قوله:
برئت من التمذهب طول عمري وآثرت الكتاب على الصحاب
ومالي والتمذهب وهو شيء يروح لدى المماري والمحابي
كرَّس جهده ووقته لمحاربة الجمود والتعصُّب الفكري، فلقي من مقلِّدي ومتعصِّبي عصره أذى شديدًا، وناصبوه العداء، واتَّهموه بأنه ناصبي، معادٍ لمذهب أهل البيت (المذهب الزيدي)، مما اضطره إلى بيع ممتلكاته والرحيل بأهله إلى مكة (١٠٨٠هـ) فجاور بها وانقطع فيها للعلم والتأليف والدعوة إلى التجديد وإشاعة روح التسامح ونبذ الفرقة والتقليد
[ ٢٤ ]
والتعصُّب، فعلا ذكره هناك وعظُم صيته بين علماء مكة والقادمين إليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي، وتباينت الآراء حوله بين مؤيِّد ومعارض، فنسبه المتعصبة إلى الزندقة لتمرُّده على التقليد وعدم تمسُّكه بمذهب معين، واعتماده على كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ فحسب، وخاصة بعد انتشار كتابه "العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشائخ" لما فيه من النقد للمتعصِّبين للأسلاف، والحط من شأن التقليد والمقلِّدين، فقال قولته المشهورة: سبحان الله .. ناصبي في صنعاء وزنديق في مكة!
وهذا هو الإمام الشاطبي بدوره يحكي عن محنته مع المتعصبة فيقول: (فقامت عليّ القيامة وتواترت عليّ الملامة، وفوّق إليّ العتاب سهامه، ونُسِبتُ إلى القول بأنّ الدعاء لا ينفع، ولا فائدة فيه، كما يُعزى إلى بعض الناس بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة – حالة الإمامة - .. وتارة نُسبت إلى الرفض وبغض الصحابة ﵃، بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة .. وتارة أضيف إليّ القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكري لهم في الخطبة .. وتارة أُحمل على التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف والفُتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه – وإن كان شاذًا-وتارة نُسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء – يقصد الصوفية – المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين – بزعمهم – لهداية الخلق ) (١).
_________________
(١) الاعتصام ١/ ٢٧ - ٢٨
[ ٢٥ ]
ويعزّي الشاطبي نفسه بما أصاب العلامة ابن بطة مع أهل زمانه ناقلًا ما حكاه ابن بطة عن نفسه بقوله: (عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقًا أو مخالفًا، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله والشهادة له. فإن كان صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك - كما يفعله أهل هذا الزمان - سماني موافقًا. وإن وقفتُ في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفًا. وإن ذكرتُ في واحد منها أنّ الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجيًا. وإن قرأتُ عليه حديثًا في التوحيد سماني مشبّهًا .. وإن كان في الرؤية سماني سالميًا .. وإن كان في الإيمان سماني مرجئيًا .. وإن كان في الأعمال سماني قدريًا، وإن كان في المعرفة سماني كراميًا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سمّاني ناصبيًا، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيًا. وإن سكتُ عن تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهريًا .. وإن أجبت بغيرهما سماني باطنيًا .. وإن أجبت بتأويل سماني أشعريًا .. وإن جحدتهما سماني معتزليًا .. إلى أن يقول: (ومهما وافقت بعضهم عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطتُ الله ﵎ ..).