عندما كنت أتصفح كتب الشيعة الإثني عشرية وهي ترمي صحابة رسول الله مرة بالانقلاب على أعقابهم ومرة بالتآمر على الإمام علي والسعي إلى إزهاق روح الدين، كان يُخيل لي بأني أتصفح سيرة عتاة مكة وكفارها أمثال أبي جهل أو أبي لهب أو أمية بن خلف أو غيرهم لكن عيني ترى شيئًا آخر!
إنّ هذه الفئة الملعونة الظالمة الجارية وراء مصالحها كما تذكر ذلك كتب الشيعة الإثني عشرية ليست إلا الفئة التي قاتلت مع رسول الله في بدر وأحد والخندق وغيرها والتي صبرت وجاهدت وتركت الأهل والولد في سبيل رفعة هذا الدين!!!
وما أنقله هنا ما هو إلا نموذج بسيط لما يُقال في صحابة رسول الله ﷺ: يصفهم التيجاني السماوي (١) بقوله: (الصحابة أغضبوا رسول الله، استأجروا ضعفاء
_________________
(١) هذه الكلمات كانت متفرقة في كتابه (ثم اهتديت) اعتنيت بجمعها لبيان رأيه في صحابة رسول الله.
[ ٤٣٩ ]
العقول ليرووا لهم الأحاديث الموضوعة في فضائلهم، خالفوا أمر ربهم، انقلبوا على أعقابهم .. لا يستحقون ثواب الله ولا غفرانه، تثاقلوا عن الجهاد وركنوا إلى الدنيا، ارتدوا على أدبارهم بدّلوا وغيّروا وقالوا سمعنا وعصينا).
ويصفهم النوري الطبرسي فيقول: (الذين آمنوا بألسنتهم ليحقنوا دماءهم وهم بين جاهل غبي ومعاند غوي، ولاه عن الدين وتاه في شيع الأولين، وصارف همته في ترويج كفره، وجبار يخاف من مخالفة نهيه وأمره وليس فيهم من يُرجى خيره ويؤمن شره، لا يكاد يُشك أنهم أخس قدرًا وأعجز تدبيرًا وأضل سبيلًا وأخسر عملًا وأجهل مقامًا وأشر مكانًا وأسفه رأيًا وأشقى فطرة) (١).
ويصفهم الخميني قائد الثورة الإيرانية والنائب السابق للإمام الغائب في كتابه كشف الأسرار ما ترجمته: (أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول على الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله التي تدل على خلافة الإمام علي بلا فصل، وعلى إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا على وجه دائم، بحيث يبقى هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلى يوم الدين) (٢).
ويقول عنهم يوسف البحراني: (غير خفي - على ذوي العقول من أهل الإيمان وطالبي الحق من ذوي الأذهان - ما بُلي به هذا الدين من أولئك المردة المعاندين بعد موت سيد
_________________
(١) النوري الطبرسي في كتابه فصل الخطاب ص٤٧ الباب الأول (الدليل الثاني).
(٢) كشف الأسرار ص١١٤ الترجمة الشرعية.
[ ٤٤٠ ]
المرسلين، وغصب الخلافة من وصيه أمير المؤمنين، وتواثب أولئك الكفرة عليه، وقصدهم بأنواع الأذى والضرر إليه) (١).
ويقول كلامًا آخر أقبح من سابقه: (اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن أهل العصمة ﵈ بارتداد الصحابة بعد رحلته صلى الله عليه وآله من بين أظهرهم، وهو مصداق قوله سبحانه ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (٢) ومن المعلوم أنه ليس منشأ ذلك الارتداد إلا العكوف على عجل السامري (٣)، ونقض بيعة الوصي) (٤).
ويقول مرتضى محمد الحسيني النجفي: (إنّ الرسول ابتلي بأصحاب قد ارتدوا من بعده عن الدين إلا القليل) (٥).
ويقول نعمة الله الجزائري: (فإنّ أغلب الصحابة كانوا على النفاق لكن كانت نار نفاقهم كامنة في زمنه، فلمّا انتقل إلى جوار ربه برزت نار نفاقهم لوصيّه ورجعوا القهقرى، ولذا قال ﵇ (ارتد الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا أربعة سلمان وأبو ذر والمقداد وعمّار) وهذا مما لا إشكال فيه!) (٦).
هذه هي الصورة التي يعرفها هؤلاء عن صحابة رسول الله، وقرآن المسلمين يعرف حقيقة أخرى ويجهر بها ليصك بها أسماعهم!
_________________
(١) الحدائق الناضرة ١/ ٤ - ٥
(٢) سورة آل عمران آية ١٤٤
(٣) يريد بذلك أبا بكر الصدّيق ﵁.
(٤) الشهاب الثاقب في معنى الناصب ص٢٠٢
(٥) السبعة من السلف ص٧
(٦) الأنوار النعمانية ص٨١ (نور مرتضوي).
[ ٤٤١ ]
صورتان متضادتان
لا يحتاج المسلم التالي لكتاب الله الكريم أن يتجشم عناء دراسة علم التفسير حتى يستشعر التفاوت الكبير بل التضاد بين رؤية القرآن الكريم للصحابة وبين رؤية الشيعة الإثني عشرية لهم، بين الآيات التي تبشرهم بالجنان وبرضا الله عنهم وبين روايات الطعن فيهم واللعن لهم عند الشيعة الإثني عشرية.
تُرى هل كان رب العزة والجلال الذي مدحهم في القرآن يجهل من هم الصحابة وما سيفعلونه قبل مماتهم؟! كلا والله وحاشاه سبحانه عن هذا الإفك، إذًا كيف يمدحهم ويثني عليهم ويبشرهم بمغفرته ورضوانه وجنانه وهم مرتدون منقلبون على أعقابهم لم ينج منهم إلا القليل؟!!
هنا يكمن السؤال لكن استعراضًا سريعًا لبعض النصوص القرآنية يكفي لإدراك مدى تفاوت النظرتين:
١ - القرآن يترضى عن الصحابة والشيعة الإثنا عشرية تلعنهم!!!
قال ﷾ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (١).
فالآية صريحة الدلالة على رضاء الله ﷾ عن المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وتبشيرهم بالفوز العظيم والخلود في جنات النعيم.
_________________
(١) سورة التوبة آية ١٠٠
[ ٤٤٢ ]
فأي عاقل يلعن من يترضى الله عنهم؟!!
وأي لسان يستطيع أن يشتم ويلعن من زكّاهم رب العالمين؟!
وأي ضمير يستطيع أن يقول بردتهم وقد وعدهم الله الذي لا يخلف الميعاد أنهم سيغادرون الدنيا إلى جنات تجري تحتها الأنهار وأنهم خالدين فيها أبدًا وأنهم من الفائزين؟!
وقال سبحانه ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١).
فمن أخبرنا الله سبحانه أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة (٢).
وممن بايع تحت الشجرة كما هو معروف الخلفاء الراشدون وجميع من ينعتهم الشيعة الإثنا عشرية بالانقلاب على أعقابهم والردة من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا متفق عليه عند السنة والشيعة الإثني عشرية.
فهل علم الشيعة الإثنا عشرية عن الصحابة ما لم يعلمه الله حين امتدحهم ثم تبين بعد ذلك أنهم غير أهلٍ للمدح؟!! هل كان مدحهم خطأ؟!! حاشا الله ﷿ ذلك.
٢ - القرآن يعدهم بالحسنى والشيعة الإثنا عشرية تنزلهم منزلة أهل النفاق!!!
قال ﷾ ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ (٣).
_________________
(١) سورة الفتح آية ١٨
(٢) ابن حزم في الفصل ٤/ ١١٦
(٣) سورة الحديد آية ١٠
[ ٤٤٣ ]
فوعد الله ﷿ الصحابة الذين أنفقوا قبل الفتح وبعده بالحسنى، وقد حكم الله لمن وعد بالحسنى بالأمن من عذاب يوم القيامة بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ. لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١).
فهل بدا لله بعد ذلك أنّ من قال فيهم هذه الآيات لا يستحقونها وأنهم ارتدوا على أعقابهم وسلبوا عليًا حقه في الخلافة وفعلوا وفعلوا؟!! أم نقول: صدق الله في جميع أقواله وكذب من قال بغير قوله؟
٣ - القرآن يفتخر بهم والشيعة الإثنا عشرية تتبرأ منهم!!!
قال تعالى ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
فهل ذكر الله أوصافًا كهذه لصحابة رسول الله في التوراة التي يقرأها اليهود، والإنجيل الذي يقرأه النصارى تعظيمًا لشأن الصحابة وافتخارًا بهم كخير صحب لخير نبي وهو سبحانه يعلم أنهم سيرتدون وينقلبون على أعقابهم ويثبتون عكس ما قيل فيهم في تلك الكتب السماوية لكي تُعطى الحجة بعد ذلك لليهودي والنصراني بأن يطعن في صدق نبوة
_________________
(١) سورة الأنبياء آية ١٠٢ - ١٠٣
(٢) سورة الفتح آية ٢٩
[ ٤٤٤ ]
محمد ﵌ لأنّ أصحاب ذاك النبي المبشر عندهم مذكورون بالإيمان والصلاح والتقوى ونصرة الدين بينما أصحاب محمد مرتدون ومنقلبون على أعقابهم وهم ليسوا أشداء على الكفار ورحماء بينهم بل أشداء بينهم وأرأف بالكفار منهم بقرابة النبي ﵌!! هل كان الله يفتخر برجال لم يثبت على الإيمان منهم سوى سبعة؟!!
إنّ رجالًا كهؤلاء ممن لهثوا وراء الدنيا ونسوا نبيهم وكلام ربهم لعنة السماء أولى بهم فكيف يعدهم الله بالحسنى وبخير العاقبة؟!! بل كيف يفاخر بهم الأمم السابقة (اليهود والنصارى) وهم ليسوا أهلًا للفخر بل للاستحياء؟!!
٤ - الله يتوب عليهم ويغفر لهم زلاتهم والشيعة الإثنا عشرية لا تذكرهم إلا بتلك الزلات!!!
قال تعالى ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١) وقال تعالى ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَاخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
فهذه الآيات تحدثت عن الصحابة وبيّنت سعة رحمة الله لمن أذنب منهم، وبيّنت كذلك إرادة الله ومحبته للتوبة عليهم وغفران ذنوبهم، وبيّنت بالمقابل ما يريده أرباب الشهوات والضلالة بأصحاب رسول الله من الميل.
_________________
(١) سورة النساء آية ٢٧
(٢) سورة التوبة آية ١٠٢ - ١٠٤
[ ٤٤٥ ]
ويُضاف إلى هذه الآيات العامة ما قاله تعالى فيمن أخطأ يوم أحد ففر من القتال كعثمان ابن عفان ﵁ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (١).
لكنك تجد الشيعة الإثني عشرية إلى اليوم يعيبون عثمان بن عفان ويذكرون من جملة هذه المعائب (فراره من أحد)!!
سبحان الله أما يكفي أن يعفو الله عنه؟!
من ذا الذي يستطيع أن يسلب العباد رحمة ربهم ويستبدل عفو الله لهم بسخطه فيُعيّرهم بذنوبهم وأخطائهم التى تجاوز الله عنها وندموا هم عليها؟
لو أنّ الله ﷿ قد ملّك أحدًا من البشر خزائن رحمته لما رأينا أحدًا في الجنة ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾ (٢).
لكن قف عند قول الله ﷿ ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) وتفكّر، من ذا الذي يجرؤ على مخالفة ما يريده الله، فيريد في قرارة نفسه أن يفتك بهؤلاء الصحابة، لاعنًا كبارهم شاتمًا صغارهم، طاعنًا في أعراض أمهاتهم (أمهات المؤمنين) ثم يدّعي بعد ذلك أنه متبع للقرآن والسنة وأهل البيت؟!
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٥٥
(٢) سورة الإسراء آية ١٠٠
(٣) سورة النساء آية ٢٧
[ ٤٤٦ ]