سئل الخوئي هذا السؤال:
(الحديث المعروف المروي عن هشام بن سالم، والذي يروي به ما جرى عليه وعلى بعض أصحابه، بل وعموم الشيعة بعد وفاة الإمام الصادق (ع)، وكيف أنه كان مع ثلة من أصحاب الصادق ثم كانوا يبحثون عن الخلف من بعده (ع)، فدخلوا على عبد الله ابن جعفر وقد اجتمع عليه الناس، فانكشف لهم بطلان دعوى إمامته، فخرجوا منه ضلاّلًا لا يعرفون مَنْ الإمام .. إلى آخر الرواية كيف نجمع بين هذه الرواية التي تدل على جهل كبار الأصحاب بالإمام بعد الصادق (ع)، وبين الروايات التي تحدد أسماء الأئمة ﵈ جميعًا منذ زمن رسول الله ﵌؟ وهل يمكن إجماع الأصحاب على جهل هذه الروايات حتى يتحيّروا بمعرفة الإمام بعد الإمام؟
أجاب الخوئي: (الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة ﵈ بإثني عشر من ناحية العدد، ولم تحددهم بأسمائهم ﵇ واحدًا بعد واحد حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس بل لدى أصحابهم ﵈ إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد، والله العالم) (١).
فهذه شهادة من مرجع شيعي كبير، كان زعيمًا للحوزة العلمية بالنجف التي تعتبر أعرق حوزات الشيعة الإثني عشرية على الإطلاق بأنه لا توجد روايات متواترة تحدد الأئمة الإثني
_________________
(١) صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات - الجزء الثاني ص٤٥٢
[ ٣٦٥ ]
عشر بأسمائهم، ولا حتى أحاديث آحاد يُمكن الركون إليها دون الشك في مضامينها من الشيعة أنفسهم قبل غيرهم، إذ إنّ هذه الروايات كانت نتاج السرية ورواتها هم (أصحاب السر عند الأئمة) على حد تعبير الخوئي!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: (ألا يُمكن عقلًا أن تتواطأ هذه القلة القليلة من الأصحاب على إدعاء ما لم يدّعيه الأئمة أنفسهم، خاصة لأنهم لا ينفردون عن الأمة الإسلامية بنقل مثل هذه الروايات فحسب وإنما ينفردون بروايات لم يروها عامة أصحاب الأئمة؟).
ثم من هؤلاء الذين اختصهم الأئمة بأسرارهم دون باقي الخلق؟
يشير الشيخ علي آل محسن في كتابه "لله وللحقيقة" إلى هؤلاء النفر فيقول: (ولا يُتوهّم أنّ استحلال الإمام ﵇ كتمان بعض أحاديثه عن المخاطبين من الشيعة أو عن أكثر الشيعة يعني كتمان باقي العلوم والمعارف عنهم، وذلك لأنّ الإمامين الصادقين ﵉ خصّا كثيرًا من أصحابهما كأبي بصير وزرارة ومحمد بن مسلم وغيرهم بعلوم جليلة وأسرار كثيرة) (١).
إنّ هؤلاء الذين ذكرهم الشيخ علي آل محسن ولا يخالفه في أسمائهم أحدٌ من علماء الإمامية ليسوا سوى مجموعة امتهنت الكذب على أهل البيت باعتراف الشيعة أنفسهم!
فإنّ زرارة بن أعين الذي أثنى عليه عبد الحسين الموسوي في "المراجعات" وذكره الشيخ علي آل محسن وجمع غفير من علماء الشيعة الإثني عشرية قديمًا وحديثًا قد وردت فيه روايات شيعية معتبرة السند عن الإمام جعفر الصادق في الطعن فيه بل ولعنه!
_________________
(١) لله وللحقيقة ص٧٩
[ ٣٦٦ ]
فقد روى الكشي بسنده عن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا يموت زرارة إلا تائهًا (١).
وعن مسمع كردين أبي سيار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لعن الله بريدًا ولعن الله زرارة (٢).
وقد حسّن العلامة الشيعي محسن الأمين إسناد هاتين الروايتين في موسوعته (أعيان الشيعة) (٣).
وعن يونس بن عبد الرحمن عن ابن مسكان قال: سمعت زرارة يقول: رحم الله أبا جعفر، وأما جعفر فإنّ في قلبي عليه لفتة، فقلت له: وما حمل زرارة على هذا؟ قال: حمله على هذا لأنّ أبا عبد الله ﵇ أخرج مخازيه (٤).
وعن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبد الله ﵇: إنّ قومًا يعارون الإيمان عارية ثمّ يسلبونه يقال لهم يوم القيامة المعارون، أما إنّ زرارة بن أعين منهم (٥).
وعن الوليد بن صبيح قال: مررت في الروضة بالمدينة فإذا بإنسان قد جذبني فالتفت فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذل لي على صاحبك، قال: فخرجت إلى المسجد فدخلت على أبي عبد الله ﵇ فأخبرته الخبر فضرب بيده إلى لحيته، ثم قال أبو عبد الله ﵇: لا تأذن
_________________
(١) رجال الكشي ص٢٢٩ ترجمة (زرارة بن أعين) - رواية رقم (٢٤٠).
(٢) المصدر نفسه – رواية رقم (٢٣٧).
(٣) أعيان الشيعة ١٠/ ٣٨٨
(٤) رجال الكشي ص٢٢٥ – رواية (٢٢٨).
(٥) المصدر نفسه – رواية (٢٦٣).
[ ٣٦٧ ]
له، لا تأذن له، لا تأذن له، فإنّ زرارة يريدني على القدر على كبر السنّ، وليس من ديني ولا دين آبائي (١).
وعن علي بن الحكم عن بعض رجاله عن أبي عبد الله ﵇ قال: دخلتُ عليه فقال: متى عهدك بزرارة؟ قال: قلت: ما رأيته منذ أيام، قال: لا تبال وإن مرض فلا تعده وإن مات فلا تشهد جنازته! قال: قلت: زرارة؟ متعجبًا مما قال، قال: نعم زرارة، زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إنّ مع الله ثالث ثلاثة (٢).
وعن عمران الزعفراني قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول لأبي بصير: يا أبا بصير- وكنّى اثني عشر رجلًا – ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، عليه لعنة الله، هذا قول أبي عبد الله (٣).
وعن زياد بن أبي الحلال قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّ زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئًا فقبلنا منه وصدقناه وقد أحببتُ أن أعرضه عليك؟ فقال: هاته! قلت: فزعم أنه سألك عن قول الله ﷿ ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقلت: من ملك زادًا وراحلة، فقال: كل من ملك زادًا وراحلة فهو مستطيع للحج وإن لم يحج؟ فقلت: نعم، فقال: ليس هكذا سألني ولا هكذا قلت، كذب عليّ والله كذب عليّ والله، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، إنما قال لي من كان له زاد وراحلة فهو مستطيع الحج قلت: وقد وجب عليه، قال: فمستطيع هو؟ فقلت: لا، حتى يؤذن له، قلت: فأخبر زرارة بذلك؟
_________________
(١) رجال الكشي ص٢٣٧ – رواية (٢٦٦).
(٢) المصدر نفسه – رواية (٢٦٧).
(٣) المصدر نفسه– رواية (٢٤١).
[ ٣٦٨ ]
قال: نعم، قال زياد: فقدمتُ الكوفة فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله (ع) وسكت عن لعنه، فقال: أما أنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، وصاحبكم هذا ليس له بصيرة (١) بكلام الرجال (٢).
فمن يكذب على الإمام جعفر الصادق في حياته وبكل جرأة ووقاحة حتى اضطر الإمام جعفر إلى لعنه والتبرأ منه وإخراج مخازيه، كيف يؤتمن على عقيدة أهل الإسلام فتُتخذ رواياته دينًا يُتعبد به؟!
أما أبو بصير، فقد روى الكشي عن ابن أبي يعفور أنه قال: خرجت إلى السواد نطلب دراهم لنحجّ ونحن جماعة وفينا أبو بصير المرادي، قال: قلت له: يا أبا بصير، اتق الله وحجّ بمالك فإنك ذو مال كثير، فقال: اسكت فلو أنّ الدنيا وقعت لصاحبك لاشتمل عليها بكسائه (٣).
وعن شعيب العقرقوفي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة تزوجت ولها زوج فظهر عليها؟ قال: تُرجم المرأة ويُضرب الرجل مائة سوط لأنه لم يسأل، قال شعيب: فدخلت على أبي الحسن (ع) (٤) فقلت له: امرأة تزوّجت ولها زوج؟ قال: ترجم المرأة ولا شيء
_________________
(١) لاحظ عبارة زرارة التي يتكلم فيها عن الإمام جعفر الصادق فيقول فيها: (صاحبكم هذا ليس له بصيرة بكلام الرجال)، ثم اسأل الإمامية: كيف توثقون من يطعن في الأئمة المعصومين ويلمزهم بمثل هذه الألفاظ؟ أهؤلاء الكذابون خير أم أصحاب النبي ﵌ الذين تجنيتم عليهم ووصفتوهم بأقبح الصفات لا لشيء سوى مبايعتهم لأبي بكر الصديق ﵁ بالخلافة؟!
(٢) رجال الكشي ص٢٢٧ – رواية (٢٣٤).
(٣) رجال الكشي ص٢٤٥ ترجمة (أبو بصير ليث بن البختري المرادي) رواية رقم (٢٨٥).
(٤) أي الإمام موسى الكاظم
[ ٣٦٩ ]
على الرجل، فلقيت أبا بصير، فقلت له: إني سألت أبا الحسن (ع) عن المرأة التي تزوّجت ولها زوج قال: ترجم المرأة ولا شيء على الرجل، قال: فمسح على صدره، وقال: ما أظنّ صاحبنا تناهى حلمه بعد!
وفي رواية (وقال بيده على صدره يحكّها: أظنّ صاحبنا ما تكامل علمه) (١) يريد بذلك أنّ الإمام موسى الكاظم لم يتكامل علمه ولذلك فإنه يُفتي بما لا يعرف!
أما أخلاقيات أبي بصير فلا تسأل عنها، يكفيك فيها قوله: كنت أقرئ امرأة كنت أعلمها القرآن، قال: فمازحتها بشيء، قال: فقدمت على أبي جعفر (ع)، قال: فقال لي: يا أبا بصير أي شيء قلت للمرأة؟ قال: قلت بيدي هكذا، وغطّا وجهه (٢)، قال: فقال لي: لا تعودّن إليها (٣).
أما محمد بن مسلم الذي يُعتبر كاتمًا لأسرار الأئمة فتنص كتب الشيعة على أنّ الإمام جعفر الصادق قد لعنه وتبرأ منه قائلًا: (لعن الله محمد بن مسلم، كان يقول: إنّ الله لا يعلم الشيء حتى يكون!) (٤).
وقد بلغ الإمام جعفر أنّ امرأة عامر بن عبد الله بن جذاعة تقول بقول زرارة ومحمد بن مسلم في الاستطاعة وترى رأيهما، فقال: ما للنساء والرأي، والقول لها أنهما ليسا بشيء في ولاية (٥)، قال عامر: فجئت إلى امرأتي فحدّثتها فرجعت عن ذلك القول.
_________________
(١) رجال الكشي ص٢٤٧ - ٢٤٨ ترجمة (أبو بصير ليث بن البختري المرادي) رواية رقم (٢٩٢) و(٢٩٣).
(٢) لك أن تتخيل ما الحركة التي فعلها أبو بصير بيده للمرأة!! أهؤلاء هم رواتكم الذين تأخذون عنهم دينكم يا عبد الحسين شرف الدين ويا عليّ آل محسن؟!
(٣) رجال الكشي ص٢٤٨– رواية رقم (٢٩٥).
(٤) رجال الكشي ص٢٤٥ ترجمة (محمد بن مسلم الطائفي الثقفي) رواية رقم (٢٨٤).
(٥) في احدى النسخ المخطوطة وُجدت كلمة (ولايتي) بدل (ولاية)، والرواية في رجال الكشي رقم (٢٨٢).
[ ٣٧٠ ]
ولحرص الإمام جعفر الصادق على التحذير منه ومن غيره من الوضّاعين قال: (هلك المتريّسون في أديانهم منهم زرارة وبريد ومحمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي، قال الراوي أبو الصباح: وذكر آخر لم أحفظ) (١).
وكفى الله المؤمنين القتال!