لعل قائلًا يقول: هذا نوح ولوط ﵉ قد قال الله تعالى عن زوجتيهما ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (١) فكيف لا تُتصور الخيانة في زوجات النبي ﵊؟
أقول: قد ثبت عند أولي الألباب أنّ الله ﷿ قد نزّه نوحًا ولوطًا ﵉ من هاتين المرأتين في حياتهما، فشهد هذان النبيان الكريمان عقاب الله لتينك المرأتين، وطهرهما الله ﷿ منهما، فتبيّن من ذلك أنه لو كان في زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله
_________________
(١) سورة التحريم آية ١٠
[ ٣٩٦ ]
وسلم ما يوجب تنزيه رسول الله عنهن أو التبرأ منهن لحصل ذلك في حياة رسول الله فلما لم يحصل ذلك، ثبت أنهنّ أهل لميثاق الزواج الذي جمعهن برسول الله.
كيف لا وقد خيّرهن الله تعالى بين زينة الدنيا ومتاعها وبين الارتباط برسول الله ﵌ في الدنيا والآخرة فقال في سورة الأحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فاخترن جميعًا الله ورسوله والدار الآخرة، ولو قُدّر أنّ إحداهن اختارت ذلك وأضمرت في نفسها نفاقًا لأظهر الله تعالى ذلك لنبيه ﵌ لئلا يغتر بها مغتر، فمكان الأزواج من رسول الله ﵌ عظيم.
وعجيب أن يدندن الشيعة الإثنا عشرية حول آية التطهير وحول معنى تطهير الله لأهل البيت، ثم لا يعتقدون أنّ رسول الله ﵌ وهو سيد أهل بيته وخيرهم وأطهرهم قد طهّره الله ﷿ من الاقتران بالمنافقات والفاسدات!
ولسنا ندّعي بذلك أنّ زوجات رسول الله ﵌ معصومات لا يُخطئن بل هنّ كغيرهنّ من المؤمنات الصالحات القانتات، يخطئن ويصبن، يعصين ويتبن، لكن لم ولن تبلغ إحداهنّ ما يدّعيه الشيعة الإثنا عشرية فيهن ولا معشاره (١).
_________________
(١) يكفي أن تتصفح الكتب الشيعية التي تكلمت عن أم المؤمنين عائشة لترى العجب العجاب! فهذا البياضي يسميها في كتابه الصراط المستقيم باسم (أم الشرور) طاعنًا في كتاب الله الذي سماها باسم (أم المؤمنين) في قوله الله تعالى عن النبي والمؤمنين ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُم﴾ والمجلسي يصفها بالنفاق وذاك يجوّز لعنها، والقمي يروي في تفسيره ما يطعن في عرضها ﵂، وكلٌ يدلو بدلوه باسم حب أهل البيت وحب علي بن أبي طالب، وأهل البيت من هذا المعتقد وأصحابه براء.
[ ٣٩٧ ]
ومحمد ﵌ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا وحي بعده، فكيف يجوز لعاقل أن يتصور أن تُترك لزوجاته فرصة الخيانة والارتداد من بعده وهنّ أمهات للمؤمنين ومكانهنّ من رسول الله يوجب هلاك الأمة للاغترار بقربهنّ من رسول الله؟!
إنّ مثل هذا الكلام لا يقوله عاقل أصلًا.
هذا وقد قال الله ﷿ في محكم كتابه ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ (١) والشيعة الإثنا عشرية يتهمون أم المؤمنين عائشة تارة بالكفر وتارة بالنفاق، فكيف جاز لرسول الله أن يبقيها زوجة له.
وقد روى علي بن إبراهيم القمي والحر العاملي عن الإمام الباقر في قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ يقول: (من كانت عنده امرأة كافرة، يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه، فنهى الله أن يستمسك بعصمتها) (٢).
فأم المؤمنين عائشة إن كانت كافرة أو مرتدة أو منافقة – برأها الله من هذا الإفك – ففي جميع الحالات كان من الواجب تطليقها التزامًا لكتاب الله، اللهم إلا إذا كان رسول الله المبلّغ عن الله لم يعلم نفاقها وعَلِمَ ذلك علماء الشيعة، فتلك مسألة أخرى!
_________________
(١) سورة الممتحنة آية ١٠
(٢) تفسير القمي ٢/ ٣٦٣ ووسائل الشيعة ٢٠/ ٥٤٢
[ ٣٩٨ ]