إنّ فضائل أهل البيت كثيرة ونصيب الإمام علي بن أبي طالب منها كبير، ولا يجحد فضائله أو فضائلهم إلا ناصبي حاقد أو جاهل لا يعرف لهم حقهم ومكانتهم.
لكن الاعتقاد بفضلهم والتدين بحبهم أمر، والاستدلال بهذه الفضائل على عصمة بعضهم ووجوب امتداد الخلافة في إثني عشر رجلًا منهم وتفضيلهم على أنبياء الله تعالى بمن فيهم أولو العزم من الرسل ما عدا محمدًا ﵌ أمر آخر لا يمت بصلة إلى تلك الفضائل المحكية في حقهم وإلى بطولاتهم التي سطّرها لهم التاريخ.
فلمحبة أهل البيت ولفضائلهم ضوابط تحكمها وتحدد مسارها وإلا لقال كل قائل ما يحلو له باسم حب أهل البيت!
ولهذا كان الإمام علي بن الحسين يقول: (أحبونا حب الإسلام لله ﷿، فإنه ما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارًا) (١).
لقد ضاق الإمام زين العابدين ذرعًا بأولئك المغالين الذين أضفوا على حب آل البيت معاني لا يرتضيها أهل البيت أنفسهم.
والحديث عن الإمامة وعصمة الأئمة ومعجزاتهم ومناقشة هذه المواضيع بات اليوم كالحديث عن المسيح ﵇ وطبيعته البشرية.
إنّ مناقشة أدلة الإمامة عند الشيعة الإثني عشرية تعود بي زمنًا طويلًا إلى أيام مضت كنت مهتمًا فيها بمناظرات الداعية الإسلامي المتميز أحمد ديدات ومؤلفاته.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣/ ١٣٦
[ ١٧٨ ]
فقد كان (أحمد ديدات) ﵀ يستنكر على بعض القساوسة المناظرين له فكرة نعيشها اليوم مع كثير من المتعصبين من أرباب الفرق والجماعات المنتسبة للإسلام.
كان القساوسة يطرحون بنوة المسيح – المدّعاة – لله ﷿ بأسلوب (إما أن يكون المسيح ابنًا لله كما نؤمن نحن وإما أنك تنسب إليه الجنون أو التجديف لادعائه ما لا يحق له أو تنسب إليه السحر لإتيانه بخوارق عادات لا يأتي بها بشر) هكذا يقولون!
فيضعك هؤلاء في الزاوية التي يريدونها، ويمارسون عليك الإرهاب الفكري، إما أن تقول بقولهم وإلا جعلوك عدوًا للمسيح ﵇ بحجة أنك تنسب إليه التجديف والكذب أو السحر!
وعند هذا الطرح العجيب يتساءل ديدات (ولماذا هذه الافتراضات الثلاث؟! لماذا لا يكون عبدًا رسولًا، لماذا لا يكون نبيًا عظيمًا من أنبياء بني اسرائيل فحسب؟!)، لماذا تريد أن تجعلني في الزاوية (إما أن أكون مغاليًا في الشخصية التي أتكلم عنها أو أكون عدوًا لها؟! لا وسط بين القولين.
وبالأسلوب ذاته يمكن لك أن تتصور محاورًا يريد نقاش موضوع عصمة الأئمة والإمامة النصية بعد رسول الله ستجد بلا شك عند استعراضك للأدلة ونقاشك العميق معه في هذه القضية أنّ الحوار سيقف عند قضية عاطفية بحتة في النهاية! هل أنت ناصبي تعادي الأئمة؟ هل تشكك في مصداقية أهل البيت؟ وما يشابه هذه الاتهامات وربما تساقطت عليك الحجارة من كل حدب وصوب وأنت لا تدري، مع أنّ النقاش لا يحتمل كل هذا.
وقد مرت بي هذه التجربة بالفعل، أناقش من خلال القرآن والسنة والعقل وأُفاجَأ بأنّ الرد الفوري عليّ هو الاتهام لي بأني ناصبي!!
[ ١٧٩ ]
وهل كلمة ناصبي هينة حتى تُطلق على كل أحد؟ وهل نقاشي لإطروحة عصمة الأئمة أو الرجعة وما شابهها يعني أني لا أحب أهل البيت؟!
لو كان حب أهل البيت يعني الغلو فيهم لرضي أهل البيت بأن يُقال عنهم آلهة من دون الله، ولأثنى أهل البيت على من غلوا فيهم بدلًا من التحذير منهم ..