مشكلة الكثير من أرباب الفرق والجماعات أنهم يريدونك نسخة منهم، تنطق بما يؤمنون به هم وآباؤوهم الأولون، لا يريدون لضميرك ولعقلك أن يقول كلمته ولو على وجه التساؤل والبحث عن الحقيقة.
[ ٢٦ ]
ومن آفاتهم النظر إلى المرء قبل النظر في قوله، يقولون: (مَنْ فلان حتى يعلّمنا؟) أو (أوليس هذا الذي أخطأ في مسألة كذا وكذا) فيعممون خطأه في مسألة على كل ما يقوله من صواب، فلا يستمعون إلى حجته ولا يريدون حقًا من ورائه.
وهذه النظرة الفوقية الاستعلائية تقصم ظهر صاحبها قبل الآخرين، فمن الخاسر سواه وهو يَصدُّ الناس عن الحق ويتجنبه هو في نفسه لا لشيء إلا لعصبية جاهلية ملأ بها دماغه.
والأَولى بالمرء أن يطلب الحق حيث كان، وأن لا يحجبه عن الحق كونه قد أتى من خصمه.
يقول أبو حامد الغزالي ﵀: (فانظر إلى مناظري زمانك، كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجتهد في مجاحدته بأقصى قدرته وكيف يذم من أفحمه طول عمره) وإنما ينبغي في المحاور (أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرّق بين أن تظهر على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا ويشكره إذا عرّفه الخطأ وأظهر له الحق ..) (١)
ولله در الإمام مالك بن أنس إذ يقول: (ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف) (٢).
نعم والله .. إنها أزمة الإنصاف.
والإمام مالك هاهنا يتحدث عن زمانه الذي انتشر فيه العلم وسادت الفضيلة فكيف بزماننا وقد قلّ العلماء واتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فضلوا وأضلوا، وعمّ الفساد وبيعت الذمم.
_________________
(١) إحياء علوم الدين ١/ ٦٤
(٢) جامع بيان العلم ١/ ١٣٢
[ ٢٧ ]
ولتقي الدين ابن تيمية ﵀ كلمات جميلة في وجوب تحري المرء الحق واتباعه يقول فيها: (فإنّ الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيًا عليه اتبعه، وليس هذا مذبذبًا، بل هذا مهتد زاده الله هدى والواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق فيتّبعه حيث وجده) (١).
ويقول: (وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه فيه، وترك القول الذي وضحت حجّته، أو الانتقال من قولٍ إلى قولٍ لمجرد عادة واتباع هوى فهو مذموم) (٢).
فالعبرة بالحق لذاته لا بمن قاله، وعلى المسلم أن ينفض عنه غبار التعصب والتقديس لغير كلام الله وكلام رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فإنّ الناس لم يفترقوا ويزيغوا عن الهدى إلا لأمرين:
هوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
ولسلطان العلماء العز بن عبد السلام عبارة ذهبية يقول فيها: (ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلّدين، فإنّ أحدهم يتبع إمامه مع بُعد مذهبه عن الأدلة، مقلّدًا له فيما قال كأنه نبي أُرسل إليه، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب) (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣
(٢) المصدر نفسه ٢٠/ ٢١٣ - ٢١٤
(٣) الفكر السامي للحجوي ٢٣٠
[ ٢٨ ]
وهذا الإمام الشوكاني يوجه كلامه لمتعصبي المذاهب قائلًا: (فدعوا- أرشدكم الله وإياي- كتبًا كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم ومتعبّدهم ومتعبّدكم) (١).
نعم لندع التعصب المقيت، ولنحتكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه.