قد يبدو غريبًا أن يحتوي نهج البلاغة على مدح عمر بن الخطاب لكنها الحقيقة التي لم يستطع إغفالها حتى الشيخ الرضي مؤلف كتاب "نهج البلاغة" رغم انتسابه إلى الشيعة الإثني عشرية.
وهنا حُق للعاقل أن يتأمل هذه المسألة جيدًا وأن يُذعن للحقيقة كي لا يكون ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؟ (٣)
هذا علي بن أبي طالب يخاطب عمر بن الخطاب بعد أن استشاره في غزو الروم فيقول: (إنك متى سرت إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة (٤) دون
_________________
(١) نهج البلاغة ص١٨٩ - خطبة رقم (٩٧).
(٢) نهج البلاغة ص٢٣٤ - خطبة (١٢١).
(٣) سورة الأحزاب آية ٦٧
(٤) عاصمة يلجؤون إليها، من كنفه أي صانه وستره، وفي هذا إقرار بشرعية خلافة عمر، فتأمل.
[ ٤٢٦ ]
أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا محربًا، واحفز معه أهل البلاء (١) والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تُحب، وإن تكن الأخرى، كنت ردأً (٢) للناس ومثابة (٣) للمسلمين) (٤).
ويخاطب عمر قائلًا: (فكن قطبًا، واستدر الرحا بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكَلِبهم عليك وطمعهم فيك) (٥).
ويمدح عمر بن الخطاب ﵁ بعد موته قائلًا: (لله بلاء فلان (٦)، فلقد قوّم الأود (٧)، وداوى العمد (٨)، وأقام السنة، وخلّف الفتنة (٩) ذهب نقي الثوب، وقليل العيب.
_________________
(١) أهل المهارة في الحرب، والبلاء: هو الإجادة في العمل وإحسانه.
(٢) الردء بالكسر هو الملجأ
(٣) المثابة: المرجع
(٤) نهج البلاغة - خطبة رقم (١٣٤) (ومن كلام له وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم).
(٥) نهج البلاغة - خطبة رقم (١٤٦) (ومن كلام له (ع) وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه)
(٦) أي لله ما فعل من الخير
(٧) قوّم الاعوجاج
(٨) العمد – بالتحريك -: العلة
(٩) أي تركها خلفه، لا هو أدركها ولا هي أدركته
[ ٤٢٧ ]
أصاب خيرها، وسبق شرها. أدّى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه. رحل وتركهم في طرق متشعبة، لا يهتدي بها الضال، ولا يستيقن المهتدي) (١).
يقول ابن أبي الحديد تعليقًا على هذا النص في "شرحه لنهج البلاغة": (ويروى (لله بلاء فلان) أي: لله ما صنع، وفلان المكنى عنه عمر بن الخطاب، وقد وجدت النسخة التي بخط الرضي أبي الحسن جامع نهج البلاغة وتحت فلان عمر، حدثني بذلك فخّار بن معد الموسوي الأودي الشاعر.
وسألت عنه النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي، فقال لي: هو عمر فقلت له: أيثني عليه أمير المؤمنين (ع) هذا الثناء، قال: نعم، أما الإمامية فيقولون إنّ ذلك من التقية واستصلاح أصحابه!!
وأما الصالحيون من الزيدية فيقولون إنه أثنى عليه حق الثناء ولم يضع المدح إلا في موضعه ونصابه.
وأما الجارودية من الزيدية فيقولون إنه كلام قاله في أمر عثمان أخرجه مخرج الذم له والتنقص لأعماله كما يُمدح الآن الأمير الميت في أيام الأمير الحي بعده فيكون ذلك تعريضًا به!!!
فقلت له: إلا أنه لا يجوز التعريض والاستزادة للحاضر بمدح الماضي إلا إذا كان ذلك المدح صدقًا لا يخالطه ريب ولا شبهة، فإذا اعترف أمير المؤمنين بأنه أقام السنة وذهب نقي الثوب قليل العيب وأنه أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه فهذا غاية ما يكون من المدح، وفيه إبطال قول من طعن في عثمان بن عفان، لم يجبني بشيء، وقال: هو ما قلت لك!
_________________
(١) نهج البلاغة – خطبة رقم (٢٢٨) (ومن كلام له (ع) في الثناء على عمر بن الخطاب).
[ ٤٢٨ ]
فأما الراوندي فإنه قال في الشرح: (إنه (ع) مدح بعض أصحابه بحسن السيرة وإنّ الفتنة هي التي وقعت بعد رسول الله من الاختيار والأثرة، وهذا بعيد لأنّ لفظ أمير المؤمنين يشعر إشعارًا ظاهرًا بأنه يمدح واليًا ذا رعية وسيرة، ألا تراه كيف يقول (فلقد قوّم الأود وداوى العمد وأقام السنة وخلف الفتنة) وكيف يقول (أصاب خيرها وسبق شرها) وكيف يقول (أدى إلى الله طاعته) وكيف يقول (رحل وتركهم في طرق متشعبة» (١).
وليس هذا الثناء العطر حبيس تلك الكلمات فقد أثنى علي بن أبي طالب ﵁ على عمر بن الخطاب ﵁ بعبارات أخرى سطّرها التاريخ، ومنها قوله في نهج البلاغة: (ووليهم وال فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه) (٢).
يقول ابن أبي الحديد: (الجران مقدم العنق، وهذا الوالي هو عمر بن الخطاب) (٣).
وليس أدل على هذه العلاقة الطيبة المتينة بين عمر وعلي من تزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب كما اعترفت بذلك كتب ومصادر الشيعة الإثني عشرية (٤).
_________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٢/ ٣
(٢) نهج البلاغة ص١٠٧ (باب المختار من حكم أمير المؤمنين ﵇) رقم (٤٦٧).
(٣) شرح نهج البلاغة ٢٠/ ٢١٨
(٤) إنّ هذا الزواج يبطل الروايات المكذوبة والتي تحكي أنّ عمر بن الخطاب ضرب فاطمة برجله حتى سقط جنينها!! هب أنّ رجلًا ضرب زوجتك وتسبب في قتل ولدك، هل تزوجه من ابنتك؟!! وهل ترضى أن يكون صهرك؟!! بل وتسمي أحد أبنائك باسمه!! للاطلاع على هذه الحقيقة التاريخية يمكنك مراجعة كتاب (زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب- حقيقة لا افتراء) للأستاذ السيد أحمد إبراهيم الإسماعيلي.
[ ٤٢٩ ]