إنه من السهل على المرء أن يُمسك بين يديه القرآن الكريم ويُقلّب صفحاته يمينًا وشمالًا ثم يختار منه ما يشاء من آيات ويُفسرها بالتفسير الذي يحلو له ويناسب هواه دون أدنى فهم للسياق الذي جاءت به والمعاني التي اقتضاها ذلك السياق، كأن يُفسر لك قوله تعالى حكاية عن قول يعقوب ﵇ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١) بأنّ يعقوب ﵇ لم يكن يبكي على ابنه النبي الكريم يوسف ﵇ وإنما على يوسف ابن الجيران الذي تُوفي بالأمس وبكى عليه أهل الحي!!
وقد يأتي لقوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٢) ليقول بأنّ أسماء تلك الحيوانات ما هي إلا كنايات عن قبائل أو عائلات بينه وبينها نزاع طويل.
تمامًا كما يفعل العياشي (٣) مثلًا مع قوله تعالى ﴿إنّ اللهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (٤) حين يفسّر الكلمات الثلاث (الفحشاء والمنكر والبغي) بأنها ولاية أبي بكر وعمر وعثمان!
أو كما فعل الكليني (٥) مع قوله تعالى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان﴾ حين يذكر أنّ المراد بهذه الكلمات الثلاث (أبو بكر وعمر وعثمان)!
_________________
(١) سورة يوسف آية ٨٤
(٢) سورة النحل آية ١٦
(٣) تفسير العياشي ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨ رواية رقم (٦٢).
(٤) سورة النحل آية ٩٠
(٥) الكافي- كتاب الحجة- (باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية) - حديث رقم (٧١)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ٢/ ٢٨٩
[ ٥١٢ ]
والأمثلة في ذلك تطول .. والتلاعب بكتاب الله مستمر ما دامت التعصبات قائمة في نفوس أصحابها.
لكني أرمي إلى قضية أخرى بالغة الأهمية وهي أنّ لتفسير القرآن الكريم أصوله وقواعده التي يُفسر من خلالها وإلا كان ألعوبة للجميع، ألعوبة لكل حزب ولكل فرقة ومِلّة!!
ولذا ينبغي للمفسر قبل الشروع في تفسير آية أن يُحيط بسبب نزولها وهل نُسخت أم لا؟ وأن يكون ملمًا باللغة العربية إلمامًا جيدًا مع فهم سياق الآيات وما ترمي إليه وما وجه ترابطها وتناسبها بما قبلها وما بعدها.
ولو أنّ طاعنًا لم يرد الطعن في الصحابة بل في الرسول ذاته باستخدام هذا النمط من التفسير الذي يفسر به القمي والعياش والكليني وغيرهم معتمدًا على الهوى لا على الأصول العلمية للتفسير لكان له ذلك، تمامًا كما يفعل المستشرقون والقساوسة عادة في الآيات التي تخاطب النبي ﵊!!
قارن بين أقوال جولدزيهر وأمثاله من المستشرقين في رسول الله وأساليبهم في التعامل مع النصوص التي تتضمن عتاب الله تعالى لنبيه ﵌ على أمر فعله كنحو قوله تعالى ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ (١) أو ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ (٢) وبين استغلال التيجاني مثلًا للآيات التي تعاتب الصحابة على تباطؤهم بالقتال أو على خطأ وقعوا فيه أو تقصير للطعن فيهم والتشنيع عليهم ووصفهم بالردة والكفر! وجهان لعملة واحدة، وعليك أن تعي ذلك جيدًا ..
_________________
(١) سورة التوبة آية ٤٣
(٢) سورة التحريم آية ١
[ ٥١٣ ]