ولحديث أن النبي ﷺ قبل جعفرًا ﵁ لما قدم من أرض الحبشة فحجل" (^١) ألا فأمّا الحجل فنوع من المشي يفعل عند الفرح فأين هو من رقص المخانيث، وحديث تقبيل جعفر ﵁ حديث مرسل (^٢) وراويه الأجلح الكوفي وقد قال فيه إبراهيم بن يعقوب السعدي (^٣) [ق ٥٣ / ب] ﵀ أنه مفتر، يعد في شيعة الكوفة (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن جميع الصيداوي في "معجم الشيوخ" (صم ١٧٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٥١٢) (١٤٣٥)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٩٦) (٩٦٢) من طريق أبي علاثة عن مكي بن عبد الله الرعيني، ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر به، وإسناده ضعيف قال الذهبي في "الميزان" عن مكي: "له مناكير قال عنه العقيلي: حديثه غير محفوظ"، وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، وقال ابن الجوزي: " قال المؤلف: "هذا حديث لا يصح ولا يعرف إلا بمكي".
(٢) إسناده ضعيف - أخرج أبو داود في "سنه" (٤/ ٥٣٦) (٥٢٢٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١/ ٢٧٦) (٣٦٣)، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٢٨٠) (٦٩٠٤)، وابن الأعرابي في "القبل والمعانقة" (ص/٦٨) (٣٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ١٦٣)، السلفي في "الطيوريات" (٢/ ٧٣٣) (٦٥٨) وغيرهم من طريق سفيان عن الأجلح عن الشعبي «أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تلقى جعفر بن أبي طالب فالتزمه، وقبل ما بين عينيه» وهذا إسناد مرسل.
(٣) هو: إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني، أبو إسحاق: محدّث الشام وأحد الحفاظ المصنفين المخرجين الثقات. نسبته إلى جوزجان (من كور بلخ بخراسان) ومولده فيها. رحل إلى مكة ثم البصرة ثم الرملة وأقام في كل منها مدة. ونزل دمشق فسكنها إلى أن مات ووفاته عام (٢٥٩ هـ). له كتاب في (الجرح والتعديل) وكتاب في (الضعفاء) وقال ابن كثير: له مصنفات منها (المترجم فيه علوم غزيرة وفوائد كثيرة) وترجمته في تهذيب الكمال (٢/ ٢٤٤) (٢٦٨)، تاريخ الإسلام (٦/ ٤٣) (٨٠)، الأعلام (١/ ٨١)، وغيرها.
(٤) قال ابن عدي في "الكامل": " سمعت ابن حماد قال السعدي الأجلح مفتري. حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر، حدثنا عباس سمعت يحيى يقول الأجلح ثقة. وفي موضع آخر ليس به بأس " .. ثم ساق له عدة أحاديث ثم قال ابن عدي: " وأجلح بن عبدالله له أحاديث صالحة غير ما ذكرته يروي عنه الكوفيون وغيرهم ولم أجد له شيئا منكرا مجاوز للحد لا إسنادا، ولا متنا، وهو أرجو أنه لا بأس به إلا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق".
[ ١٣٥ ]
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ روى حديث منكر، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. قال ابن حبّان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. وقد احتج الملحد أن سعيد بن المسيّب ﵀ سمع غناء فضرب برجله الأرض (^١)،
_________________
(١) ضعيف - أخرج السلمي في "الأربعين في التصوف" (ص/ ١٥) من طريق لترقفي حدثنا عبد الله بن عمرو الوراق حدثنا الحسن بن علي بن منصور حدثنا غياث البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الجدي يتغنى في دار العاص بن وائل: تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت به زينب في نسوة عطرات فلما رأت ركب النميري أعرضت وكن من أن يلقينه حذرات قال فضرب برجله الأرض زمانا وقال هذا ما يلذ سماعه وكان يرون أن الشعر لسعيد) وقال ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/ ٢٣١): (هذا إسناده مقطوع مظلم لا يصح عن ابن المسيب ولا هذا شعره كان ابن المسيب أوقر من هذا وهذه الأبيات مشهورة لمحمد بن عبد الله بن نمير النميري الشاعر ).
[ ١٣٦ ]
وهذا حديث موضوع على ابن المسيب وكذب عليه، ثم لو قدّرنا أنه ضرب رجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، فإن الإنسان قد يضرب رجله أو يدق بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصًا، فما أقبح هذا التعلّق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سيمة العقلاء، فسكرهم من أصوات الأغاني ولمشاهدتهم المردان، وقد قيل أن الغزالي ﵀ قال: "الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب"، ثم إنّ كثيرًا من المنتمين إلى رؤساء الجهّال المشتغلين بالرقص والسماع ينزّهون أنفسهم عن المباحات والقربات، ويزهّدون في زينة الدنيا، ويؤثرون الانقطاع عن أهلها، ويتركون الشبهات من المطاعم وغيرها [ق ٥٤ /أ] ولا يتركون هذا السماع ولا يتحققون الأمر فيه، بل تغلبهم نفوسهم الخبيثة عليه فيتسامحون ويتأولون بأفعالهم مع وجود من يغنيهم عليه؛ لما يوقعون من العوام وغيرهم، ومع ما يتطرّق إليهم من المفسدة ويفضي الحال بين الطائفتين إلى نزاع وفتنة، ولو اتبعوا ما روى الترمذي وصححه عن أبي الحوراء ربيعة بن شيبان ﵀ قال: قلت للحسن بن علي ﵄: ما حفظت من رسول الله ﷺ قال: حفظت منه "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ" (^١)؛ لكان أولى بهم، وقد روي عن أبي عمر الزجاجي (^٢)
_________________
(١) صحيح - أخرجه الترمذي في "سننه" (٤/ ٦٦٨) (٢٥١٨)، وقال: "حديث صحيح"، والنسائي في "سننه" (٨/ ٣٢٧) (٥٧١١)، والطيالسي في "مسنده" (٢/ ٤٩٩)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٢٤٨) (١٧٢٢)، والدارمي في "سننه" (٣/ ١٦٤٨) (٢٥٧٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٤/ ٥٩) (٢٣٤٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٤٩٨) (٧٢٢)، وغيرهم من طريق شعبة، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن مطولا ومختصرا به، ورواته ثقات.
(٢) هو محمد بن إبراهيم بن يوسف، أبو عمرو النيسابوري الزجاجي الزاهد. المتوفى: ٣٤٨ هـ، نزيل الحرم. كان أوحد مشايخ وقته. صحب الجنيد، وأبا الحسين النوري. وبقي شيخ الحرم مدة. وحج بضعا وخمسين حجة. وله كلام جليل في التصوف. . وله ترجمة في "تاريخ الإسلام" (٧/ ٨٦٨)، و"البداية والنهاية" (١١/ ٢٦٧)، وغيرهما ..
[ ١٣٧ ]
﵀ أحد المحققين من شيوخ الصوفية المتقدمين أنه سئل عن السماع فقال: "ما أدون حال من يحتاج إلى مزعج يزعجه السماع من ضعف الحال ولو قوي لاستغنى عن السماع والأسباب" (^١). وعن أكتم بن أكتم (^٢) الصوفي ﵀ قال: قلت لراهب: أوصني، فقال: إنّ الثكلاء (^٣) إذا اشتغلت بميتها انقطع عنها كل بث (^٤) إلا بث مصيبتها فاشتغل بنفسك وأقم في قلبك مأتمها عليها وابك طول سفرها [ق ٥٤ / ب] وسرعة انتقالها إلى قبرها. وروي أن أبا علي الثقفي أحد الشيوخ ﵀ قال: "ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك" (^٥). وقال محمد بن خفيف (^٦): "ليس لشيء أضرّ على المريد من ركوب الرخص وقبول التأويلات" (^٧). قلت: ولا على الشيخ وأصحابه. وقال محمد بن يحيى القطان ﵀: "لو أن رجلًا عمل بكلّ رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع - يعني الغناء - وأهل مكة في المتعة أو كما قال: لكان به فاسقًا" (^٨). قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليهما: وجدت في كتاب أبي: حدثنا أبو معاوية الغلابي حدثنا خالد بن الحرث قال: قال سليمان التيمي ﵀: "لو أخذت رخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله" (^٩).
_________________
(١) ذكره السلمي في "طبقات الصوفية" (ص/ ٣٢٥) ولفظه في آخره: " لاستغنى عن السماع والأوتار".
(٢) كذا بالأصل.
(٣) في الحاشية: "الثكلى المرأة التي يموت ولدها".
(٤) في الحاشية: "البث: غصة وغم".
(٥) أخرجه السلمي في "طبقات الصوفية" (ص/٢٧٧).
(٦) هو أبو عبد الله بن خفيف واسمه محمد بن خفيف بن إسفكشاذ الضبي المقيم بشيراز، وكان شيخ المشايخ في وقته. صحب رُوَيما والجريري وابن عطاء وغيرهم. وهو أعلمهم بالظاهر، شافعي المذهب. مات في رمضان سنة إحدى وسبعين وثلثمائة بشيراز، عن مائة وأربع سنين. وترجمته في طبقات الصوفية (١/ ٣٤٥) (٨٩) وطبقات الأولياء (ص/٢٩٠)، وغيرهما.
(٧) ذكره القشيري في "الرسالة القشيرية" ٠١/ ١٤٠).
(٨) أخرجه أحمد في "مسائله رواية ابنه عبد الله (ص/٤٤٩) (١٦٣٢).
(٩) صحيح - أخرجه ابن الجعد في "مسنده" (ص/٢٠٠) (١٣١٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣٢)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (٢/ ٩٢٧) (١٧٦٦، ١٧٦٧)، وغيرهم من طريق غسان بن المفضل عن خالد بن الحارث عن سليمان به، ورواته ثقات، وقال ابن عبدالبر عقبه: «هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا والحمد لله» ..
[ ١٣٨ ]
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: "لو أنّ رجلًا أخذ بقول أهل المدينة في السّماع - يعني الغناء- وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل مكة في المتعة والصرف وبقول أهل الكوفة في المسكر؛ لكان شر عباد الله" (^١). قال إبراهيم بن أدهم ﵁: "من حمل شاذّ العلماء فقد حمل شرًّا كثيرًا" (^٢). وروي عن سفيان [ق ٥٥ /أ] بن عيينة ﵁ أنه قال: "من رأى أنه خير من غيره فقد استكبر، وذلك إبليس اللعين إنما منعه من السجود استكباره" (^٣)، وقال: "من كانت معصيته في شهوته فأرجوا له التوبة، فإنّ آدم ﷺ عصى مشتهيًا فغفر له، ومن كانت معصيته كبرًا فأخشى عليه اللعنة، فإن إبليس عصى متكبرًا فلعن" (^٤). ألا فهذه الطائفة التي زعمت أن الرقص واستماع الغناء والشبابات حسنًا تستحق من الله تعالى اللعنة، ومن أوليائه كما يستحق إبليس وحزبه على ما قاله سفيان ﵁؛ لأنهم يفعلون ذلك كبرًا ويزعمون أنهم خير ممن أنكر عليهم هذه الأفعال المذمومة، والأقوال الفاحشة الباطلة المبثوثة. وقال أبو علي الروذباري (^٥) رحمة الله عليه: "هذا مذهب كله جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل" (^٦)،
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه الخلال في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص/٦٦) من طريق يحيى بن طالب الأنطاكي، حدثنا محمد بن مسعود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر به، ويحيى لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا.
(٢) أخرجه الهروي في "ذم الكلام" (٥/ ٥٤) (٨٤٢).
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٧١).
(٤) إسناده ضعيف - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٧٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٠/ ٤٦٩) (٧٨٦٧) من طريق سنيد بن داود، عن ابن عيينة به، وقال الحافظ عن سنيد: " ضعف مع إمامته ومعرفته لكونه كان يلقن حجاج بن محمد شيخه".
(٥) هو" محمد بن احمد بن القاسم الروذباري، البغدادي الاصل (أبو علي) صوفي، فقيه، محدث، نحوي، شاعر، من ابناء الرؤساء والوزراء والكتبة. لزم الجنيد، وأقام بمصر. له تصانيف في التصوف. توفي عام (٣٢٢ هـ)، وله ترجمة في: تاريخ بغداد (١/ ٣٤٧)، ومعجم المؤلفين (٨/ ٣٠٨)، والأعلام (٥/ ٣٠٨)، وغيرها.
(٦) ذكره السلمي في "طبقات الصوفية" (ص/٢٧١)، والقشيري في "الرسالة القشيرية" (١/ ١١٩) مطولا، ولفظه: (سئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال، لأني وصلت إلى درجة لا تؤثِّر في اختلاف الأحوال .. فقال: نعم، قد وصل، ولكن إلى سقر! ! وسئل عن التصوف، فقال: هذا مذهب كله جدُّ، فلا تخلطوه بشيء من الهزل).
[ ١٣٩ ]
وروى أن بعض الحكماء أوصى رجلا فقال: "آمرك في حاجة نفسك بمجاهدة هواك، فإنه يقال الهوى مفتاح السيئات وخصيم الحسنات، وكل أهوائك لك عدو وأعداها لك هوى يكتمك نفسه، وأعدى لك من ذلك هوى يمثل لك الإثم في صورة التقوى" (^١).
ألا فهذه الطائفة الخبيثة تمثل لهم الآثام والمعاصي والحوادث والبدع والأهواء في صورة التقوى [ق ٥٥ / ب]
ألا فاحذروهم فإنهم زنادقة ومردة، لا ينقادون إلى الحق، ولا يلوون عليه، ولا يتبعون الصدق، ولا يستمعون إليه، ولا يخشون من الله الوقوف بين يديه، وأقول شعرا:
يا سالِكي سُبُلَ العُدوانِ وَالتُهَمِ وَبِائعي نِعَمِ الرَحمَنِ بِالنِقَمِ
خالفتم الله في آياتٍ منزلة ثم الرسول بما المسنون مرتسم
أَلبَستُمُ الدينَ عارًا مِن فِعالِكُم ما ليسَ يَحسُنُ مِن عربٍ ولا عَجَمِ
سَمّيتُمُ الرّقص مِن لهوٍ ومِن لَعبٍ دِينًا وقُربى إلى الرَحمَنِ ذِي الكَرمِ
يا مُشبهي حُمُرَ الصَحراءِ رائحةً لمّا تَمَلّت مِن الخضراءِ والدّيمِ
هل كَان فِيما مَضَى مِن فِعلِ سَيّدكُم ضَربُ القَضِيب وركضُ الأرض بِالقَدمِ
لا والذي خلق الأشياءَ مُقتدِرًا إلا الصّيَامَ وحجَ البيتِ ذي الحَرمِ
ثُم الصلاةَ وإيتاءَ الزكاةِ معًا ثُم القيامَ لربِ العَرشِ فِي الظُلَمِ
ثُم الجِهادَ وتعليمَ الفروضِ وَمَا يحتاجُه الناسُ مٍن قَوْلٍ ومٍن كَلِمِ
هَلا اعتبرتُم بِما سَمّتُه أمّتُكُم إن كُنتُم مِن بينها يا أولي التُهَمِ
جعلتُم قصةَ الحُبشَان حجّتكُم ولم تعوجوا على الأحكامِ والحِكَمِ
سمته لهوًا ولعبًا في الحديث وما سمته دينًا فكنتم من أولي الصمم
ولم يُكن فِعلُهم شبهًا لِفعلِكُم لكنكُم زِدتُم [ق ٥٦ /أ] بالأكلِ والبَشمِ (^٢)
جعلتُمُوه لأكل الخُبزِ مصيدة وللفَسادِ مع الأحرارِ والخدمِ
جعلتُم الشيخَ هاديكُم فقادَكُمُ إلى الضّلالِ وكُنتُم مِن أولي البَكَمِ
_________________
(١) ذكره أبو إسحاق الحُصري في "زهر الآداب" (٣/ ٨٧١).
(٢) قَالَ اللَّيْث: البَشمُ: تُخمَةٌ على الدَّسَم.
[ ١٤٠ ]