الحمد لله الذي بصرنا بالحق وحبّبنا لإتباع القرآن، وما نزل معه من الحكمة والبيان وبغض إلينا قوما ينتمون إلى مذهب الشيطان في استماع الأغاني وصحبة المردان، وبغضّ إلينا أقرانهم أهل الأداء المقاييس (^١) المعاندين لأهل الإيمان، ونحمد الله الذي بالقدم توحّد وبالعلم والقدرة تفرد، وبكتابه المنزل على نبيه المرسل تعبد، وجعله منار دينه وسراج توحيده وضياء برهانه أسفر به قناع الزور ودرس به معالم الفجور وأبطل به لهو الحديث، وخَسأ به من كان في الحق يعيث، أنفذ به من أحب من ملابسة الشبهة إلى الصراط المستقيم وجعل سبيلهم الأثر والاتباع؛ لينجيهم من أهوال اليوم العقيم وحماهم من الإحداث والابتداع ليكرمهم بالنعيم المقيم وكره إليهم اللهو والبطالة وأنقذهم من السخافة والجهالة وأكمل عليهم المنّة وأجزل عليهم النعيم بإتباعهم الكتاب والسنة.
(^٢) الذي نصب أعلام الرشاد وسلب التوفيق من أهل العناد، وصلى الله على أفضل العباد الهادي من أتبعه إلى سبيل الرشاد والمتبع أمر ربه ﷿ بحسن الانقياد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيه إلى يوم التناد صلاة دائمة بلا فناء ولا نفاذ.
أما بعد ..
_________________
(١) هذه الكلمة بالأصل لم أستطع قراءتها.
(٢) كلمتان غير واضحتين بالأصل، والأقرب أنهما: " وأحمد الله".
[ ١٢ ]
فإنه لما كانت الهدايا تزرع الحب (^١) وتضعفه وتولد الولاء [ق ٣ /أ] وتُسعّفُه أحببت أن اذكر في كتابي هذا عن الأئمة السالفين وما نقلوا من الأخبار والآثار في ذم الغناء والرقص وصحبة أحداث المرد والنساء والإنكار على فاعليه؛ لينتفعوا به ويقصروا عن غيهم في الغناء واللعب موعظة ونصيحة وهدية مني إليهم من غَرَّ بهم ولم أجد هدية أنفس من الذكرى التي تنفع المؤمنين، والنصيحة التي قال رسول الله ﵇ أنها الدين ألا وها أنا آتيكم بالهدايا السنية فاقبلوها ولا تردوها وقربوها ولا تبعدوها.
وأقول:
الناس يهدون على قدرهم وإنما أهدي على قدري (^٢)
يهدون ما يفنى وأهدي الذي بقى مد الأيام من صدري
وقد سألت الله مستنصرا فإنه القادر في نصري
وها أنا أشرع فيما أرى مستعصما بالله في أمري
ومما حَذاني- أي: ساقني - على ذلك أيضا إحياء الشريعة وإظهار كلمة الحق واقتفاء آثار رسول الله ﵇ ومن سلف بعده من الأئمة لئلا يعدل بهم إلى مهوى وبدعة؛ لأن هذه الطائفة الضالة غلت في حب الرقص واستماع الغناء وصحبة أحداث المرد والنساء حتى اعتقدوا ذلك ديانًة وأن الرحمة تنزل عليهم عند اللعب، والملائكة تحفّ بهم حال الطرب، وكل هذا من المحدثات ومن البدع والضلالة، ومن الأمور العظام، المنكرات التي يجب على فاعلها التوبة إلى الله ﷿،
_________________
(١) يشير إلى ما رواه البخاري في "الأدب المفرد" (١/ ٢٠٨) (٥٩٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (١١/ ٩) (٦١٤٨)، والدولابي في "الكنى" (٢/ ٤٦٦) (٨٤٢) ن تمام في "فوائده" (٢/ ٢٢٠) (١٥٧٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ٢٨٠)، وغيرهم من طريق ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان المصري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تهادوا تحابوا» وإسناده محتمل للتحسين وخاصة وأن له شواهد تقوى معناه.
(٢) وهذا ثناء منه - ﵀ - على نفسه ..
[ ١٣ ]