فصل
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "إنّ الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والزمارات والمزاهر والكِنارات" (^١). هذا حديث رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وقال الزفن شبيه بالرقص، والكنارات قيل أنّها العيدان التي يضرب بها، وقيل أنّها الدفوف. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]. وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يَمْتَلِئَ [ق ٦٣ /أ]
_________________
(١) صحيح - أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٢٧٦)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٣٧٦) من طريق عبد الْعَزِيز بن عبد الله ابْن أبي سَلمَة عَن هِلَال بن أبي هِلَال عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَمْرو به، ورواته ثقات، وصحح إسناده ابن كثير في "تفسيره".
[ ١٥٥ ]
جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (^١). هذا حديث أخرجه أبو داود في سننه. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي قال: "لأن يمتلئ ما يبن عانتي إلى رهابتي قيحًا ينخفض مثل السقاء أحب إليّ من أن يمتلئ شعرًا" (^٢). الرهابة عظم مشرّف على رأس المعدة يسميه الناس لسان الكلب. وروي أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد أن يفتتح الصلاة: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ" (^٣). وقال ﷺ (^٤): "نَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُوتَة -يعني الجنون-. وروي بإسناده إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: "لما أهبط إبليس اللعين قال: ربّ إنّك قد لعنت إبليس فما علمه؟ قال: السحر. قال: فما قرآنه؟ قال: الشعر. قال: فما كتابه؟ قال: الوشم. قال: فما طعامه؟ قال: كل ميّت وما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فما شرابه؟ قال: كلّ مسكر. قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام. قال: فأين مجلسه؟ قال: الأسواق. قال: فما صوته؟ قال: المزمار. قال: فما مصائده؟ قال: النساء" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٨/ ٣٧) (٦١٥٥)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ١٧٦٩) (٢٢٥٧)، وأبو داود في "سننه" (٤/ ٣٠٢) (٥٠٠٩)، وغيرهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ به.
(٢) صحيح - أخرجه ابن عساكر في "تارخ دمشق" (٤٧/ ٥٢) بسند رواته ثقات.
(٣) حسن لغيره - أخرجه أبو داود في "سننه" (١/ ٢٠٣) (٧٦٤)، وابن ماجه في "سننه" (١/ ٢٦٥) (٨٠٧)، والطيالسي في "مسنده" (٢/ ٢٥٥) (٩٨٩) وابن الجعد في "مسنده" (ص/٣٢) (١٠٥)، وأحمد في "مسنده" (٢٧/ ٣٢٤) (١٦٧٦٠) والبزار في "مسنده" (٨/ ٣٦٥) (٣٤٤٥، ٣٤٤٦)، وغيرهم من طريق عمرو بن مرة عن عاصم العنزي - ووقع في بعض الروايات مبهما، وفي بعضها: عباد بن عاصم - عن نافع بن جبير عن أبيه به، وعاصم العنزي لم يوثقه غير ابن حبان، وقال عنه ابن حجر: "مقبول"، وله شاهد عن ابن مسعود، وأبي سعيد فيهما ضعف إلا أنهما يقويانه.
(٤) وجاء مصرحا برفع التفسير في بعض الروايات، وقد حقق الشيخ الأرناؤوط في هامش المسند أنها مدرجة.
(٥) منقطع - أخرجه معمر في "جامعه" (١١/ ٢٦٨) (٢٠٥١١)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٧/ ١٠٤) (٤٧٣٨) ع معمر عن قتادة به، وأين قتادة من رواية هذا الخبر فالإسناد منقطع.
[ ١٥٦ ]
أخبرنا الحافظ أبو العباس أحمد بن إبراهيم الأبلي بقرائتي عليه أنه قال: وروي في الأثر أن رجلًا من الصحابة رأى إبليس اللعين في المنام وقد جمع عفاريته حوله [ق ٦٣ / ب] فقال لهم: قولوا شيئًا فأنشدوا أبياتًا وأشعارًا، فقام اللعين ورقص وهم ينشدون ويصفقون حتى تعب ووقع مغشيًا عليه، فلما أفاق قال لأصحابه: عليكم بهذه الحيلة فقد درت شرقًا وغربًا على حيلةٍ أدخل بها على أمة محمد، فما رأيت مثلها ولا أحسن منها (^١). هذا حديث رواه أبو محمد الدارمي في مسنده وأبو داود والنسائي في سننهما والترمذي في جامعه نحوه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^٢)، وذكره الحافظ أبو العباس في كتاب: لزوم السنة وطريق أهل التحقيق والنهي عن الغناء والتصفيق كما ذكرنا. أخبرنا الإمام الحافظ الناقد محمد بن عبدالواحد قراءه عليه وأنا أسمع أبنا (^٣) أبو القاسم بن أبي الوفاء البيهقي قرآه عليه وأنا أسمع بمرو أبنا الجنيد بن القاويني (^٤) الصوفي أبنا محمد بن أحمد الطبسي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن باكويه الشيرازي الصوفي في نيسابور قال: سمعت أبا الطيب بن الفرحان يقول: سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت علي بن إسحاق الصوفي يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس اللّعين [ق ٦٤ /أ] في النوم بأولاس وهو جالس وعن يمينه جماعة وعن شماله جماعة، فقال إبليس لطائفة منهم: قولوا شيئًا وكانوا على شيء من السماع، فأخذوا في القول. قال أبو الحارث: فاستغرقني طيبة حتى كدت أن أطرح نفسي من السطح لولا تمسكتُ بالقرآن، ثم التفت إلى الطائفة الأخرى، فقال لهم: ارقصوا. قال: فرأيتهم يرقصون ويشيرون في الرقص إشارات حسنة حتى تخيرت، ثم قال لي إبليس: يا أبا الحارث أليس هذا حسنًا! فقلت: بلى. قال: ما أصبت شيئًا؛ أدخُل به عليكم ليكون لي سبيلًا إلا بهذا. فخرجت شهوة السماع من قلبي فما سمعتُ بعدها (^٥).
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) وهذا اختصار: "أخبرنا" عند البيهقي وغيره.
(٤) القاويني، وهي تصح في النسبة إلى قاين، وهو الجنيد بن محمد، أبو القاسم، وهو غير الجنيد المشهور، وانظر طبقات الشافعية للسبكي، حيث بين التشابه في الاسم والكنية واسم الأب والصوفية والتفقه، والله أعلم
(٥) لم أقف عليه مطولا، وانظر التعليق التالي.
[ ١٥٧ ]
وروى هذه القصة أيضًا أبو القاسم القشيري عن أبي عبد الله السلمي قال: سمعت محمد بن عبيد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر النهاوندي يقول: سمعت عليًّا السائح يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس اللعين في المنام على بعض سطوح أولاس، وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم شباب لطاف، فقال لطائفة منهم: قولوا شيئًا، فقالوا: غنوا فاستفزعتني [ق ٦٤ / ب] طيّبة حتى هممت أن أطرح نفسي من أنسها، ثم قال: ارقصوا فرقصوا أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث! ما أصبت شيئًا أدخلُ به عليكم إلا هذه" (^١). ألا وقد رويتُ هذا المنام بالإسناد؛ لأنه رواه الصوفية من المشايخ والفقراء ولو رواه من ينكر السماع والرقص لتطرّقت عليه التّهمة، وأبو الحارث ممّن أراد الله ﷿ هدايته. وقد روي ما يؤيّد هذا أنّ إبليس اللّعين يبدو لجماعة من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، فأخبرهم بطرقٍ يدخل بها على الخلق، وذلك تسخير من الله ﷿ إلا فحسب أقوام ضلالة أن يتبعوا طرق الشيطان التي يدخل بها على الخلق، وقد رأى بعض الصالحين سيّدنا المصطفى ﷺ في المنام فذم ما يضع هؤلاء القوم ونورده، وإن كان منامًا؛ لأنه ﷺ قال: "مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي" (^٢)، وفي لفظ قال: "لا يتشبه بي" (^٣). ويروى بالإسناد أن أبا الحسن جميل بن نجيح الخروجي ﵁، وكان كثيرًا مما يرى النبي ﵇ في المنام أنّه تمارى هو وقوم [ق ٦٥ /أ] في القضيب والرقص، فرأى النبي ﷺ من ليلة، فقال له في ذلك النبي ﷺ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
_________________
(١) ذكره القشيري في "الرسالة القشيرية" (٢/ ٥١٩)، وابن عساكر في "ذم الملاهي" (٤٩/ ٣٠)، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/٢٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٩/ ٣٣) (٦٩٩٣)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ١٧٧٥) (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة بنحوه.
(٣) إسناده حسن - أخرجه أحمد في "المسند" (١٢/ ٥١٣) (٧٥٥٣)، والبزار في "المسند" (١٤/ ٣٠٧) (٧٩٣٦)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣/ ٤١٧) (٦٠٥٢)، وغيرهم من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، قال عنه في "التقريب": "صدوق له أوهام".
[ ١٥٨ ]
فهل وردَ عنّي أو عن أحد من أصحابي أنه فعل ذلك أو نحو هذا؟ " (^١) ووجدت بخطّ الإمام العلامة الموفق عبد الله بن قدامة المقدسي (^٢) رحمة الله عليه أن الشريف محمد بن الحسن بن علي الحسني رضوان الله عليهم حدّثهم، قال: رأيت النبي ﷺ كأنّه جالس وبين يديه شيخ، وأنا أقول للنبي ﷺ: صلوات الله عليك يا جُدي، فسمعته يقول لشيخ بين يديه كلمة كأنّه يسبّه بها، ثم جعل يقول له: أَثبَتَ أننّي رقّاص أوَرَدَ أنني أرقص؟ وكرّر ذلك عليه مرارًا وانتبهت وهو يقولها (^٣) وفي ذلك أقول شعرا:
يا حائدين عن الصواب أما لكم ما تتّقون الله حق تقاته
وتصدّقون إلهكم في قوله وتسارعون معًا إلى مرضاته
وتطاوعون الهاشمي محمدًا وتراقبون الله في أوقاته
أحدثتم للرقص بعد خموده وتبعتم الشيطان في خطواته
أترى بذا قال النبي محمد والسادة الخلفاء بعد وفاته؟
والقس ليس [ق ٦٥ / ب] يراه في إنجيله والحبر ليس يراه في توراته
وكتابنا هذا فما من آيةٍ نطقَتْ بفضل الرقص من آياته
بل بدعة ظهرت فيالك بدعة : ملت الشام على ضرار قضاته
ما بالهم لا ينطقون كأنّما أخذوا بقول شريح في إصماته
فبذلك القسيس يضحك شامتًا قد برّح الديّوث (^٤) في إشماته.
والشارع الحنفي أصبح خائفًا قد كذّبوه القوم في فتواته
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي الصالحي الحنبلي وكنيته أبو محمد ويلقب بموفق الدين، فقيه، محدث، مفسر، إمام في علم الفرائض والأصول والنحو وكان إمام الحنابلة بجامع دمشق. ولد في ٥٤١ هـ في جُمَّاعِيل (إحدى قرى نابلس في فلسطين). ومن أهم مصنفاته: المغني، الكافي، المقنع، العمدة، ذم الوسواس والموسوسين، البرهان في مسألة القرآن، روضة الناظر، ذم التأويل، كتاب فضائل الصحابة، التوابين، وكتاب القدر. توفي سنة ٦٢٠ هـ بدمشق ودفن بجبل قاسيون. وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥٨ - ١٦٠)، شذرات الذهب (٥/ ٨٨ - ٩٢)، فوات الوفيات (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، النجوم الزاهرة (٦/ ٢٥٦)، معجم المؤلفين (٦/ ٣١)، الأعلام للزركلي (٤/ ٦٧)، وغيرها.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) بالأصل زيادة (ما) هنا، والأولى حذفها ليستقيم الوزن.
[ ١٥٩ ]
لا يستطيع إلى الجدال طريقة حذر أتيك فداله برواته (^١)
قد زيّفوه فحسبه محرابه وغدا الفقير موَلّهٌ بخواته
يرخي عمامته ويسدل ثوبه يظل معتمدًا على منساته
يا هؤلاء ألا فقيه عالم ورع يقوم مع الصحيح نداته (^٢)
ويزيد في توبيخ كلّ مذبذب حتى يزيد [الله] في حسناته
لا تصفقّن وتصعقنّ ولا تكن ممّن يطيع هواه في خلواته
فالله يبغض كل صوت نابيًا لا يبغضن الشيخ من أصواته
يا من يشاورني ويقبل من فتى مستغفرا لله من زلاته
إيّاك تتبعهم وتسمع قولهم وتطيع ذا الدعوى على دعواته
كن ما حييت على الشريعة ثابتًا واحفظ وصية من نصحك رواته
واحفظ وقيت وصية من عالم ودع الغبي يغوص في عثراته
وكن الحريص على اتّباعك للهدى بصحيح ما تروي ثقات رواته
_________________
(١) كذا بالأصل والأقرب أن تتمة البيت: حذرا يشك مداده بدواته. [في الأصل تظهر الكتابة كالتالي: "حذرا يشك قذاله بدواته"، والقذال: ما بين نقرة القفا والأذن]
(٢) أي: المنادين، والله أعلم
[ ١٦٠ ]
وروي أن رجلًا قال لمعافي بن عمران (^١) ما تقول في الرجل يقول الشعر ويلهج به (^٢)؟ قال هو عمرك فأفنه كيف شئت (^٣). وروي أن هلال بن العلاء قال: كتب إليّ حسين بن عياش: عافانا الله وإيّاك وعفا عنَّا وعنك أنت حفظكم الله تعلم موقعك من قلوبنا وحالك عندنا، وقد شكاك إلي أبوك لتشاغلك بطلب الشعر عن معاشك، فتعلم وفقك الله أن إغراقك في هذا الذي أنت فيه يدعوا إلى تعلّق القلب بالملاهي وبقول الأشعار بعدها، وقد يقال إن أدنى مروءة العاقل قول الشعر، وأن أشرف مروءة الأحمق بالشعر فعليك من هذا الأمر بالضحضاح (^٤)، وإيّاك والغمر (^٥) والسلام، ألا والذي أعرفكم أن الخفيف من الشعر واليسير منه نحو البيت والبيتين للتمثيل ونحوه غير حرام، ولا مذموم عند العلماء، وقد استعمله غير واحد من السلف وهو ما كان في معنى قوله ﷺ "وإن من الشعر لحكمة" (^٦)، وفي لفظ [ق ٦٦ / ب] قال: "حكما" و"الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح".
_________________
(١) هو: المعافى بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد الازدي، الفهمي، الموصلي (أبو مسعود) محدث، فقيه، أديب. رحل في طلب العلم إلى الآفاق، وجالس العلماء، ولزم سفيان الثوري وتأدب بآدابه وتفقه به وأكثر عنه وعن غيره، فصنف كتبا في السنن والزهد والأدب. ولد سنة نيف وعشرين ومائة. توفي سنة أربع، وقيل خمس، وقيل س وثمانين ومائة، وترجمته في سير أعلام النبلاء (٧/ ٥٢١) (١٣٣٦)، الأعلام (٧/ ٢٦٠)، ومعجم المؤلفين (١٢/ ٣٠٣).
(٢) في الحاشية: "حريص، وفصيح لسان".
(٣) أخرجه بنحوه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٨٩).
(٤) أي النذر اليسير كالتمثل بالبيت والبيتين أحيانا.
(٥) أي الكثير، والمقصود تحذيره من التعمق والانشغال به.
(٦) سبق تخريجه.
[ ١٦١ ]
وقد روى الشافعي ﵀ نحو هذا فأمّا الشعر وروايته والإكثار منه فهو الذي جاء فيه الإنكار والنهي وحسبك من ذمّ الشعر وإسقاط مرتبته تنزيه الله نبيّه ﷺ عنه وعن قوله وروايته، وقد زعم بعض أهل البدع والضلال ممن لا خلاق لقوله أنه ﵇ كان يقدر على قول الشعر المنظوم كما يقدر على الكلام المنثور، إلا أنه كان يتحاشاه ويتنزه عنه، وليس الأمر في هذا كما زعمه بجهله وتوهّمه بقلة عقله، ويدلّ على فساد ما قاله [من] هذا الزعم قول الله ﷿: ﴿عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فثبت أنّه ﵇ لو رام أن يقوله لم يتأت له من أمه، وإنما قطعه عن الشعر، وقوله واقتنائه صيانة للقرآن وقطعًا لدعوى من ينحل النبي ﷺ صنعة الشعر، فكيف يجوز أن يكون مع ذلك قادرًا عليه متسعًا له، وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: "ما تغنيت" (^١). فتبرأ من التغنّي وتبحح (^٢) بتركه وتنزه عن فعله. هذا حديث رواه ابن ماجة في سنه. وروي عن ابن [ق ٦٧ /أ] مسعود ﵁ وغيره أنه قالوا: "الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل" (^٣).
_________________
(١) ضعيف - أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١/ ١١٣) (٣١١) بسند فيه الصلت بن دينار قال عنه الذهبي: "قال أحمد: تركوا حديثه"، وقال عنه ابن حجر: "متروك ناصبي". وأخرجه مطولا أبو يعلى في "معجمه" مطولا من حديث أنس، وفيه أبو بهز الصقر بن عبدالرحمن، قال عنه أبو بكر بن أبي شيبة: "كان يضع الحديث"، وقال عنه أبو علي جزرة: "كذاب"، وقال ابن المديني عن الحديث أنه كذب موضوع. وأخرجه الدينوري في "المجالسة" (٢/ ١٦٢) (٢٨٥) من طريق سفيان بن عيينة عن عثمان بنحوه، وهو إسناد منقطع فأين ابن عيينة من عثمان بينهما مفاوز، وهذا أمثل أسانيده، وقد حقق الشيخ مشهور في حاشيته على المجالسة أن لفظت: "تغنيت" مصحفة، وأن الأنسب: "تعتيت" وهي من العُتو من العصيان والتجبر.
(٢) المقصود أنه صاح وأعلن بتركه.
(٣) ضعيف بهذا التمام، صحيح بدون ذكر آخره - أخرجه أبو بكر بن الخلال في "السنة" (٥/ ٧٦) (١٦٥٨)، وابن بطة في "الإبانة" (٢/ ٧٠٣) (٩٤٦)، وغيرهما من طريق وكيع عن سلام بن مسكين عن شيخ عن أبي وائل عن ابن مسعود به، وفيه جهالة شيخ سلام .. وقد روى من طرق أخرى عند ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" وغيره عن ابن مسعود مختصرا بدون ذكر آخره، وصححه ابن القيم، والشيخ الألباني، وغيرهما.
[ ١٦٢ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب" (^١)، وعن جابر بن عبد الله، ﵁، مثله، وفي رواية جابر "كما ينبت الماء الزرع" (^٢). وفي رواية "كما ينبت الماء العشب" (^٣)،
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا - أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ٤٥٧)، وأبو نعيم في "صفة النفاق" (ص/١٢١) (٩١) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله العمري، أخبرنيه أبي، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة به، وعبدالرحمن قال عنه في "التقريب": "متروك"، وقال عن شيخه عبدالله العمري: "ضعيف".
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه البيهقي في "الشعب" (٧/ ١٠٨) (٤٧٤٦) بإسناد فيه عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد، قال أبو حاتم، وَغيره: أحاديثه منكرة. وقال ابن الجنيد: لا يساوي شيئا، وفيه تدليس أبي الزبير.
(٣) لم أقف عليه من حديث جابر، وإنما هو من حديث أنس، وقال عنه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٦٥١٥): " أخرج الديلمي في "مسند الفردوس" (٣/ ١٧٥ - الغرائب الملتقطة) من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود: حدثنا هشام بن عمار: حدثنا مسلمة بن علي: حدثنا عمر مولى غُفرة عن أنس مرفوعًا (الغناء واللهو ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده، إن القرآن والذكر لينبتان الإيمان في القلب، كما ينبت الماء العشب). قلت: وهذا موضوع، آفته ابن الجارود هذا، قال الخطيب: "كان كذابًا". ومسلمة بن علي، متهم، وساق له ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٣١٣ - ٣١٨) عدة أحاديث. وقال عقبها: "وله غير ما ذكر، وكل أحاديثه - ما ذكرته وما لم أذكره - كلها أو عامتها غير محفوظة".وعمر مولى غفرة - وهو: ابن عبد الله -، ضعيف ). ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" كما في الغرائب الملتقطة [ق/٨٤] من طريق أحمد بن حاتم الطويل، عن عبد الرحمن بن عبد الله العمري، عن أبيه، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " حب الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء العشب " وهذا إسناد ضعيف جدا كما سبق الكلام عليه آنفا.
[ ١٦٣ ]
وعن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "إذا ركب الرجل دابّته ولم يسمّ الله ﷿ ردفه الشيطان، فقال له: تغنّ وإن كان لا يحسن" (^١). وروي أن ابن عمر ﵁ مرّ على قوم محرمين ومعهم رجل يتغنّى، فقال ابن عمر: "ألا لا سمع الله لكم ألا لا سمع الله لكم (^٢) " (^٣)، وأنّه مرّ بصبيّة صغيرة وهي تغنّى، فقال: "لو ترك الشيطان أحدًا لترك هذه" (^٤). هذا حديث رواه أبي الدنيا في كتاب ذمّ الملاهي، ورواه غيره من الحفاظ، ألا فهذا ابن عمر ﵁ جعل قول الصبيّة من فعل الشيطان، فكيف به لو وقف على شيوخ سمانٍ لا عقولًا ولا أذهان من رؤساء الجهّال وأئمة الضلال دأبهم الرقص واستماع الأغاني وصحبة أحداث المرد والنسوان، وذلك بعد ما ملئوا بطونهم من ألوان الطعام وجعلوا ذلك قربة إلى الرحمن وما هم إلاّ في طاعة [ق ٦٧ / ب] الشيطان.
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث ابن مسعود، وإنما أخرجه الطبراني في "الدعاء" (ص/٢٥١) (٧٨٨)، ومن طريقه الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "الغرائب الملتقطة" (ق/٥٨) من طريق حيى بن عثمان بن صالح، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يحيى بن صالح، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ مطولا به، وفيه يحيى بن صالح، وهو الأيلي، قال العقيلي: روى عنه يحيى بن بُكَيْر مناكير.
(٢) بالأصل في الموضعين: "يسمع"، وما أثبتناه أولى، وهو الوارد في مصادر التخريج.
(٣) صحيح - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٨) (٤٢)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (٥/ ١٠٩) عن عبيدالله بن عمر، وأبو خيثمة، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، أن ابن عمر بنحوه، وإسناده صحيح.
(٤) صحيح - أخرجه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٨) (٤٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (ص/٢٧٤) (٧٨٤)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ١٠٩) (٤٧٤٨) من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار - وسقط خطأ في نسخة بن أبي الدنيا فقد أخرجها البيهقي عنه وذكره - قال: خرجت مع عبدالله بن عمر إلى السوق، فمر، فذكره، وإسناده صحيح رواته ثقات.
[ ١٦٤ ]
وروي عن مسروق الأجدع ﵁ أنه تمثّل ببيت من الشعر فقطعه، فقيل: لو أتممت البيت! فقال: "أكره أن أجد في صحيفتي بيتًا من الشعر" (^١). وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة ﵃ عن الغناء فقال لسائله: أنهاك عنه وأكره. وقال أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن [أخي] إذا ميز الله ﷿ الحق من الباطل من أيّهما يجعل الغناء (^٢). وفي لفظ ففيم يجعل؟ قال: مع الباطل. قال: فأفتِ نفسك. وفي لفظ أن رجلًا قال له: ما تقول في الغناء أحرام هو؟ فسكت، فأعاد عليه ثلاثًا، فقال له في الرابعة: أخبرني إذا كان يوم القيامة، فأتى الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. قال له القاسم ﵁: فأفت نفسك. وأقول شعرا:
إذا وضع الحق في كفة وفي أختها وضع الباطل
وجوزي العباد بأعمالهم وكلهم دمعه هاطل
فأيتهما كفة الراقصين أجيبوا فقد جاءكم سائل
وردّوا الجواب ولا تعجزوا وعالمكم عنه لا غافل
فشرط الفقيه يردّ الجواب صوابًا ولا دونه حائل
يردّ جوابًا وافيًا بما يراه الصحيح به فاصل
ولا يتوانى يردّ الجواب [ق ٦٨ /أ] ويهدي به السائل الجهال (^٣)
_________________
(١) صحيح - أخرجه النسائي في "الكبرى" (١٠/ ٤٠٨) (١١٨٦٧) وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٤٢) من طريق عبد الله، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، بنحوه، ورواته ثقات.
(٢) أخرج ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٤) (٤٤) من طريق عبيدالله بن عمر، وأبو خيثمة قالا: ثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، قال: سأل إنسان القاسم بن محمد عن الغناء، فذكره، ويحيى بن سليم قال عنه النسائي: " منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر"، إلا أنه يقوي أن هذا الأثر محفوظ ما علقه ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ١٩٩) قال: وروى ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير بن زيد أنه سمع عبيد الله بن عبد الله بن عمر يقول للقاسم بن محمد كيف ترى في الغناء؟ فقال القاسم: هو باطل، قال قد عرفت أنه باطل فكيف ترى فيه؟ قال القاسم: أرأيت الباطل أين هو؟ قال: في النار، قال: فهو ذاك" ورواته ثقات غير كثير قال عنه في "التقريب": "صدوق يخطئ".
(٣) هكذا بالأصل ولعل الصواب (الجاهل) أو لعلها (الجهال السائل). [الأظهر الأول؛ للوزن، والله أعلم، لكن اللام في "الجاهل" مفتوحة، لتبعيتها للمفعول، إلا أن تكون الجملة هكذا: "ويهتد به السائلُ الجاهلُ"، وهو الأقرب عندي، والله أعلم].
[ ١٦٥ ]
وقد ذكرنا فيما تقدم أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: بلغني عن الثقات أن حضور المعازف واستماع الأغاني ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب (^١). عن الأوزاعي ﵁ قال: "كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ في كتاب إلى عمر بن الوليد فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثرت خصماؤه وإظهارك المعازف والقينات بدعة في الإسلام" (^٢). وأخبرنا أبو الحسن علي بن المُقَيَّر البغدادي ﵀ فيما كتب لنا بدمشق عن أبي الفضل بن ناصر أنا ثابت بن بندار أنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي قال: حدثني محمد بن منصور بن مرشد النحوي أنا الزبير بن بكّار حدثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبدالملك ﵏ في ادية له، فسمر (^٣) ليلة على سطح من الأرض، ثم تفرق جلساؤه فدعي بوضوء، فجاءت به جارية، فبينما هي تصبّ عليه إذا استمدها بيده وأشار إليها (^٤)،
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه النسائي في "سننه" (٧/ ١٢٩) (٤١٣٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٧٠) من طريق أبي إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن عمر بن عبد العزيز به، وهذا إسناد منقطع فالأوزاعي لم يدرك عمر بن عبدالعزيز.
(٣) وفي الحاشية: "حكى وقص".
(٤) أي طلب منها صب الماء مرتين أو ثلاثا كما جاء مصرحا به في رواية أبو الفرج الأصبهاني ..
[ ١٦٦ ]
فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر فأمرها فتنحت [ق ٦٨ / ب] واستمع هو الصوت، فإذا هو صوت رجل يغنّي، فأنصت حتى فهم ما يغنّي من الشعر، ثم دعا بجارية من جواريه غيرها، فتوضأ، فلما أصبح أذن للناس [إذنا] عامًا، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء، ومن كان يسمعه وليّن فيه حتى ظنّ القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا [في التليين والتحليل والتسهيل فقال هل بقي أحد يسمع منه فقام رجل من القوم فقال يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان قال وأين منزلك من العسكر فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان فقال له ما اسمك قال سمير فسأله عن الغناء كيف هو فيه فقال حاذق محكم قال ومتى عهدك به قال في ليلتي هذه الماضية قال وفي أي نواحي العسكر كنت فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت قال فما غنيت فذكر الشعر الذي سمعه سليمان فأقبل سليمان فقال هدر الجمل فضبعت الناقة وهب التيس فشكرت الشاة وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة ثم أمر به فخصي وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون قالوا بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين] (^١). لا يفعلون ذلك إلا وهم كافرون لما يعتقدون (^٢) أنهم يتقرّبون إلى الله ﷿ بأعمال يفسق بها غيرهم. وفي لفظ: سئل مالك بن أنس ﵁ عن الرجل يشتري الجارية يعلمها الغناء يريد بها التجارة، فقال: "لو أن لهؤلاء سلطانًا لكانوا أهلًا أن ينكل بهم". وفي لفظ قال: "ما أحوج هؤلاء إلى سلطان يقيم فيهم حدود الله تعالى هم أهل [أن] ينكل بهم (^٣) "، فقيل له: هل رأيت أحدًا يسمعه أو يجلس إليه.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وذكره أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" (٤/ ٢٧٠)، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/٢١٠).
(٢) بالأصل: " يزعمون يعتقدون" والعبارة قلقة، ويبدو أن بها سقط، ويحمل كفرهم هنا على الكفر الأصغر، وسبق توجيه مثل هذه الإطلاقات والعبارات قبل ذلك.
(٣) وبالأصل: " هم أهل ينكل من النكال بهم".
[ ١٦٧ ]
قال: "لا، بل رأيت الناس يمنعون أبناءهم وسفهاءهم عن الجلوس إلى المغنّي وعن استماعه"، وهذا حديث صحيح عن مالك ﵁؛ لأنه روي بأسانيد صحاح، وقال القاضي أبو الطيب الطبري ﵀: "أمّا مالك ﵀ فإنه نهى عن الغناء واستماعه"، وقال: "إذا اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها بالعيب"، وهو [ق ٦٩ /أ] مذهب سائر أهل العلم إلا إبراهيم بن سعد (^١) فإنه حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسًا. قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي (^٢) ﵀: إبراهيم بن سعد ليس هو من أهل الاجتهاد والفتوى في الدين، ثم لم يوضح الراوي صفة ما أجازه من الغناء، فلعلّه ينشد القصائد التي لا تطرب ولا تلحن على النغمات الموسيقية، ومثل ذلك فإنه مباح، وهذا الخلاف من هذين الرجلين (^٣)
_________________
(١) بالأصل: "سعيد"، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشى الزهرى، أبو إسحاق المدنى من العلماء بالحديث الثقات، من أهل المدينة المنورة. نقل الخطيب أن إبراهيم كان يجيز الغناء بالعود. روى له البخاري ومسلم، وولي القضاء ببغداد، وتوفي بها علم (١٨٥ هـ). بقي من آثاره نحو ٢٠ صفحة بعنوان (نسخة إبراهيم) ومنها نسخة بدار الكتب، في الحديث. وله ترجمة في سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٠٤) (٨١)، تهذيب الكمال (٢/ ٨٨) (١٧٤)، الأعلام (١/ ٤٠).
(٢) هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب الفهري، المالكي، المعروف بالطرطوشي، ويعرف بابن أبي رندقة (أبو بكر) فقيه، أصولي، محدث، مفسر. ولد سنة ٤٥١ هـ تقريبا، ونشأ في طرطوشة بالأندلس، ورحل إلى المشرق فدخل بغداد والبصرة، وسكن الشام، ونزل بيت المقدس، وأخذ عن جماعة، وتوفي بالاسكندرية في جمادى الاولى عام ٥٢٠ هـ. من تصانيفه: سراج الملوك، الدعاء، الحوادث والبدع، مختصر تفسير الثعالبي، وشرح رسالة ابن أبي زيد. وله ترجمة في: الديباج المذهب (٢/ ٢٤٤)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٦٢)، معجم المؤلفين (١٢/ ٩٦)، الأعلام (٧/ ١٣٣)، وغيرها.
(٣) وهما: إبراهيم بن سعد، فإن الساجى حكى عنه: أنه كان لا يرى به بأسًا، كما نقل المؤلف عنه، والثانى: عبيد الله بن الحسن العنبرى، قاضى البصرة. وانظر إغاثة اللهفان (١/ ٢٣٠) ..
[ ١٦٨ ]
المطعون على أحدهما والآخر معذور في استماع صوت الغناء فحسب، وأما استماع الأغاني المحرّمة الملحنة والدفوف والشبابات والطنبور والعود وسائر الملاهي فحرام ومستمعها فاسق إن اعتقد تحريمها، وإلا فهو كافر (^١)، وأما ما حكى بعض الملحدين عن الإمام مالك ﵀ ورضي الله عنه أنه سئل عن السماع، فقال أهل العلم ببلدنا لا يقعدون عنه ولا ينكرونه (^٢)، وذمّ من ينكره، وهذه حكاية منقطعة لا يصحّ إسنادها، يقول فيها الدرستي: بلغني عن مصعب، وأنها معارضة بما هو أصحّ منها، وهو أذكرناه آنفًا. وحكى ابن (^٣)
_________________
(١) أي إن استحلها، بعد إقامة الحجة عليه، وقال ابن مفلح في "الفروع" (١١/ ٣٤٩): "ذكر القاضي عياض الإجماع على كفر من استحله" - أي الغناء -.
(٢) ضعيف - أخرجه ابن القيسراني في "السماع" (ص/٤٦) من طريق ظفر بن داعي، قال: أخبرنا عبد الرحمن فيما كتب به إلي. قال: سمعت أبا سهل محمد بن سليمان الصعلوكي يقول: سمعت أبا محمد الدرستي يقول: بلغني عن مصعب الزبيري قال: حضرت مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع فقال فذكره بنحوه، وإسناده منقطع بين الدرستي، والزبيري.
(٣) بالأصل: "أبو" وهو خطأ، وهو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل المقدسي الحافظ، قال عنه ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٢/ ٢١٨): "ولد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وسافر في طلب الحديث إلى بلاد كثيرة، وسمع كثيرا، وكان له معرفة جيدة بهذه الصناعة، وصنف كتبا مفيدة، غير أنه صنف كتابا في إباحة السماع، وفي التصوف، وساق فيه أحاديث منكرة جدا، وأورد أحاديث صحيحة في غيره وقد أثنى على حفظه غير واحد من الأئمة، وقال ابن الجوزي: وسمعنا أبا الفضل بن ناصر يقول: محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف في جواز النظر إلى المرد، وكان يذهب مذهب الإباحية ثم قال السمعاني: لعله قد تاب من هذا كله."، وقد صنف: أحمد بن عيسى بن عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي ردا على كتاب السماع سماه "الرد على القيسراني في إباحته السماع"، وقد حقق كتاب "السماع" الشيخ ابن تميم الظاهري، وكتب مقدمة رد فيها على المؤلف في إباحة السماع وبيّن الخطأ في استدلالاته [وما ورد بالأصل (أبو طاهر) لعله اشتبه على المؤلف، حيث تكرر الخطأ عنده في موضع آخر، ولعله قد اشتبه بأبي طاهر، موسى بن محمد بن عطاء، وله ترجمة في الجرح والتعديل وغيره]
[ ١٦٩ ]
طاهر المقدسي وهو [ق ٦٩ / ب] رجل كذّاب ليس ثقة ولا مأمون عن الإمام مالك بن أنس ﵁ وغيره من فقهاء المدينة، قال: ومالك كان أقلهم في فقهه وقدره، وإنهم كان معهم دفوف وعيدان ومعازف يغنون ويلعبون ومع مالك دفّ مربّع وهو يغنّي:
سليمى أزمعت (^١) بينا وأين لقاؤها أينا
وقد قالت (^٢) لأتراب لها زهر (^٣) تلاقينا
تعالين فقد طاب لنا العيش تعالينا
_________________
(١) في تاريخ بغداد ومن نقل عنه كالذهبي في تاريخ الإسلام وابن عساكر في تاريخ دمشق والسخاوي في التحفة اللطيفة: أجمعت، وأما في كتاب ابن طاهر، فكما في الأصل
(٢) بالأصل: "قال"، ولعل الأصوب، ما أثبته.
(٣) بالأصل: " زهرة".
[ ١٧٠ ]
وما تكلم بعدها زور وباطل موضوع، وفي رواتها من لا يعتمد عليهم وعبيد الله بن سعيد بن كثير (^١) قال فيه أبو حاتم بن حيان: لا يشبه حديثه حديث الثقات وأبوه ليس من شرطه (^٢). قال السعدي: فيه كلام، وأما فساد متن هذه الحكاية فظاهر لا يخفى إلا على الجهّال، وقد نزّه الله تعالى فقهاء أهل المدينة عن ذلك، وقد أسلفنا ما يعارضه مما صحّ وثبت من قول مالك وابن المنذر وغيرهما، ولعلّ بعض الأغبياء الجهّال يتوهم أن السماع المذكور هاهنا هو ما تستعمله هذه الطائفة الضالة اليوم، كلا، بل هو سماع الغناء نقل عن بعض أهل المدينة أنه كان يسمع جاريته أو غيرها تغنّي، والذي نقل عنهم من أهل المدينة [ق ٧٠ /أ] (^٣) أكثر الأئمة في ذلك الزمان منهم خط قاضي القضاة الشامي (^٤) يقول: وأمَّا إمامنا الشافعي رجع عن الغناء واعتقد تحريمه وفي كتاب المسألة في الرد على من يقول بجواز الغناء والرقص والتغبير على مذهب الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله للقاضي الإمام أبو الطيب طاهر بن الطبري الشافعي المذهب ﵀ (^٥)
_________________
(١) والذي وقع في نسخة "السماع" لابن القيسراني: " عبد الله بن سعد بن كثير بن عون عن أبيه"، وتكلم المؤلف عن عُبَيدالله بن سعيد بن كثير بن عفير المصري، وعن أبيه.
(٢) والهاء تعود إلى حديث الثقات.
(٣) كذا بالأصل، والذي يظهر أن هاهنا سقطا جليا.
(٤) هو محمد بن المظفر بن بكر بن عبد الصمد البغدادي، الشامي، الحموي، القاضي الشافعي (أبو بكر)، فقيه، أصولي. ولد في حماة سنة أربعمائة، قال ابن السمعاني هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي وله اطلاع على أسرار الفقه وكان ورعا زاهدا متقنا جرت أحكامه على السداد، وتولى القضاء ببغداد. وتوفي في ١٠ شعبان عام ٤٨٨ هـ. من تصانيفه: البيان في أصول الفقه. وترجمته في طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢٠٢) (٣٤٩)، طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٢٦٨)، السير (١٩/ ٨٥) (٤٧)، معجم المؤلفين (١٢/ ٣٨)، وغيرها.
(٥) يشير إلى كتاب: " الرد على من يحب السماع" لطاهر بن عبدالله بن طاهر الطبري؛ دراسة وتحقيق مجدي فتحي السيد، وقد طبع بدار الصحابة بطنطا الطبعة الأولى عام ١٤١٠ هـ، ١٩٩٠ م في مائة صفحة ..
[ ١٧١ ]
قال: وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "كان إبليس أوّل من ناح وأوّل من غنى" (^١)، فأعلمنا رسول الله ﷺ أن إبليس قدوة أهل الرقص والسماع في الغناء وأستاذهم وشيخهم في ذلك وحسبك فجورًا في قوم يقتدون بإبليس في أفعالهم وأقوالهم ولا يقتدون بالصالحين من العلماء والعبّاد.
قال أبو القاسم الجنيد (^٢) رحمة الله عليه: "علمنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب والسنة، ولم يكتب الحديث لا يقتدي به"، ألا فهذا أبو القاسم الجنيد شيخ من المشايخ قد حذّر الناس أن يقتدي بكل شيخ لا يحفظ القرآن ولا يحفظ أحاديث النبي ﷺ ولا يتفقه، فما بال جهّال زماننا لا يقبلون من الله ﷿ ولا من رسوله ﵇، ولا [ق ٧٠ / ب] من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من أئمة المسلمين وعلمائهم، ولا من شيوخ الصالحين العبّاد، بل يتبعون أقوامًا جهلة لا يدينون الله بدين، ولا يعرفون تفسير القرآن ولا أحاديث النبي ﷺ، ويقتدون بهم، واتخذوا الشياطين من الإنس أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون.
_________________
(١) ضعيف - ذكره طاهر الطبري في "الرد على من يحب السماع" (ص/٣٩) (١٨) معلقا كما قال المؤلف، وفيه عنعنة أبو الزبير، وهو مدلس، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٤٤٤): (لا أصل له. وقد أورده الغزالي (٢/ ٢٥١) من حديث جابر مرفوعا، فقال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلا من حديث جابر، وذكره صاحب " الفردوس " من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في " مسنده ").
(٢) سبقت ترجمته.
[ ١٧٢ ]
وقرأت في كتاب تحريم الغناء والرقص واللهو والردّ على المشتغلين بذلك على مذهب الإمام الشافعي ومالك رحمة الله عليهما الإمام أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (^١) المذهب ﵀ قال: وروى عطاء بن يسار ﵀ أن كعب الأحبار ﵁ قال: وجدت في التوراة "إنا أنزلنا الحق ليذهب الباطل ويبطل اللعب والرقص والزمر والزمارات والشعر والمزامير والقيثارات (^٢) والخمر مرّة لشاربها" (^٣). قال: وروى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أنْ أمحق الْمَزَامِيرِ والقيثارات (^٤) وَالْمَعَازِفِ وَالْأَوْتار (^٥) وَأَقْسَمَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ: أَنْ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ، إِلَّا سَقَيْتُهُ مكانها [ق ٧١ /أ] مِنَ حَمِيمِ (^٦) جَهَنَّمَ مُعَذبًا أَوْ مَغْفُورًا لَهُ، ولا يدعها عبد من عبيدي مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهُ إياها في حظيرة القدس (^٧)، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَائِهُنَّ، وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا تِجَارَةٌ فِيهِنَّ، وإثمانهنَّ حَرَامٌ" للمغنيات (^٨) (^٩).
_________________
(١) طبع كتاب "تحريم الغناء والسماع" مع رسالة في تحريم الجبن الرومي في " دار الغرب الإسلامي" بيروت عام ١٩٩٧ م، بتحقيق عبدالمجيد تركي.
(٢) جمع قيثارة، وهي آلة طرب.
(٣) ذكره السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (ص: ١٤٨) بلفظ: "إنا أنزلنا الحق ليذهب بالباطل، ويبطل به اللعب والدف والمزامير. والخمر ويل لشاربها". [وانظر كتاب الطرطوشي تحريم الغناء والسماع (ص ١٩٠)]
(٤) كذا بالأصل، وفي نسخة أحمد، وغيره: "والكنارات، يعني البرابط والمعازف".
(٥) كذا بالأصل، وفي مصادر التخريج: "والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية".
(٦) وعرفها في الحاشية بقوله: "ماء حار".
(٧) وبالأصل: "حضرة القدسي"، والتصويب من مصادر التخريج. وفي الحاشية عرف الحضرة بأنها المقابلة.
(٨) بالأصل: "كالمغنيات" والتصويب من مصادر التخريج.
(٩) ضعيف - أخرجه أحمد في "مسنده" (٣٦/ ٥٥١) (٢٢٢١٨)، والحرث في "مسنده" (٢/ ٧٧٠ - بغية) (٧٧١)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٢١١) (٧٨٥٢)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (١/ ٥٩٦) (١٠٢٥)، وغيرهم من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مطولا ومختصرا بنحوه، وعلي بن يزيد هو الألهاني: ضعيف.
[ ١٧٣ ]
قال: وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: «يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: «بَلَى وَلَكِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ وَالْقَيْنَاتِ (^١) وَالدُّفُوفَ فَبَاتُوا عَلَى لَهْوِهِمْ وَشُرْبِهِمْ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» (^٢). وصحّ وثبت عن أبي مالك الأشجعي (^٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَتُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ، وَيَخْسِفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ». هذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه بنحوه (^٤). وروى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "من جلس إلى قينة يستمع منها صبّ في أذنيه الآنك" (^٥)
_________________
(١) وعرفها في الحاشية بقوله: "القينة جارية وعند البعض جارية مغنية، قينات، وقيان جمعها".
(٢) إسناده ضعيف: رواه ابن أبي الدنيا في «ذم الملاهي» (ص ٢٩ - ٣٠) (٨) من طريق حسان بن أبي سنان، عن رجل، عن أبي هريرة - ﵁ - به. وفيه جهالة الراوي عن أبي هريرة. ورواه أبونعيم في «الحلية» (٣/ ١١٩) من طريق حسان بن أبي سنان، عن أبي هريرة مرسلًا به، وقال: «كذا رواه حسان عن أبي هريرة مرسلًا، ورواه غيره عن الحسن، عن أبي هريرة متصلًا».أ. هـ. والحسن لم يسمع من أبي هريرة فالإسناد منقطع.
(٣) كذا بالأصل وصوابها: الأشعري، وأبو مالك الأشجعي في الصحابة، لا يعرف اسمه، وهو غير أبي مالك الأشعري، انظر معرفة الصحابة لأبي نعيم والإصابة، والحديث حديث الأشعري، والله أعلم.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧/ ١٠٦) (٥٥٩٠) بنحوه، وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢/ ١٣٣٣) (٢٠٤٠) بهذا اللفظ وزاد ذكر: المغنيات.
(٥) باطل - أخرجه الدارقطني في (غرائب مالك) من طريقين عن أبي نعيم عبيد بن هشام الحاجبي حدثنا ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك - مرفوعًا. قال الدارقطني: تفرّد به أبو نعيم عن ابن المبارك، ولا يثبت هذا عن مالك ولا عن بن المنكدر.، وقال عنه الإمام احمد: هذا باطل" ..
[ ١٧٤ ]
-يعني الرصاص المذاب- عقوبة لاستماع لما حرّمه الله تعالى، وقال مكحول رحمة الله عليه: "من مات وعنده مغنّية لا يصلي عليه" (^١) ألا فقل لمن أباح سماع الغناء واتبع نفسه هواها [ق ٧١ / ب] وأعطاها من هذا الأمر لذتها ومناها دعواك القبيحة على مالك وعلى الشافعي ﵄ أقبح [و] أفحش من فعلك واحتجاجك أفحش [و] أقبح من ذنبك؛ لأنك تريد أن تخرج الباطل في صورة الحقّ، وترى الناس معاصيك لله ﷿ ليست بمعصية، بل هي طاعة اتبعت فيها الأثر، فأنت في هذا أضرّ على أمّة محمد ﷺ من إبليس في بعض تحسينه؛ لأن إبليس إذا حسّن للعبد المعصية وحبّب إليه الفاحشة قال له: إنّ الله وعد بقبول التوبة والمغفرة والرضوان لمن تاب، فإذا قضيتم لذّتكم وبلغتم شهوتكم، وتبتم غفر الله لكم وأنت أيّها الجاهل المتعالم المتغافل المتظالم الغمر المتغاشم تقول لهم إنكم عاملون بعلم، ومتبعون مذهب الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله وغيرهما من العلماء المحققين والعبّاد الصادقين، وأنتم عاملون بالعلم وعابدون لله ﷿، وأنتم المتبعون العاملون. فنقول له: على زعمك (^٢) لا تحتاج مع فتياك هذه متاجرة لله ﷿ ولا معاملة هي أربح لك من استماع الغناء والطرب، فاعمل الآن مجلسًا تعلم فيه الناس الرقص واستماع الغناء والشبابات التي تزعم أنه مذهب مالك والشافعي رحمة [ق ٧٢ /أ] الله عليهما ترجوا بذلك الفوز غدًا كما أن أهل العلم يعلمون الناس مذهبهما في علم الكتاب والسنة ما أنت إلا كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ما أنت في أمة محمد ﷺ إلا كالطاغوت الذي يخرج الناس من النور إلى الظلمات. وسئل الإمام مالك رحمة الله عليه عن اللعب بالشطرنج فقال للسائل (^٣):
_________________
(١) لم أقف عليه مسندا من قول مكحول، وقال ابن زغدان في "فرح الأسماع برخص السماع" (ص: ١٠٢): (ورووا من طريق ابن شعبان قال: روى هاشم بن ناصح عن عمر بن موسى عن مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه: وهو حديث مردود؛ لأن هشاما وعمر مجهولان، ومكحول لم يلق عائشة).
(٢) بالأصل: " لا على زعمك على زعمك".
(٣) بالأصل: "السائلة" ..
[ ١٧٥ ]
أحق هو؟ قال: لا فقال الإمام: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (^١) وكذلك نقول لهذه الطائفة الخبيثة. وقال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: من تكلم بكلام الدين، أو في شيء من هذه الأحوال ليس له فيه إمام متقدّم من النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم فقد أحدث في الإسلام، حدثنا وقد قال رسول الله ﷺ: "من أحدث حدثًا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا (^٢) ولا عدلًا (^٣) " (^٤).
_________________
(١) ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/ ١٠٨) فقال: قال مخلد بن خداش: سألت مالكا عن الشطرنج فذكره.
(٢) وفسرها في الحاشية فقال: "أي فرضا".
(٣) وفي الحاشية: "أي نفلا".
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢/ ٩٩٤) (١٣٦٦) من حديث أنس ﵁.
[ ١٧٦ ]
وأما الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ فنصّ على تحريمه في روايات كثيرة. وقد سئل عن القصائد واستماعها، فقال: "هي بدعة ولا يجالسون". وقال عبد الرحمن المتطبب: سألت أحمد بن حنبل وقلت له: ما تقول في القصائد؟ قال: "بدعة ولا يجالَسون"، وقال: "الغناء ينبت النفاق في القلب". وروى ابن (^١) طاهر [ق ٧٢ / ب] سامحه الله (^٢) حكايتين (^٣) عن الإمام أحمد من استماعه إلى ابن الخبازة (^٤) لما كان ينشد القصائد وما تلاه، فالجواب بأن الأولى منها وهي رواية صالح التي نقلها عن أحمد بن علي: محمد بن الحسين الصوفي عن الحسين بن أحمد عن أبي العبّاس الفرغاني عن صالح طريق مظلم ومحمد بن الحسين، فقد نقل كذبه وأنّه كان يضع للصوفيّة الأحاديث، وأما الثانية فالقواس (^٥) يقول: أظنّه عن عبد الله بن أحمد والظنّ ليس بكاف في الرواية دون القطع ولم ينقل عن عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما أنّ أباه كان يستمع الغناء ولا يقاربه وقد كان ملازمًا لأبيه مقتديًا به في كثير من أخلاقه، والصحيح عن صالح ما روى أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال رحمة الله عليه الذي جمع علم أحمد وأخباره وتتبّعها التتبع الشديد، فإنه ذكر في كتاب الجامع قال: أخبرنا زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: "كان عندي من يقرأ ويقول قصائد، فقيل لي: إن الشيخ قائمًا يستمع فخرجت فإذا أبي قائمًا يستمع فقال لي: من عندك؟ قلتُ: فلان وفلان [وظل] قائمًا يستمع حتى مضى"، فهذا الطريق بين لكم رحمكم الله أن تلك التي ذكرها عن صالح ليس بصحيحة فإنّها [ق ٧٣ /أ] قضية واحدة وليس في ذلك أكثر من أن الإمام أحمد استمع شعرًا غير مقترن بما يذمّ من الملاهي ونحوها، ولم يستحضره ولا جلس إليه، بل كان واقفًا، والظاهر أنه استمع هل ينظر شيء يريبه فيمنع منه، فلمّا لم يسمع إلا قرآنًا، ثم شعرًا في زهد سكت عنه، وهذا أليق بحاله في علمه وورعه، فأمّا ما زاده المتصوفة فيما نقلوه من التبختر وقولهم كأنّه يرقص فكذب منهم ومحال، يطلبون المعنى تصحيحًا لمذهبهم في الرقص (^٦)، قد أعاذه الله ﷿ من ذلك.
_________________
(١) بالأصل: "أبو".
(٢) وفي الحاشية: "أي قبحه".
(٣) وهما في "السماع" له (ص/٤٦ - ٤٧).
(٤) وهوأبو بكر، محمد بن عبد الله بن يحيى
(٥) أي: يوسف بن عمر القواس.
(٦) أي أنه من تغيير الرواة وروايته بالمعنى تصحيحا لمذهبهم في الرقص. وانظر تلبيس إبليس (ص/٢١٧).
[ ١٧٧ ]
قال الإمام أبو الفرج عبدالله بن علي ﵁ (^١): أما مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه فإنه كان الغناء في زمانه قصائد الزهد لأنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه، فروي عن ابنه عبد الله ﵀ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في [القلب] ولا يعجبني". وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد. فقال: "أكرهها هو بدعة ولا يجالَسون". وروى عنه يعقوب الهاشمي أنه قال: "التغبير (^٢) بدعة محدث". وقال الحافظ أبو بكر الأثرم: سمعت الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول التغبير محدث. وروى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: أكره التغبير، وأنه (^٣) نهي استماعه، فهذه الروايات كلها دليل على تحريم الغناء، وقال أبو بكر الخلال [ق ٧٣ / ب] ﵀ إنما كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ويتصافقون (^٤)، ثم روي عنه أنه يدل على أنّه لا بأس بها. قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القصائد فقال: بدعة. فقلت له: يهجرون، فقال: لا يبلغ بهذا كلّه، وقد روينا أن الإمام أحمد ﵀ سمع قوالًا عند ابنه صالح فلم ينكر عليه، وإنما أشار إلى ما كان في زمانهم من القصائد الزهديات ينشدونها بغير تلحين، وعلى هذا يحمل ما لا يكرهه أحمد، ويدل على ما قلت (^٥)
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص/٢٠٣).
(٢) قال ابن القيم في "إغاثة اللهفان": " وهو شعر يزهد فى الدنيا، يغنى به مغنّ فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخذة على توقيع غنائه" وقال السفاريني في "غذاء الألباب: " قال الصغاني في كتاب مجمع البحرين: المغبرة قوم يغبرون ويذكرون الله ﷿ بدعاء وتضرع كما قال: عبادك المغبرة رش علينا المغفرة. وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر تغبيرا لأنهم إذا تناشدوه بالألحان طربوا فرقصوا وأهزجوا فسموا المغبرة لهذا المعنى. وقال ابن دريد: التغبير تهليل أو ترديد صوت يردد بقراءة أو غيرها. قال الإمام الشافعي - ﵁ -: أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا الناس عن ذكر الله تعالى وقراءة القرآن. وقال الزجاج: مغبرين لتزهيدهم الناس في الفانية وهي الدنيا وترغيبهم إياهم في الآخرة وهي الغابرة الباقية. انتهى" ..
(٣) بالأصل: "فإنه" والتصويب من تلبيس إبليس.
(٤) بالأصل: "ويتصاقعون".
(٥) بالأصل: "قبله"، والتصويب من تلبيس إبليس ..
[ ١٧٨ ]
أن أحمد ﵀ سئل عن رجل مات وخلف ولدًا وجاريةً مغنّية، فاحتاج الصبيّ إلى بيعها، فقال: تباع على أنّها ساذجة لا على أنّها مغنّية، فقيل له: أنها تساوي ثلاثين ألفًا ولعلّها أن بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارًا. قال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. فقال ابن عقيل: وهذا فقه حسن من أحمد ﵀؛ لأن الغناء في الجارية كالتالف في آلة اللهو، وذلك لا يقوّم له في الغصب جارية مغنّية، فنسيت الغناء لم يغرم (^١) قال: وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورًا ما أجاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة ﵁ للنبي ﵇: عندي [ق ٧٤ /أ] خمر لأيتام فقال: "ارقها" (^٢). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع مال اليتيم. وروى المروزي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: كسب المخنّث خبيث، وكسبه بالغناء. فبان من هذه الجملة أن الرّوايتين عن أحمد بالكراهية وعدمها يتعلّق بالزهديات الملحنة، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس فيه من الزيادات، وقد كان الإمام أحمد ﵀ كثير الإتباع شديد الكراهية للمحدثات واللّهو والبطالات، والروايات المشهورة عنه على ذمّ الغناء والتغبير وكسر الملاهي والطنابير. وروي عن الإمام أحمد ﵁ قال: ما كتبت حديثًا عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به حتّى مرّ بي في الحديث "أن النبي ﷺ احتجم (^٣)
_________________
(١) انظر الأمر بالمعروف للخلال، وطبقات أبي يعلى، والتلبيس ومناقب أحمد لابن الجوزي، والمغني لابن قدامة، والمبدع لابن مفلح وغير ذلك، وكلام ابن عقيل نقله ابن الجوزي في مناقب أحمد (ص ٩٢، ٩٣) ط. التركي
(٢) حسن - روى أحمد في "مسنده" (٢١/ ٢٧٦) (١٣٧٣٣) والدرامي في "سننه" (٢/ ١٣٤٤) (٢١٦١)، وغيرهما من طريق إسرائيل، عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس بن مالك، قال: "كان في حجر أبي طلحة يتامى، فابتاع لهم خمرا، فلما حرمت الخمر، أتى رسول الله ﷺ فقال: أصنعه خلا؟ قال: " لا "، قال: فأهراقه" وإسناده حسن، وللحديث طرق أخرى وشواهد.
(٣) أخرج البخاري في "صحيحه" (٧/ ١٢٦) (٥٦٩٦)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٢٠٤) (١٥٧٧) من طريق حميد الطويل، عن أنس ﵁: أنه سئل عن أجر الحجام، فقال: "احتجم رسول الله ﷺ، حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه" الحديث ..
[ ١٧٩ ]
وأعطى أبا طيبة دينارًا (^١)، فأعطيتُ للحجام دينارًا حين احتجمتُ" (^٢)، وقال ﵀: "كتبت بخطي ألف ألف حديث سوى ما كتب لي". وروى ابنه عبد الله رحمهما الله قال: "نظرت بالحزر (^٣)
_________________
(١) مرسل - أخرج ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (ص/١٢١) (٤٠٢) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث (صدوق)، والطبراني في "الكبير" (١١/ ٣٣٧) (١١٩٣٤) من طريق زيد بن الحباب (صدوق يخطئ) كلاهما عن عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ: «احتجم وأعطى الحجام دينارا»، وخالفهما: وكيع (ثقة حافظ) عند ابن أبي شيبة في "المصنف" (٤/ ٣٥٥) (٢٠٩٩٠)، وأبو عاصم النبيل (ثقة ثبت) عند الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (١/ ٣٤٨)، كلاهما عن عمر بن فروخ مرسلا به، بدون ذكر ابن عباس، وروايتهما أرجح.
(٢) أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١/ ١٤٤)، ولكنه قال في أوله: "حدثت عن عبد العزيز بن جعفر الختلي، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال، نا المروذي، قال: قال لي أحمد: فذكره"، وأصل الأثر رواه السمعاني في "أدب الإملاء" (١/ ١٠٩) فقال: (حدثنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي إملاء بأصبهان أنا عبد الرزاق بن عبد الكريم الحسناباذي أنا أبو بكر بن مردويه أنا عثمان بن محمد العثماني سمعت محمد بن أحمد بن خالد سمعت أبا حامد البلخي يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ولو مرة لأن لا يكون علي حجة حتى الركعتان بين الأذان والإقامة في المغرب).
(٣) الحَزْرُ: التقدير والخَرْصُ، وانظر الصحاح مادة (ح ز ر) ..
[ ١٨٠ ]
مني فإذا قد كتب أبي مقدار ألف ألف حديث وترك لقوم لم يحدث عنهم فترك حديثهم مقدار مائة ألف وخمسين ألفًا أخرى"، ألا والذي أقول لأهل البصائر والعقول أنّ هذه الطائفة الضالة ضلّت عن طريق الصواب وخالفت السنة والكتاب على ما قاله [ق ٧٤ / ب] أبو الليث السمرقندي الحنفي المذهب في كتابه في الردّ على هذه الطائفة وعلى ما قاله أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء (^١) وأبو المحاسن الحراني (^٢) الحنبليان المذهب في كتابيها في الردّ على هذه الطائفة، وبه قال خلق كثير غيرهم (^٣)
_________________
(١) هو الإمام العلامة شيخ الحنابلة القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفراء صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب ولد في أول سنة ثمانين وثلاث مئة أفتى ودرس وتخرج به الأصحاب وانتهت إليه الإمامة في الفقه وكان عالم العراق في زمانه مع معرفة بعلوم القرآن وتفسيره والنظر والأصول ألف كتاب أحكام القرآن ومسائل الإيمان والمعتمد ومختصره والمقتبس وعيون المسائل والرد على الكرامية والرد على السالمية والمجسمة والرد على الجهمية والكلام في الاستواء والعدة في أصول الفقه ومختصرها وفضائل أحمد وكتاب الطب وغيرها توفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة ترجمته في سير الأعلام (١٨/ ٨٩)، وطبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، وغيرهما.
(٢) هو أبو المحاسن هبة الله بن نصر بن الحسين بن حامد الحراني الحنبلي، فاضل، تفقه ببغداد، وقرأ على ابن الزاغوني، وأبي الخطاب وغيرهما، وسمع من طلحة العاقولي. وله " كفاية المنتهى ونهاية المبتدي "، "المعيار في الرد على المتمسّكين بغير الأخبار "في ذم الغناء ودحض ما عليه جهلة الصوفية من الرقص ومصاحبة المردان طبع بالدار الأثرية – عمان بتعليق: د. جمال عزون. وله ترجمة في ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٧)، معجم المؤلفين (١٣/ ١٤٥).
(٣) قال عبد القادر الجنيد: " وأما الإجماع وعدم الخلاف بين أهل العلم في حرمة سماع الآلات الموسيقية، فقد نقله جمع كثير من أهل العلم من مختلف العصور والمذاهب، ومنهم هؤلاء:
(٤) الإمام محمد بن الحسين الآجري شيخ الحرم الشريف في زمانه ﵀ المولود سنة (٢٨٠ هـ وقيل: ٢٦٤) كما في "نزهة الأسماع في مسألة السماع" (ص ٢٥) لابن رجب الحنبلي.
(٥) شيخ الشافعية القاضي أبو الطيب الطبري ﵀ المولود سنة (٣٤٨ هـ) كما في "نزهة الأسماع في مسألة السماع" (ص ٦٢ - ٦٤) لابن رجب.
(٦) الشيخ أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي الشافعي المقرئ المحدث ﵀ المولود سنة (٣٦٠ هـ ونيف) كما في "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" (ص ١٢٤) و"الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٣٤٧) لابن حجر الهيتمي.
(٧) الإمام الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀ المولود سنة (٤٣٦ هـ) كما في كتابه"شرح السنة" (١٢/ ٣٨٣).
(٨) الشيخ جمال الإسلام ابن البزري الشافعي عالم أهل الجزيرة ﵀ المولود سنة (٤٧١ هـ) كما في "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" (ص ١١٤) و"الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٣٤٢) لابن حجر الهيتمي.
(٩) الشيخ القاضي ابن أبي عصرون عبد الله بن محمد التميمي عالم أهل الشام ﵀ المولود سنة (٤٩٢ هـ) كما في "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" (ص ١١٥) لابن حجر الهيتمي.
(١٠) الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الأندلسي المالكي ﵀ المولود سنة (٥٢٠ هـ) في كتابه " تحريم الغناء والسماع" (ص ٢٢٣ فقرة: ٨٧).
(١١) الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي ﵀ المولود سنة (٥٤١ هـ) كما في كتابه "المغني" (١٢/ ٤٥٧) وكتاب "النهي عن الرقص والسماع" (٢/ ٥٥٨) لابن بدران الدشتي الحنفي.
(١٢) الحافظ أبو عمرو بن الصلاح الشافعي ﵀ المولود سنة (٥٥٧ هـ) كما في كتاب "فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه" (٢/ ٥٠٠ مسألة رقم: ٤٨٧).
(١٣) الفقيه المحدث أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي المالكي المولود سنة (٥٧٨ هـ) كما في كتابه "كشف القناع عن حكم الوجد والسماع" (ص ٧٢) وكتابه "المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم" (٣/ ٤٠٣) وكتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٣٣٧ و٣٤٨) لابن حجر الهيتمي، و"الرهص والوقص لمستحل الرقص" لإبراهيم الحلبي الحنفي" (ص ٧٢).
(١٤) الشيخ محمود بن أبي القاسم إسفدنار بن بدران الدشتي الكردي الحنفي ﵀ المولد سنة (٦٠٤ أو ٦٠٥ أو قريب منهما) في كتابه "النهي عن الرقص والسماع" (٢/ ٥١١ و٥٤٦ و٥٥٠ و٦٧٦ و٧٢٩ و٧٤٤ و٣٦٧).
(١٥) الإمام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ المولود سنة (٦٣١ هـ) كما في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ١١٨ و١١/ ٥٧٦ - ٥٧٧ و٥٩٧ و٦٠٣).
(١٦) الشيخ شهاب الدين الأذرعي الشافعي ﵀ المولود سنة (٧٠٨ هـ) كما في كتاب "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" (ص ١٢٠) لابن حجر الهيتمي.
(١٧) الشيخ الفقيه أبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي ﵀ المتوفى سنة (٧٧٢) في شرحه على "مختصر الخرقي" (٦/ ٣٥١).
(١٨) الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب المشهور بابن رجب الحنبلي ﵀ المولود سنة (٧٣٦ هـ) كما في كتابه "فتح الباري" (٦/ ٨٣ عند حديث رقم: ٩٥٢) وكتابه "نزهة السماع في مسألة السماع" (٦٠ و٢٥).
(١٩) الشيخ محمد البزازي الكردي الحنفي ﵀ المولود سنة (٨٢٧ هـ) كما في"البحر الرائق شرح كنز الدقائق" (٧/ ٨٩) لابن نجيم، و"الرهص والوقص لمستحل الرقص" لإبراهيم الحلبي الحنفي" (ص ٧٢ و٨٥).
(٢٠) الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر المكي الهيتمي الشافعي ﵀ المولود سنة (٩٠٩ هـ) كما في كتابه "كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع" (ص ١٢٤) وكتابه "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (٢/ ٣٤٧ و٣٤٨).
(٢١) الشيخ إبراهيم بن محمد الحنفي المشهور بالحلبي ﵀ في كتابه "الرهص والوقص لمستحل الرقص" (ص ٧٥ و٩٢ و٨٥ - ٨٦).
(٢٢) الشيخ أبو الليث السمرقندي ﵀ كما في كتاب "النهي عن الرقص والسماع" لابن بدران الدشتي الحنفي" (٢/ ٥٤٨) والمولود سنة (٦٠٤ أو ٦٠٥ أو قريب منها).
(٢٣) الشيخ أبو المحاسن الحراني الحنبلي ﵀ كما في كتاب"النهي عن الرقص والسماع" لابن بدران الدشتي الحنفي" (٢/ ٥٤٩) والمولود سنة (٦٠٤ أو ٦٠٥ أو قريب منها).
(٢٤) العلامة عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي ﵀ المولود سنة (١٣١٢ هـ) في كتابه "حاشية الروض المربع" (٧/ ٣٥٧).
(٢٥) العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ المولود سنة (١٣٣٠ هـ) كما في "مجموع فتاويه" (٣/ ٣٩٣).
(٢٦) العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀ المولود سنة (١٩١٤ م) في كتابه "تحريم آلات الطرب" (ص ١٠٥) وكتابه"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٥/ ٣٣٠).
[ ١٨١ ]
أنّ هذه الطائفة خالفت الإجماع على ما زعمت في زمانهم، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي المذهب في كتابه (^١) قال: "إن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع علماء المسلمين؛ لأنه ليس فيهم من جعله دينًا وطاعةً ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والأماكن والمشاهد الكريمة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالف لما اجتمعت العلماء عليه". وهذا قول العلماء الشافعية وأهل التدين منهم، ولا يرخّص في ذلك إلاّ من قلّ علمه. وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي المذهب ﵀ قال: "وهذه الطائفة خالفت جماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعةً، ورأوا إعلانه في الجوامع والمساجد وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وليس في الأمّة من رأى هذا الرأي وقد كان أولى الناس بالاحتياط لدينه هذه الطائفة؛ لأنهم يتلبّسون [ق ٧٥ /أ] بالدين ويدعون الورع والزهد حتى يوافق باطنهم ظاهرهم". وذكر الإمام أبو الليث السمرقندي تحريم الغناء والرقص قال: "والدليل على تحريم الغناء والرقص وغيرهما من اللهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة (^٢)، وذكر أبو المحاسن الحراني الحنبلي المذهب ﵀ في كتابه قال: "والدليل على تحريم السماع والغناء واللّعب بالقضيب من ثلاثة أوجه: الكتاب، والسنة، وأقاويل العلماء. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة"، ثم قال: فهذه آيات القرآن وأخبار رسول الله ﷺ وآثار الصّحابة والتابعين وأقوال الأئمة الأربعة أئمة الدين في الإسلام، فقد صار تحريمه إجماعًا منعقدًا، فمن خالفه خرج عن الإجماع وفارق الجماعة ومات ميتة جاهلية واتّبع غير سبيل المؤمنين فـ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ".
_________________
(١) انظر "الرد على من يحب السماع" (ص/٣٢).
(٢) أي من الكتاب والسنة والإجماع.
[ ١٨٢ ]
وذكر القاضي أبو الحسين بن الفراء الحنبلي في كتابه في ذمّ أهل الرقص والردّ على هذه الطائفة الضالّة المخالفة قال: "وقد أكذبهم الكتاب والسنّة وأقاويل الصّحابة والتابعين وصالحون هذه الأمة". ألا فاعتبروا وتدبّروا ما قال هؤلاء الأعلام من الإسلام وعلمائهم [ق ٧٥ / ب] وعبّادهم أن أهل الرقص والسماع خالفوا الإجماع، على ما كانوا يفعلونه في زمانهم، فكيف بهم لو أدركوا أهل زماننا، وشاهدوا ما يفعلونه، وتحقّقوا ما يعتقدونه، ويقولونه. ولي بالكتاب والسنّة وبهؤلاء الأئمة أسوة حسنة وأقول كما قالوا، فمن لم يرض بما أقوله من ذلك فلا ﵁ وأصلاه جهنّم وساءت مصيرًا. عن الإمام مالك بن أنس ﵁ عن محمد بن المنكدر ﵀ قال: يقول الله تعالى للملائكة صلوات الله وسلامه عليهم يوم القيامة: "أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ؟ أَدْخِلُوهُمْ رِيَاضِ الْمِسْكِ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّة. قَالَ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي، وَثَنَائِي عَلَيَّ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". وفي لفظ قال: "إذا كان يوم نادي منادٍ "أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ؟ ". وقد روي عن اللّهو والمزامير والغناء: أسكنوهم رياض المسك. وفي لفظ: رياض الجنّة، ثم يقول للملائكة: "أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَائِي، وَأَعْلِمُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [ق ٧٦ /أ] هذا حديث رواه الإمام مالك في موطئه (^١)، وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال هل في الجنة سماع، فإني أحب السماع، فقال ﵇: "نعم، والذي نفسي بيده إن الله ﷿ ليوحي إلى شجر (^٢)
_________________
(١) لم أقف عليه في "الموطأ"، وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" «٢/ ١٢)، وابن الجعد في "مسنده" (١/ ٢٥٤) (١٦٨٢، ١٦٨٣)، وابن أبي الدنيا في "الورع" (ص/٧١) (٨٠)، والدينوري في "المجالسة جواهر العلم" (٤/ ١٥٥) (١٣٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٥١)، وغيرهم من طرق عن ابن المنكدر بنحوه، وأين هو من الإخبار بذلك. وفي بعض الروايات قال ابن المنكدر بلغني أن الله ﵎ يقول، وهو منقطع.
(٢) بالأصل: "شجرة"، والتصويب من مصدر التخريج ..
[ ١٨٣ ]
الجنّة أن أسمع عبادي الذين شغلوا أسماعهم عن المعازف
والمزامير بذكري، فتسمعهم بأصوات ما سمع الخلائق مثلها قطّ بالتسبيح والتقديس" (^١). وفي لفظ: قال ﷺ: "نعم، يوحي ربّك ﷿ إلى ورق الجنة أسمعي عبادي الذين نزّهوا أنفسهم عن البرابط والمزامير والمعازف"، قال: "فتأتي بأصوات من التسبيح والتقديس والتهليل لم يسمع الخلائق أصواتًا أحسن منها" (^٢). هذا حديث خرجته من كتاب "الترغيب والترهيب" وقرأت في كتاب الردّ على أهل الرقص والسماع (^٣) للإمام أبي المحاسن هبة الله بن نصر الحراني رحمة الله عليه أنه قال: وروي عن رسول الله ﷺ "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" (^٤)، وقد تقدّم هذا الحديث، وبإسناده عن أبي أمامة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما رفع أحد بغناء" -وفي لفظ: لغيره - ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله ﷿ [ق ٧٦ / ب] إليه شيطانين فيجلسان على منكبيه يضربانه بأعقابهما على صدره حتى يمسك" (^٥). وحسب أقوام ضلالةً أن الشيطان قرينهم ويهمزهم بالفحشاء وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعًا وينسوقون (^٦) إلى الله ﷿.
_________________
(١) موضوع - أخرجه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٢٥) (٣١٨) من طريق المحاربي، عن نصر بن طريف، عن يحيى بن إسحاق، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة -﵁- به، وحكم عليه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٦٥٠٣) بالوضع فقال: " نصر هذا، متفق على تضعيفه، قال يحيى: "من المعروفين بوضع الحديث". وقال ابن حبان (٣/ ٥٢): "كان يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، كأنه كان المتعمد لها"".
(٢) أخرجه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١/ ٥٤٢) (٩٩٧) بإسناد فيه من لم أعرفه.
(٣) واسمه: " المعيار في الرد على المتمسّكين بغير الأخبار"، وسبق الكلام عنه آنفا.
(٤) ضعيف - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٨٢) (٤٩٢٧) مختصرا، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٥) (٣٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٣٧٧) من طريق سلام بن مسكين عن شيخ عن أبي وائل عن ابن مسعود مرفوعا به، وفيه جهالة شيخ سلام، وللحديث طريق أخرى عند أبي الحسن الحلبي في "الفوائد المنتقاة"بنحوه، وقال عنها الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٢٤٧٤): "ضعيف جدا".
(٥) سبق تخريجه.
(٦) كذا رسمها بالأصل والأقرب أنها: "ويتقربون".
[ ١٨٤ ]