فصل
وقد ذكر بعض الملحدين جواز الغناء، واحتج بحديث روي عن أم المؤمنين عَائِشَةَ ﵂ وهو ما خرجه مسلم من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وفي رواية قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢/ ١٧) (٩٥٢) ومسلم في "صحيحه" (٢/ ٦٠٧) (٨٩٢) من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ به.
[ ١٤١ ]
وجوابه: أن يقال له يمكن أن يكون هذا كقوله ﵇ من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا قام فبال ناحية المسجد فيتناوله الناس فقال لهم رسول الله ﵇: "دعوه" (^١). وفي حديث أنس ﵁: "أن أعرابيًّا جاء فبال في طائفة [المسجد] فرجزه الناس فنهاهم النبي ﵇" (^٢) فلا فرق بين إنكاره على أبي بكر ﵁ وبين إنكاره على الصحابة رضوان الله عليهم في إنكارهم على الأعرابي حين بال في المسجد، فإن أبحتم الغناء بهذا، فيلزمكم أن تبيحوا البول في [ق ٥٦ / ب] المساجد والسلام. وأحد الوجوه في الردّ عليهم أن يُعرف أوَّلًا حقيقة الغناء، ثم يفسر عليه الحديث، وذلك لأن العناء في لغة العرب رفع الصوت، تقول العرب: غنى فلان. إذا رفع صوته حكى الخطابي عن أبي عاصم قال: أخذ بيدي ابن جريح فوقف بي على أشعب الطامع فقال: غنِّ ابن أخي بما بلغ من طمعك! فقال بلغ من طمعي أنّه لم يزف بالمدينة عروسًا إلا كنست بابي طمعًا أن تهدى إليّ" (^٣). يعني بقوله غنّ، معناه أخبرني جاهرًا ومصرحًا، ثم اقترن به عرف الاستعمال فصار المفهوم من هذه اللفظة التلحين والتطريب، فإذًا للفظ الغناء مفهومان لغوي وعرفي، فيحمل الخبر على اللغوي، فقولها تغنيان أي ترفعان أصواتهما بالشعر ونحن لا نذمّ إنشاد الشعر ولا نحرّمه؛ لأنه كلام. وأعدل قول وصف بالشعر قول النبي ﷺ: "إن من الشعر لحكمة" (^٤)، وفي لفظ: لحكمًا (^٥). والشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح (^٦)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١/ ٥٤) (٢٢٠).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في "صحيحه" (١/ ٥٤) (٢٢١).
(٣) معالم السنن (١/ ٢٩٢).
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٨/ ٣٤) (٦١٤٥).
(٥) إسناده ضعيف - أخرج الطبراني في "لأوسط" (٧/ ٣٤١) (٧٦٧١)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٧١٠) (٦٥٦٩) من طريق سعيد بن سليمان القسيطي، ثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي بكرة ﵁ مطولا وفيه قصة، وفيه: «إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما». وسعيد لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، وموضع الشاهد منه صحيح.
(٦) حسن - أخرج أبو يعلى في "مسنده" (٨/ ٢٠٠) (٤٧٦٠) عن عباد بن موسى الختلي، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: " سئل رسول الله ﷺ عن الشعر. فقال: «هو كلام .. فحسنه حسن وقبيحه قبيح» وإسناده حسن فيه عبدالرحمن بن ثابت قال عنه في "التقريب": "صدوق يخطئ"، وللحديث طرق أخرى وشواهد لا تخلو من ضعف، وانظر "الصحيحة" (٤٤٧).
[ ١٤٢ ]
وأيضًا قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه، فإنّه قال: والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وإنما يصبر غناء مذمومًا إذا [ق ٥٧ /أ] لُحِنَ وصنع صنعة تورث الطرب وتزعج القلوب وهي شهوة طبيعته. إنما ذمّ أبو بكر الصديق ﵁ رفع أصواتهما في مجلس النبي ﵇ وبين يديه؛ لأن خفض الصوت عند النبيّ ﵇ مأمور به وليس كل من رفع صوته بالغناء لَحَّنَ، وَلَذّ وأطرب، فالممنوع المكروه إنما هو الملذّ أو المطرب. فافهمه، ولم يُعقل من هذا الحديث أن صوتهما كان ملذا، وهذا سرّ المسألة فافهمه. والدليل على صحة هذا أن أبا بكر ﵁ زجرها وأنكر عليهما، ولولا أنه كان يعلم من دين النبي ﵇ ذم الغناء ما كان ليفتات (^١) وبين يديه، وبقوله: بمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وإنما وجه الحديث أن عائشة ﵂ كانت طفلة، وكنت صبايا الأنصار وجوازهم يجتمعون إليها يلعبن عندها، ولا سيّما في الأعياد والفصول، وهذا نحو ما روى أبو داود بإسناده عن عائشة ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي الْجَوَارِي» (^٢)، "فقدم عن غزوة تبوك وفي سهوتي ستر فهبَّب ريح [ق ٥٧ / ب] فَكشفت السّتْر عَن بَنَاتٍ لعَائِشَة فَقَالَ النبي ﷺ: "مَا هَذَا يَا عَائِشَة" فَقُلْتُ: بَنَاتِي، وَرَأى بَينهُنَّ فرسا لَهَا جَنَاحَانِ من رقاع فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أرى وسطهن. قَالَت: فرس. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قُلْتُ: جَنَاحَانِ. فَقَالَ: "فرس لَهُ جَنَاحَانِ". قُلْتُ: أما سَمِعت أَن لِسُلَيْمَان خيلًا لَهَا أَجْنِحَة. فَضَحِك النبي ﷺ حَتَّى بدت نَوَاجِذه" (^٣).
_________________
(١) بالأصل: "ليتقات".
(٢) صحيح - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٨٣) (٤٩٣١) وإسناده صحيح، والحديث أصله في الصحيحين.
(٣) صحيح - أخرجه أبو داود في "سننه" عقب الحديث السابق بإسناد فيه يحيى بن أيوب قال عنه في "التقريب": "صدوق ربما أخطأ" والحديث صححه الشيخ الألباني.
[ ١٤٣ ]
قَالَتْ: "فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نزلنا في بني الخزرج، قالت: فوالله إني أَلْعَبُ عَلَى أُرْجُوحَةٍ، بين عذقين فجاءتني أمي فأنزلتني ولي جميمة (^١) " (^٢)، ثم إن اللعب التي كانت تلعب بها عائشة ﵂ لم تكن لها أوجه مقدرة على محاسن الحيوان؛ لأن النبي ﵇ لعن المصوّرين (^٣)، وإنما وجهه إنها كانت تربط خشبة على خشبة على هيئة الصليب، ثم تكسوهنّ الخرق، فكذلك إنشاده هذا الشعر إنما كان بغير تلحين بدليل قولها: "وليستا بمغنيتين"، فنفت الغناء عنهما، وبعاث يوم مشهور كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب بينهم قائمة مائة وعشرون سنة (^٤) إلى أن قام الإسلام على ما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، وكان [ق ٥٨ /أ] الشعر الذين يتغنيان به في وصف الشجاعة والحرب وإنشاده حثّ على جهاد الكفّار ومعونة للدّين سيّما إذا كان المنشد حسن الصوت.
_________________
(١) في الحاشية: "الجموم بالفتح فرس مسرع، وعند البعض حمار". كذا قال، وهو غير مراد هنا، وفسره الخطابي في "معالم السنن": " الجميمة تصغير الجمة من الشعر" والمقصود أن شعرها ﵂ كان للجمة أي الأذنين بعد أن تمرق من المرض الذي كان قد أصابها كما جاء مصرحا به في رواية الصحيح وانظر التعليق التالي.
(٢) صحيح – أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٨٥) (٤٩٣٧) به، والحديث أصله في الصحيحين، ولفظ البخاري: " عن عائشة ﵂، قالت: «تزوجني النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرج، فوعكت فتمرق شعري، فوفى جميمة فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها " الحديث.
(٣) أخرج البخاري في "صحيحه" (٧/ ٦١) (٥٣٤٧) عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: «لعن النبي ﷺ الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصورين».
(٤) بالأصل: " يومًا"، والتصويب من شرح السنة للبغوي (٤/ ٣٢٢)، وغيره.
[ ١٤٤ ]
قالت عائشة ﵂: فغمزت الجاريتين فخرجتا (^١) وفي لفظ: أن أبا بكر ﵁ غمزهما فخرجتا، فأما الغناء بذكر الفواحش والإشهاد بالحرم والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء والحرام وحاشا أن يجري شيء من ذلك بحضرة النبي ﷺ، فيغفل النكير عليه وهو الذي روي في الحديث "لعن الله المغني والمغنَّى له" (^٢) وكل من رفع صوته بشيء جاهرًا به ومصرحًا باسمه لا يستره ولا يكني عنه، فقد غنى به بدليل قولها وليستا بمغنيتين، وقوله ﵇: "هذا عيدنا" يعتذر عنهما أن إظهار السرور في العيدين من شعائر الدين، وليس هو كسائر الأيام وهو أن النبيّ ﵇ علّل إباحة ذلك بكونه في العيد، ولو صحّ ما قالوا ما اختصت (^٣) الإباحة بيومٍ، فإنه ﵇ قال: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا" تقديره دعهما تغنيان؛ لكونهما في يوم عيد، وهذا ما قاله أحد. ويحتمل [ق ٥٨ / ب] أن يكون نهي النبي ﷺ معروفًا إلى أبي بكر ﵁ لتغليظه على الصبايا وزجرهنّ، والنبي ﷺ كان رفيقًا، فكأنّه قال: دعهن اليوم يلغين ويناشدن الأشعار؛ لأنه يوم عيد وسرور، والدليل على هذا أنه ما نقل عن عائشة ﵂ بعد بلوغها إلا ذمّ الغناء والمعازف (^٤)
_________________
(١) أخرج البخاري في "صحيحه" (٢/ ١٦) (٩٤٩)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ٦٠٩) (٨٩٢) من طريق محمد بن عبد الرحمن الأسدي، حدثه عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ، فأقبل عليه رسول الله ﵇ فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا".
(٢) لا يصح - قال العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٦٧): "قال النووي: لا يصح وتبعه السخاوي والزركشي والسيوطي".
(٣) بالأصل: " لاختصّت".
(٤) روى البخاري في "الأدب المفرد" (ص/٤٢٧) (١٢٤٧) من طريق أصبغ قال: أخبرني ابن وهب قال: أخبرني عمرو، أن بكيرا حدثه، أن أم علقمة أخبرته، أن بنات أخي عائشة اختتن، فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى .. فأرسلت إلى عدي فأتاهن، فمرت عائشة في البيت فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا، وكان ذا شعر كثير، فقالت: أف، شيطان، أخرجوه، أخرجوه" وقال الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢/ ٣٤٩): "إسناده محتمل للتحسين، رجاله ثقات، غير أم علقمة هذه واسمها مرجانة وثقها العجلي وابن حبان، وروى عنها ثقتان" والأثر صحح إسناده ابن رجب.
[ ١٤٥ ]
على ما قد بيّن العلماء في مصنفاتهم، وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد ﵁ وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة يذمّ الغناء (^١)، وقد أخذ العلم عنها وتأدب بآدابها، فبطل ما قال الأغمار الضلال ورؤساء الجهّال، وصحّ ما قلناه والحمد لله رب العالمين، فإن عارضنا بعض من افتتن بسماع الغناء، وقال: وقد روي أنه وقد رخص في الغناء في العرس مع ضرب الدفوف. قيل له حجة لك في هذا بل الحجة عليك إن أنصفت من نفسك. فإن قال بماذا؟ قيل له: قولك رخّص في الغناء في العرس دليل على تحريم الغناء في الأصل، ثم جاءت الرخصة في العرس لمعنى لا تعقله ولا تميّزه، فإن قال: فبينة. قيل له: كان الرجل إذا وجد مع المرأة، فأنكر عليه. قال: هي زوجتي. فقيل لهم: أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف، واظهروا عليه [ق ٥٩ /أ] الغناء حتى يعلم أن فلانًا قد تزوّج فلانة، ويسقط عنهما سوء الظن، ولم يكن الدفوف التي كانت يضرب بها مثل هذه الدفوف التي استعملها الفسّاق وممن يغني يضربها إنما كانت مثل الغرابيل الواسعة إذا ضربت المرأة بها ليس لصوتها لذة تطرب ولا تفتن إنما لها صوت ليعلم أنه تزويج، ولم يكن ذلك الغناء الذي ذكر مثل هذا الغناء القبيح الذي يذكر فيه عشق الجواري وصفتهنّ وعشق الغلام الأمرد حتى يوصف بكلّ معنى لا يحلّ وصفه ويوصف الخمر بكل ما فيه وكلّ ذلك فتنة على السّامع مما يذمّه العلماء وينكرونه على من نطق به وعلى من يسمعه. فإن قال قائل: فاذكر بعض ما كان يغنّي به في الأعراس التي زعم من زعم أنه رخّص فيه أن يغنى به في الأعراس، قيل له: قد تأدّى إلينا منها أشياء إذا سمعها أهل عصرنا هذا لم يكن لهم فيها لذّة ولا يحبّونه نعم، وعندهم الذي يغنّي به أحمق، والذي يسمعه أحمق منه، فأما الحديث الذي فيه الرخصة، فقد روي أبو عبيد القاسم ﵀ بإسناده عن محمد بن حاطب الجمحي ﵀ قال: قال رسول الله: "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدفوف في النكاح" (^٢) قال [ق ٥٩ / ب] قال أبو عبيدة (^٣):
_________________
(١) سيأتي تخريجه بإذن الله.
(٢) صحيح - أخرجه النسائي في "سننه" (٦/ ١٢٧) (٣٣٦٩)، وابن ماجه في "سننه" (١/ ٦١١) (١٨٩٦)، وسعيد بن منصور في "سننه" (١/ ٢٠٢) (٦٢٩)، وأحمد في "مسنده" (٢٤/ ١٨٩) (١٥٤٥١)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٢٤٢) (٥٤٢)، وغيرهم من طريق أبي بلج عن محمد بن حاطب ﵁ به، وإسناده صحيح.
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٦٥) ..
[ ١٤٦ ]
قوله الصوت، فإنّ الناس يختلفون فيه، فبعض الناس يذهب إلى السماع، وهذا خطأ فاحش في التأويل على رسول الله ﷺ، إنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت به، والذكر في [الناس] كما يقال فلان: ذهب صوته في الناس أي ذكره ولذلك قال عمر ﵁: "أعلنوا هذا النكاح وحصِّنوا هذه الفروج" (^١). وروي أن عائشة ﵂: "أنكحت ابنة عمٍّ لها الرجل من الأنصار فجاء النبي ﷺ، فقال: أهديتم الفتاة؟ قالت: نعم. قال: أرسلتم معها من يغنّي؟ قالت: لا. قال: "فإن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو أرسلتم معها من يقول آتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم" (^٢) وصح وثبت أن عائشة ﵂ زفّت امرأةً من الأنصار إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ: "يا عائشة أما كان معكم من لهوٍ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (^٣). وروي أن أهل النكاح كانوا يقولون:
ألا أحسن ما جئتم فحيّونا نحييكم
لولا الذهب الأحمـ ر ما حلّت بواديكم
لولا الحنطة الصفرا ء لم تسمن عذاريكم (^٤).
وروى صفوان بن عمرو عن أمّه قالت: كان ممّا يفتخر به أهل الناكحة على أهل الناكح [ق ٦٠ /أ] ليلة البناء تالله ما كنت بأهل لها لولا كتاب القدر السابق (^٥). قالت: وكان ممّا يقال ليلة البناء
«أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ
لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَـ رُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣/ ٤٩٥) (١٦٣٩٧) من طريق هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن عمر ﵁ مطولا به، وفيه قصة، وها إسناد ضعيف فيه عنعنة هشيم، وهو مدلس، وعنعنة الحسن البصري ولم يدرك عمر.
(٢) حس لغيره - أخرجه ابن ماجه في "سننه" (١/ ٦١٢) (١٩٠٠)، والطحاوي في "مشكل الاثار" (٨/ ٣٧٧) (٣٣٢١)، وأبو الشيخ في "أحاديث أبي الزبير" (ص/٥٥) (١٢) من طريق جعفر بن عون المخزومي قال: حدثنا الأجلح، عن أبي الزبير، عن ابن عباس قال: أنكحت عائشة فذكره، وفيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، والحديث له شواهد ضعيفة يتقوى بها، وأصله في الصحيح.
(٣) (٧/ ٢٢) (٥١٦٢).
(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
(٥) لم أقف عليه.
[ ١٤٧ ]
لَوْلَا الْحَبَّةُ السَّمْرَا ءُ لَمْ تَسْمَنْ عَذَارِيكُمْ» (^١)
وروي عن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: كانوا إذا زوّجوا المرأة للرّجل خرج جواري الأنصار يتغنين ويلعبن. قالت: فمررن معًا حتى جلسن بمجلس فيه رسول الله ﵇ وهنّ يتغنّين ويقلن:
أهدى لها زوجها كبشا (^٢) يبحبحن (^٣) في المربد
وزوجها في النادي
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه الخلال في "الأمر بالمعروف" (ص/٦٨) من طريق أحمد بن الفرج الحمصي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو عقيل، عن بهية، عن عائشة، قالت: كانت عندنا يتيمة من الأنصار، فزوجناها رجلا من الأنصار، فكنت فيمن أهداها إلى زوجها، فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، الأنصار أناس فيهم غزل، فما قلت؟» قالت: دعونا بالبركة، ثم انصرفوا قال: " أفلا قلتم: فذكره"، وهذا إسناد ضعيف فيه أحمد بن الفرج قال عنه الذهبي في "الميزان": " ضعفه محمد بن عوف الطائي. قال ابن عدي: لا يحتج به. هو وسط. وقال ابن أبي حاتم: محله الصدق." والأقرب أن شيخه هو يحيى بن صالح الوحاظي، وليس يحيى بن سعيد، وهو صدوق. وأبو عقيل قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف"، وبهية هذه لا تعرف كما قال في "التقريب"، وله إسناد أشد ضعفا منه رواه الطبراني في "الأوسط" (٣/ ٣١٥) (٣٢٦٥) بنحو رواية الخلال، وإسناده ضعيف فيه محمد بن أبي السري وإن كان صدوقا إلا أنه له أوهام كثيرة كما في التقريب، وشيخه: رواد، صدوق اختلط بآخره حتى ترك، وشيخه شريك: ضعيف، والحديث له شاهد أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣/ ٣٧٩) (١٥٢٠٩) من طريق أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن أجلح، عن أبي الزبير، عن جابر بنحوه، ولكن بذكر البيت الأول فقط، وإسناد حديث جابر ضعيف فيه عنعنة أبو الزبير، وعليه فالحديث يتقوى، وانظر الإرواء (١٩٩٥).
(٢) وفي الأصل: " بسبعة أكبش" والتصويب من سنن البيهقي.
(٣) في الأصل: "يتبجبجن"، وعليها تحشية: "البجباج: "سمين وضعيف كمسنة"".
[ ١٤٨ ]
حتى قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غدٍ"، وأن النبي ﷺ قام إليهنّ وقال: "سبحان الله لا يعلم ما في غدٍ إلا الله ﷿ لا تقولوا هذا وقولوا: «أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» (^١)، فهذا الذي رخص فيه إنّما فيه مدح الزوج والزوجة لا غير وليس فيه ما يبعث (^٢) على عشق الغلمان المرد ولا النساء الفواسد وصفة الخمور وأشباه ذلك.
وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مرّ رسول الله ﵇ بجوارٍ من بني نجّار وهنّ يضربن بدفٍّ لهن ويقلن:
نحن جوارٍ من بني نجّار يا حبّذا محمد من جار
فقال النبي ﵇: "الله يعلم [ق ٦٠ / ب] أني أحبكم" (^٣) -يعني يحبّ الأنصار-. وروي أنّه لما قدم النبي ﵇ المدينة مهاجرًا تلقاه أولاد الأنصار وجواريهم سرورًا به وقالوا:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
_________________
(١) مرسل - أخرجه البيهقي في "الكبرى" (٧/ ٤٧١)، وفي "السنن الصغير" (٣/ ٩١) (٢٥٩٧) من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان، ثنا عبد الله بن وهب، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد: عن عمرة بنت عبد الرحمن، ورواته ثقات إلا أنه مرسلة فعمرة تابعية. وقال البيهقي: "مرسل جيد"، وقال أيضا: " وقد رواه ابن أوس، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، ورواه الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عائشة ببعض معناه".
(٢) بالأصل زيادة: "ما سمعت"، وحذفتها كي يستقيم المعنى.
(٣) صحيح- أخرجه ابن ماجه (١/ ٦١٢) (١٨٩٩)، والطبراني في "الصغير" (١/ ٦٥) (٧٨)، والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٥٠٨) من طريق عيسى بن يونس قال: حدثنا عوف، عن ثمامة بن عبد الله، عن أنس بن مالك ﵁ به، وقال البوصيري في "الزوائد": " في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات".
[ ١٤٩ ]
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع (^١)
فبالله عليكم يا ذوي العقول والبصائر أين هذا السماع من هذا السماع الذي يشرب فيه الخمور التي هي من ورق القنب ويغني فيه أجمل الصبيان بأطيب الألحان بأشعار موزونة مشتملة على ذكر الخمر وأوصافها وتأثيرها، وذكر القدود والخدود والحواجب والدعج (^٢) والكحل وغير ذلك من الأوصاف المشتهات وذكر الأحوال من العشق والمحبّة والصد والوصل والفرقة والاجتماع، والآلات المطربة كالدفوف المزوقة بالجلاجل والشبابات المصنوعة المحكمة والتصفيق بتصنيع.
ومن غنائهم:
شُمّ (^٣) الحاجب المقرون والمقلّة الكحلا وقل لي فدتك النفس أيّهما أحلا (^٤)
_________________
(١) ضعيف - أخرجه أبو الحسن الخلعي في "العشري من الخلعيات" (٥٤)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٢٦٦) من طريق الفضل بن الحباب قال: سمعت عبد الله بن محمد بن عائشة يقول فذكره. وأعله الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٦١) بالانقطاع والإعضال، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٥٩٨): "وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، لكنه معضل سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله "، وذكر ابن القيم في "الزاد" (٣/ ٤٨٢) أن هذه الأبيات كانت عقب حضوره ﷺ من تبوك وأعل من قال أنها كانت عقب الهجرة فقال: " وبعض الرواة يَهِمُ في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وَهْمٌ ظاهرٌ؛ لأن ثَنِيَّات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادمُ من مكة إلى المدينة، ولا يَمُرُّ بها إلا إذا تَوَجَّهَ إلى الشام".
(٢) الدَّعَجُ بِفَتْحَتَيْنِ شِدَّةُ سَوَادِ الْعَيْنِ مَعَ سِعَتِهَا، وانظر مختار الصحاح مادة (د ع ج).
(٣) وفي الحاشية " شم بالفتح
(٤) كذا بالأصل.
[ ١٥٠ ]
بحيث إذا سمع ذلك الشيخ الكبير الضعيف النفس البعيد عن الميل إلى هذه الأشياء تغير حاله واضطربت جوارحه، فكيف يكون حال شاب عنده قوة نفس وميل وطبع لا يخلو من هوى وغلبة بشرية، أيليق بمن عنده أدنى [ق ٦١ /أ] نظرٍ أن يقيس على تلك الأحوال هذه الأحوال، ثم إنهم لم يكتفوا بفعلهم حتى اعتقدوه طاعةً وقربةً، وأشاعوا فعله في المساجد والمشاهد والبقاع الشريفة [وذلك] مخالف لإجماع علماء المسلمين والسلف الصالح؛ إذ ليس فيهم من جعل ذلك طاعة ولا قربة أصلًا، ولا رأى إعلانه في هذه الأماكن التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها بالغدو والآصال رجال فنعتهم بالتسبيح لا بالغناء والتصفيق والرقص والفرقعة بالأصابع ودقّ الأرض بالأرجل بعد أن يسكروا من الحشيشة التي هي ورق القنب، فنعوذ بالله ونسأله التوفيق.
[ ١٥١ ]