فصل
وأما من قول النبي ﷺ في الرد على هذه الطائفة الخبيثة أخبار كثير فمنها ما صح وثبت عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "من دخل ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ" وفي لفظ [ق ٤٥ /أ] قال: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" وفي لفظ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^١). ألا والذي أنكرناه على هذه الطائفة الخبيثة حدث وفعل وأمر وعمل قد أدخل في ديننا ما ليس منه [ولا] (^٢) عليه أمر نبينا ﷺ لما دانوا ما أنكرناه على الطائفة الخبيثة، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وهو أحد الأحاديث الأربعة التي قال أبو داود مدار الإسلام عليها. ألا فكلما أحدثه لما أحدثه (^٣) لم يسنده إلى نصٍّ كتاب منزل أو إلى أمر رسول مرسل فهو مردود على محدثه مذموم بإحداثه ذلك، متهم في دينه ساقط العدالة بفعله، ممقوت عند ربه، وعند صالحي [المؤمنين] وصح وثبت أن رسول الله ﷺ [قال]: "لعن الله من آوى محدثا" (^٤)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣/ ١٨٤) (٢٦٩٧)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٣٤٣) (١٧١٨)، وغيرهما من طريق القاسم بن محمد عن عائشة باللفظ الثاني والثالث، وأما اللفظ الأول فذكره ابن بطة في "إبطال الحيل" (ص/٥٦) به، والقاضي عياض في "الشفا" (٢/ ٣٧) بلفظ: في أمرنا"، وغيرهما بدون إسناد، وغالب الظن أنه مساق بالمعنى.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) بالأصل: لم أحدثه.
(٤) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٣/ ١٥٦٧) (١٩٧٨) مطولا من حديث علي ﵁ ..
[ ١١٢ ]
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ ألا فهذا رسول الله ﷺ لعن من آوى محدثا، فلا شك ولا ريبة أن من أحدث حدثًا أو ابتدع بدعة أكبر جرمًا وألعن وأضلّ ممن آوى محدثًا، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﵇ [ق ٤٥ / ب] قال: «كَسْبُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ» (^١)
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا - أخرجه أبو يكر الشافعي في "الغيلانيات" (ص/١٢٩) (٨٤)، والآجري في "تحريم النرد" (ص/١٩٤) (٥٩) من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية، ثنا عباد بن يعقوب، ثنا موسى بن عمير، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ مطولا به، وفيه موسى بن عمير قال عنه في "التقريب": "متروك وقد كذبه أبو حاتم" ..
[ ١١٣ ]
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كلما يلهو به المرء باطل إلا رمية بقوس وتأديب فرس وملاعبة أهله، فإنهن من الحق" (^١) هذا حديث رواه الدارمي في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم والترمذي في جامعة وقال: حديث حسن.
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٤٦١) (٢١٠١٠)، ومن طريقه أحمد في "مسنده" (٢٨/ ٥٧٢) (١٧٣٣٧) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن عبدالله بن زيد الأزرق عن عقبة - ﵁ - مطولا به، ويحيى ثقة إلا أنه كان يرسل ويدلس، وقال ابن معين: "لم يسمع يحيى من زيد بن أسلم"، وقد اختلف على يحيى في هذا الإسناد فرواه عنه هشام الدستوائي فقال: عن يحيى عن أبي سلام - وهو ممطور الحبشي - عن عبدالله بن الأزرق به، أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٨/ ٥٣٢) (١٧٣٠٠)، والترمذي في "سننه" (٤/ ١٧٤) (١٦٣٧)، وابن ماجه في "سننه" (٢/ ٩٤٠) (٢٨١١)، والطيالسي في "مسنده" (ص/١٣٥) (١٠٠٧)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٢٢٩) (١٩٥٤٩)، والدارمي في "سننه" (٢/ ٢٦٩) (٢٤٠٥)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/ ٢٧٠)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٤١) (٩٤١)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ١٣) به، وهذا إسناد ضعيف أيضا: قال ابن معين: "يحيى بن أبي كثير يقول: حدث أبو سلام، ولم يلقه ولم يسمع منه شيئا"، وقال حرب بن شداد: "قال لي يحيى بن أبي كثير: كل شيء عن أبي سلام فإنما هو كتاب"، ومدار الطريقين السابقين على عبدالله بن زيد بن الأزرق لم يوثقه غير ابن حبان، وقال عنه ابن حجر في "التقريب": "مقبول"، وقد تابعه خالد بن زيد، فروى سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ٢٠٦) (٢٤٥٠)، ومن طريقه أبو داود في "سننه" (٣/ ١٣) (٢٥١٣)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٢١٨)، ورواه أيضا النسائي في "الكبرى" (٣/ ٣١٨) (٤٤٠٤) - كلهم - من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني أبو سلام حدثني خالد بن زيد عن عقبة - ﵁ - بنحوه، وخالد بن زيد لم يرو عنه غير أبو إسلام ممطور الأسود ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال عنه ابن حجر: "مقبول"، وللحديث شاهد صحيح يتقوى به، وهو الحديث التالي.
[ ١١٤ ]
وروي أن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمر ﵃ يرتميان فملّ أحدهما فقال الآخر: أكسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل شيء ليس من ذكر الله ﷿ فهو لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أَهله وتعلّم السباحة" (^١). ألا فقد نصّ عن النبي ﷺ أن هذه الأربع خصال حقّ وما سواهنّ مما يلهو به الرجل المسلم فهو باطل، فلا شك ولا مرية عند ذوي العقول والبصائر أن اللعب بالشطرنج والقضيب واستماع الغناء والشبابات والرقص الذي هو ضرب الأرض بالأرجل من الباطل، وليس من الحق في شيء؛ لأن رسول الله ﷺ جعل جميع اللهو من الباطل، ثم استثناء أربع خصال [ق ٤٦ /أ] وجعلهنّ من الحقّ وما أنكرناه خارجًا مما استثناه وقال الله ﷿: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]، فالعاقل المسلم الذي لا يرضى لنفسه أن يفعل الباطل ولا أن يستمع الباطل إنما يستمعه ويفعله سفيه جاهل مغرور خبيث متبع هواه، وفي كتاب الرسالة في ذمّ الغناء والنفير والرقص والنظر إلى أحداث المرد للقاضي الإمام أبي الحسين الفرار (^٢)
_________________
(١) صحيح - أخرجه النسائي في "الكبرى" (٥/ ١٧٦ - ١٧٧) (٨٨٨٩: ٨٨٩١)، والطبراني في "الكبير" (٢/ ١٩٣) (١٧٨٥)، وفي "الأوسط" (٨/ ١١٨) (٨١٤٧) من طريق عطاء قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين به، وصحح ابن حجر في الإصابة (١/ ٤٣٩) في ترجمة جابر بن عمير إسناد النسائي.
(٢) كذاب الأصل، ولعله يشير إلى الإمام العلامة شيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد البغدادي الحنبلي ابن الفراء، وقد ذكر له الشيخ بكر في "المدخل المفصل" كتابا بعنوان"ذم الغناء" ..
[ ١١٥ ]
رحمة الله عليه أنه قال: وروى أبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار [وعبد الله بن عمر] وأنس بن مالك ﵃ عن النبي ﵇: "أنه نهى عن الرقص ونهى عن الاستماع إلى المغنية ونهى عن الغناء" (^١)، وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يغني من الليل، فقال رسول الله ﵇: "ولا صلاة له" حتى قال ذلك ثلاث مرات (^٢)، هذا حديث رواه أبو يعقوب محمد بن إسحاق النيسابوري في كتاب "المناهي وعقوبات المعاصي" (^٣)، وذكر القاضي أبو الحسين محمد بن أبي الحسن المنيحي الشافعي رحمة الله عليه في كتاب "فضائل الفقراء" وذمّ المتشبهين بهم، وليسوا منهم بصفة، قال: وروي الواحدي ﵀ في تفسير الوسيط بسنده إلى رسول الله ﵇ أنه قال: "من [ق ٤٦ / ب] علا مسامعه من الغناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيّين يوم القيامة" قيل: وما الروحانيون يا رسول الله ﵇؟ قال: قراء أهل الجنة" (^٤).
_________________
(١) باطل - ذكره ابن العراق في "تنزيه الشريعة" مطولا جدا، وعزاه للحكيم الترمذي في "كتاب المناهي" وقال: " فيه عباد بن كثير قال الحافظ ابن حجر في تخريج الرافعي حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد (قلت) وذكر النووي في شرحه على المهذب من هذا الحديث النهي عن استقبال الشمس والقمر وقال حديث باطل لا يعرف".
(٢) ضعيف جدا - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١١٩) بسند فيه سعيد بن سنان قال عنه في "التقريب": "متروك، ورماه الدارقطنى وغيره بالوضع). وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١١٥)، وقال: (هذا حديث لم يصح. قال يحيى بن معين: سعيد ليس بثقة أحاديثه بواطيل وقال النسائي: متروك الحديث).
(٣) لم أقف عليه مطبوعا، وله نسخة خطية بالمكتبة المركزية - الجامعة الا سلاميه، بالمدينة المنورة برقم حفظ: ٣٣٥.
(٤) موضوع - أخرجه الواحدي في "الوسيط" (٣/ ٤٤١) (٧٢٣)، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٦٥١٦): (موضوع. آفته حماد بن عمرو - وهو: النصيبي -، قال الذهبي في "المغني": "روى عن الثقات موضوعات، قاله النقاش، وقال النسائي: متروك". قلت: وهو معدود فيمن يضع الحديث، كما قال ابن عدي وغيره).
[ ١١٦ ]
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀ في ذكر تلبيس إبليس اللعين على هذه الطائفة بإسناده عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل يرفع عقيرة صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يرتدفانه فردف هذا من هذا الجانب وذا من ذا الجانب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما في صدره حتى يسكت" (^١).
_________________
(١) ضعيف جدا - أخرجه الطبراني في " الكبير" (٨/ ١٨٠) (٧٧٤٩)، وفي "مسند الشاميين" (١/ ١٤٤) (٢٣١) من طريق الوليد بن الوليد، ثنا ابن ثوبان، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة بنحوه، وفيه الوليد قال عنه أبو حاتم: "صدوق"، وقال الدارقطني وغيره: "متروك"، ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٦) (٤١)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٣٠٤) (٧٨٢٥) من طريق سعيد بن أبي مريم، أنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة بنحوه، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٣٣٥): (وهذا سند ضعيف جدا، علته علي بن يزيد وهو الآلهاني أبو عبيد الله بن زحر. أما الآلهاني، فقال البخاري: " منكر الحديث ". وقال النسائي: " ليس بثقة ". وقال أبو زرعة: " ليس بالقوي ". وقال الدارقطني: " متروك ". وأما ابن زحر، فقال أبو مسهر: " صاحب كل معضلة، وإن ذلك على حديثه لبين ". وقال ابن المديني: " منكر الحديث ". وقال ابن حبان (٢/ ٦٣): " يروي الموضوعات على الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله، وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم "!).
[ ١١٧ ]
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﵇: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوتٍ عند نعمة لهو ولعب مزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمس وجوه وشق جيوب أو رنة شيطان" (^١). هذا حديث رواه البغوي في شرح السنة وقال حديث حسن. وروي أن امرأة غنت فقال رسول الله ﵇: "نفخ الشيطان في منخريها" (^٢). هذا حديث أخرجه النسائي في سننه. وروي صفوان بن أميّة ﵀ قال: كنا جلوس عند رسول الله ﵇، فجاء عمرو بن فرقد (^٣)،
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه الترمذي في "سننه" (٣/ ٣١٩) (١٠٠٥)، وقال: "حديث حسن"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣/ ٦٢) (١٢١٢٤)، وعبد بن حميد في "مسنده" (ص/٣٠٩) (١٠٠٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٤/ ١١٥)، والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٤٣١)، وغيرهم من طريق محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر مختصرا، ومطولا بنحوه، وابن أبي ليلى قال عنه في "التقريب": "صدوق سيء الحفظ جدا" كما أنه اضطرب فجعله من مسند جابر مرة، ومرة من مسند عبدالرحمن بن عوف كما في رواية البزار، والطحاوي، والحاكم، وغيرهم. إلا أنه ورد من إسناد آخر حسن، فقد أخرج البزار في "مسنده" (١٤/ ٦٢) (٧٥١٣، والضياء في "المختارة" (٦/ ١٨٨) (٢٢٠٠، ٢٢٠١)، والأصبهاني في "الترغيب والرهيب": (٣/ ٢٣٨) (٢٤٣٣) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد هن شبيب بن بشر عن أنس مختصرا بنحوه، وهذا إسناد حسن فيه شبيب قال عنه ابن حجر: "صدوق يخطئ".
(٢) صحيح - أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٤/ ٤٧٩) (١٥٧٢٠)، والطبراني في "الكبير" (٧/ ١٥٨) (٦٦٨٦) من طريق مكي بن إبراهيم، عن الجعيد بن عبد الرحمن، عن السائب بن يزيد أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا عائشة أتعرفين هذه؟» قالت: لا، يا نبي الله، فقال: «هذه قينة بني فلان تحبين أن تغنيك؟» قالت: نعم، قال: فأعطاها طبقا فغنتها، فقال النبي ﷺ: «قد نفخ الشيطان في منخريها» ورواته ثقات، وهو محمول على الغناء المباح، ويحتمل أنه يكون في عيد ونحوه، ورواه النسائي في "الكبرى" (٨/ ١٨٤) (٨٩١١) من نفس الطريق السابق إلا أنه لم يذكر آخره، وهو موضع الشاهد.
(٣) لم أقف على ذكره من أي من طرق الحديث ..
[ ١١٨ ]
وفي رواية عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله ﵇ [ق ٤٧ /أ] إن الله ﷿ قد كتب عليّ الشقوة فما أراني أرزق إلا من دُفِّي بكفّي، فائذن لي يا رسول الله الغناء من غير فاحشة! فقال رسول الله ﵇: "لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدوّ، والله لقد رزقك الله حلالًا طيِّبًا فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله، ولو كنت تقدمتُ إليك لفعلت بك، قم عنِّي وتبرأ إلى الله، أما [إنك إن] فعلت بعد التقدمة ضربتك ضربًا وجيعًا وحلقت رأسك مثله، ونفيتك من أهلك وأحللت سلبك نُهْبَةً لفتيان أهل المدينة"، فقام عمرو مرعوبًا وبه من الحزن والشرّ والخزي ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فلما ولى قال رسول الله ﵇: "هؤلاء العصاة من مات منهم على غير توبة حشره يوم القيامة كما كان في الدنيا مخنثًا لا يستره من الناس بِهُدْبَةٍ، كلما قام صرع" (^١) هذا حديث أخرجه الأئمة أبو القاسم الطبري وأبو بكر الآجري رحمة الله عليهما في كتاب "المسألة في تحريم الغناء والرقص" [و] أبو عبد الله القزويني رحمة الله عليه في سننه وترجم عليه وسمّاه باب المخنثين، وهذا مبالغة عن النبي ﵇ في تحريم هذا الفعل والزجر عنه وعن [ق ٤٧ / ب] استماعه. وفي كتاب "الأربعين" للقاضي أبي بكر محمد بن الحسين الآجري ﵀ قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال: حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد (^٢) بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد عن (^٣) عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قال: "دخلنا على العرباض بن سارية وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾
_________________
(١) موضوع - أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢/ ٨٧١) (٢٦١٣)، وابن الأعرابي في "معجمه" (٢/ ٧١٢) (١٤٤٨)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٥١) (٧٣٤٢)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" وغيرهم من طريق الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أخبرني يحيى بن العلاء، أنه سمع بشر بن نمير، أنه سمع مكحولا يقول: إنه سمع يزيد بن عبد الله، أنه سمع صفوان بن أمية فذكره، وفيه يحيى بن العلاء قال عنه في "الكاشف": "تركوه"، وقال عنه في "التقريب": "رمي بالوضع"، وشيخه بشر قال عنه الذهبي: "تركوه"، وقال عنه ابن حجر: "متروك متهم".
(٢) بالأصل: "إبراهيم الوليد"، وهو خطأ.
(٣) بالأصل: "بن"، وهو خطأ.
[ ١١٩ ]
الآية [التوبة: ٩٢] وهو مريض فقلنا: جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: إن رسول الله ﵇ صلى بنا صلاة الغداة، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم، فوعظنا موعظة بليغة زرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله إن هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا، فقال ﵇: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي سيرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ» (^١). قال القاضي بو بكر رحمة الله عليه: "في هذا الحديث [ق ٤٨/ ١ مكرر /أ] علوم كثير [ة] يحتاج إلى علمها جميع المسلمين ولا يسعهم جهلها منها: أنه ﷺ أمرهم بما أمره الله تعالى به من تقواه ولا يعملون بتقواه إلا بالعلم، قال بعض الحكماء: وكيف يكون متقيًا من لا يدري ما يتقي. قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا يتّجر في أسواقنا إلاّ من فقه، وإلا أكل الربا شاء أو أبى" (^٢). قلت: فعلى جميع المسلمين أن يتقوا الله تعالى في أداء فريضته واجتناب محارمه.
_________________
(١) صحيح - أخرجه الآجري في "الأربعين" (ص/٩٤) (٨) وفيه الوليد بن مسلم يدلس ويسوي، وقد صرح في بعض الطرق بالتحديث لنهاية السند، إلا أنه دلس تدليس العطف في آخره، وللحديث طرق أخرى، ولأطرافه شواهد يصح بها.
(٢) لم أقف عليه مسندا.
[ ١٢٠ ]
ومنها: أنه ﷺ أمرهم بالسمع والطاعة لكلّ من ولى عليهم من عبد أسود وغير أسود ولا يكون الطاعة إلا في معروف؛ لأنه ﷺ قد أعلمهم في غير موضع إنما الطاعة المعروف (^١). ومنها: أنه ﵇ أعلمهم أنه سيكون بعده اختلاف كثير بين الناس فأمرهم صلى الله ﵇ بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وحثهم على أن يتمسكوا بها التمسك الشديد مثل ما يعضّ الإنسان بأضراسه على الشيء يريد أن لا ينفلت منه، فواجب على كل مسلم أن يتّبع سنة النبي ﵇ ولا يعمل شيئًا إلا بسنته ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وكذلك [ق ٤٨/ ١ مكرر / ب] وكذلك لا يخرج عن قول صحابته فإنه يرشد إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) أخرج البخاري في "صحيحه" (٦/ ١٥١) (٤٣٤٠)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٤٦٩) (١٤٨٠) من طريق سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁، قال: بعث النبي ﷺ سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي ﷺ، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف».
[ ١٢١ ]
ومنها: أنه ﷺ حذّرهم البدع وأعلمهم أنها ضلالة، فكل من عمل عملًا أو تكلَّم بكلام لا يوافق كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين وأقوال الصحابة رضوان الله عليه فهو بدعة وضلالة، ومردود على فاعله لقوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١)، ومنها أن عرباض بن سارية ﵁ قال: "وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ» ميّزوا هذا الكلام لا قال صرخنا من موعظة ولا زعقنا ولا طرقنا على رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا زَفَنَّا ولا رقصنا كما يفعل كثير من الجهّال يصرخون عند المواعظ ويتغاشون ويتماوتون، وهذا من فعل الشيطان؛ لأنه يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة يقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبيَّ ﵇ كان أصدق الناس موعظة وأنصح الناس لأمته وأرق الناس قلبًا وأصحابه رضوان الله عليهم أرقّ الناس قلوبًا وأخير الناس ممن جاء بعدهم لا يشك في هذا عاقل، ما صرخوا [ق ٤٨/ ٢ مكرر /أ] عند موعظته ﷺ ولا زعقوا ولا رقصوا ولو كان هذا صحيحًا كانوا حقّ الناس به من أن يفعلوه بين يدي رسول الله ﵇، ولكنه بدعة وضلالة وباطل ومنكر، فاعلم ذلك فتمسكوا رحمكم الله بكتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وأرفض ما سوى ذلك". ألا فاعتبروا وتدبروا ما ذكرناه وما نذكره الآن من قول نبيكم ﵇ إن كنتم من أمته فتدبروا أمره؛ حيث قال: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" معناه: فاقتدوا بي واسلكوا طريقي وطريق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين واقتدوا بهم، وأقول شعرا:
تدبر كلام الله واتبع الخبر ودع عنك رأيًا لا يلائمه أثر
ولا تعدلنّ عن شرع دين محمد وكن تبعًا للمصطفى سيد البشر
ومن بعده صّديقه خير صحبه ومن بعده الفاروق أعني به عمر
ومن بعده قول ابن عفان فاتبع وقول علي وامتثل ما به أمر
وقول إمام قد تبعت طريقه ومذهبه فاتبع لما عنه قد ظهر
ونهج الهدى فالزمه واقتد بالأولى هم شهدوا التنزيل تنجو (^٢) من الضرر
[ق ٤٨/ ٢ مكرر / ب]
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) بالأصل: تنجوا.
[ ١٢٢ ]
ولا تعدّ عن نهج الصواب فإنه سبيل لأرباب البصائر مختبر
وإياك أن تصغي (^١) إلى قول جاهل كذوب فتلقى في حسابك في سقر
أحذّركم قول السفيه وفعله وبدعته يا صاحبي الحذرَ الحذرَ
وفي كتاب "الأمر بإتباع السنن واجتناب البدع" تصنيف شيخنا الحافظ أبي عبد الله المقدسي رحمة الله عليه ورضي الله عنه بإسناده أن أبا سعيد الخراز قال: رأيت أبا القاسم الجوعي ﵀ في المنام بعد وفاته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وبخني وأقامني. قلت: بماذا؟ فقال: قال لي ﷿: "تقعد وتسمع وتتواجد وتقيسني بليلي وسلمى" (^٢). وفيه بإسناده (^٣) أن أبا برزة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فسمع رجلان يغنيّان قال: فقال رسول الله ﷺ: "من هذان؟ " فقيل له: فلانٍ وفلان. فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ودعهما إلى النار دعًّا" (^٤).
_________________
(١) بالأصل: تصغ.
(٢) ذكره ضياء الدين المقدسي (ص/ ٣٠ - ٣١).
(٣) علقه بدون إسناد (ص/ ٦٢).
(٤) ضعيف - أخرجه أحمد في "مسنده" (٣٣/ ٢٣) (١٩٧٨٠) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٥٢٦) (٣٧٧٢٠)، والبزار في "مسنده" (٩/ ٣٠٣) (٣٨٥٩) وأبو يعلى في "مسنده" (١٣/ ٤٢٩) (٧٤٣٦) من طريق محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: أخبرني رب هذه الدار أبو هلال قال: سمعت أبا برزة قال فذكره بنحوه، وفيه يزيد ضعيف، وشيخه مقبول ولم يتابع، وشيخه لا يعرف وللحديث شاهد عن ابن عباس عند الطبراني في "الكبير" قال عنه الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١٢١): " فيه عيسى بن سوادة النخعي وهو كذاب". والحديث له شواهد أخرى ضعيفة لا تصلح لتقويته، وقال محقق المطالب العالية بعد سوقها (١١/ ٥٤١): (بالنظر إلى هذه الشواهد نجد أنها إما شديدة الضعف، أو بها مجاهيل، فالحديث باق على ضعفه". والحديث قال عنه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٦٥٦٧): "منكر".
[ ١٢٣ ]
وفيه بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعن والديه أن النبي ﷺ قال: "لست من دد ولا دد مني" (^١) هذا حديث أخرج الإمام أبو القاسم الطبري. قال الإمام [ق ٤٩ /أ] مالك بن أنس رحمة الله عليه ورضي الله عنه: الدد اللعب واللهو، وقال الخليل بن أحمد رحمة الله عليهما في كتاب "العين": الدد النقر بالأنامل في الأرض، فإذا كان نبينا ورسوله ﷺ تبرأ ممّن ينقر الأرض بأنامله، فما ظنكم يا ذوي البصائر والعقول باللعب بالشطرنج وبطقطقة وضرب الأرض بالأرجل، ثم ما علمت (^٢) هذه الطائفة الخبيثة أن ما أنكرناه عليهم لو كان مباحًا، ولهم فيه رخصة، فإنه لعب ولهو ووسيلة إلى الغفلة والنسيان والخلاعة. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ساعة تمرّ على ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا كانت عليه حسرةً يوم القيامة" (^٣).
_________________
(١) ضعيف جدا - أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٤٣) (٧٩٤) من طريق محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي، ثنا محمد بن عبد الوهاب الأزهري، ثنا محمد بن إسماعيل الجعفري، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن معاوية به، وفيه محمد بن إسماعيل الجعفري، قال عنه أبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال عنه أبو نعيم: "متروك"، وفيه عنعنة المطلب، وهو كثير التدليس. والدراوردي خالفه من هو أضعف منه، وهو يحيى بن محمد بن قيس، فرواه عند البخاري في "الأدب المفرد"، والطبراني في "الأوسط" وغيرهما عن عمرو بن أبي عمرو عن أنس بنحوه، ورجح الإمامان أبو زرعة وأبو حاتم حديث الدراوردي، وللحديث طريق آخر عن جابر، وهي ضعيفة أيضا، وقال الشيخ الحويني في "النافلة": " فالحديث لا يصح لضعفه من جميع طرقه"، وانظر "الضعيفة" (٢٤٥٣).
(٢) بالأصل: " عملت".
(٣) إسناده ضعيف جدا - أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ١٧٥) (٨٣١٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٦١)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٥٤) (٥٠٨) من طريق عمرو بن حصين، حدثنا محمد بن علاثة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة، عن عائشة بنحوه، وفيه عمرو بن الحصين قال عنه الذهبي في "الكاشف": "وهوه"، وقال ابن حجر: "متروك" .. وأمثل منه ما رواه الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٩٣) (١٨٢)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص/ ٦)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٥٥) (٥٠٩، ٥١٠) من طريق سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا يزيد بن يحيى القرشي، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: " ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها "، وإسناده ضعيف لجهالة يزيد بن يحيى فلم يوثقه غير ابن حبان.
[ ١٢٤ ]
وقد تقدم آنفًا أن النبي ﵇ وقال: "كل شَيْء لَيْسَ من ذكر الله ﷿ فَهُوَ لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال" (^١)، والشطرنج والرقص والسماع وغيرهما خارج عنها. وروى نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﵇ فقد رجلًا من أصحابه فقال: "أين فلان؟ " قاله له رجل: ذهب يلعب. فقال رسول الله ﵇: "ما لنا واللعب؟ فقال رجل: ذهب يرمي بقوسه؟ فقال رسول الله ﵇: "ليس الرمي من اللعب الرّمي من خير [ق ٤٩ / ب] ما لهوتم به" (^٢). ألا فهل قال رسول الله ﵇ أو أحد من أصحابه رضوان الله تعالى أو أحد من السلف الصالح مثل هذا في اللعب شيء مما أنكرناه. ألا فالكذب على الله ﷿ وعلى رسوله ﵇ وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم ليس بجائز. وذكر أبو محمد بن أبي حاتم رحمة الله عليه من طريق كيسان مولى معاوية رحمهما الله أن رسول الله ﵇ نهى عن تسع: "فذكر فيهنَّ الغناء والنوح" (^٣). وقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﵇ قال له: "علم الناس سنتي وإن كرهوا وإن أردت أن لا توقف على الصراط طرفة، فلا تحدثن في الدين حدثًا برأيك" (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه آنفا.
(٢) إسناده ضعيف جدا - عزاه السيوطي في "جامعه" للديلمي، وقال المناوي: " فيه عبد الرحمن بن عبدالله العمري قال الذهبي: تركوه واتهمه بعضهم: أي بالوضع".
(٣) إسناده ضعيف - أخرجه الدولابي في "الأسماء والكنى" (٢/ ٨٠١) (١٣٩٣)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣٧٣) (٨٧٧) من طريق محمد بن المهاجر عن كيسان مولى معاوية عن معاوية به، وقال الشيخ الأرناؤوط في "هامش المسند": " ومحمد بن مهاجر توفي سنة ١٧٠ هـ ولا يمكن أن يكون قد أدرك كيسان مولى معاوية".
(٤) موضوع - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" «٦/ ٣٧)، والسلفي في"الأربعين البلدانية" (ص/١٥٦) من طريق عبد الله بن صالح اليماني، قال: حدثني أبو همام القرشي، عن سليمان بن المغيرة، عن قيس بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة مطولا به، وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وأعله بأبي همام، وقال: " قال يحيى بن معين: كذاب عدو الله. وقال أبو حاتم الرازي: ذاهب الحديث" والحديث قال عنه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٢٦٥): "موضوع".
[ ١٢٥ ]
وروي أن النبي ﵇ قال: "لا يقبل الله عمل مبتدع ولو عمل بعمل أهل السماء والأرض من صلاة وصيام وصدقة وتهليل وتسبيح وأدخله النار إلا أن يتوب" قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] " (^١). قال ابن عباس ﵄: "الغربة (^٢) هي البدعة" (^٣). والحدث والبدعة هما كل شيء ابتدأ المرء ما ليس في الكتاب ولا في سنة أمرًا يزعم أنه يتديّن ويتقرّب به إلى الله ﷿ [ق ٥٠ /أ] وهو أن يحرم ما لم ينه الله ﷿ عنه ولا رسوله ﵇ أو يوجب ما لم يأمر به الله ﷿ ولا رسوله ﵇ أو يسقط وجوب ما أوجبه الله تعالى أو رسوله ﵇ فيلقى الله ﷿ إذا فارق الدنيا يوم القيامة مبتدعًا كافرًا عاصيًا لله ﷿ مخالفًا لأمره محدثًا في دينه ما ليس منه شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى قائلًا على الله ﷿ ما لا علم له به وعلى رسوله ﷺ ما لم يقله حاكمًا بالظنّ الذي أكذبه القرآن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وأكذبه الخبر قوله ﷺ: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (^٤)، واعلموا أرشدنا وإياكم أن الحوادث والبدع هما كل شيء ابتدعه المرء من نفسه ما لم يكن في عصر النبي ﵇ ولا ما فعله وأقرّ عليه أو عُلم من قواعد شرعية الإذن فيه وعدم النكير عليه ولا في سنة الخلفاء الراشدين من الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون ولا في أثر من آثارهم أمرًا يزعم أنه يتديّن ويتقرّب إلى الله تعالى [به] كالرقص واستماع الأغاني والشبابات.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) وفي الحاشية: (الغرابة: كون الكلمة وحشيةً غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة - وفي التعريفات: " مألوفة " الاستعمال. التعريفات).
(٣) لم أقف عليه ..
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١/ ٣٣) (١١٠)، ومسلم في "صحيحه" (١/ ١٠) (٣) من طريق أبي عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مطولا به.
[ ١٢٦ ]
قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل (^١) رحمة الله عليه: البدع كل قول في الدين [ق ٥٠ / ب] مات الصحابة على السكوت عنه. وقال ابن عبد البر (^٢) ﵀: ما جاء عن النبي ﵇ من نقل الثقات وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم فهو علم يدان به وما أحدث بعدهم فبدعة وضلالة وما جاء في أسماء الله تعالى وصفاته سلم إليه ولم يناظر فيه. وقال الشعبي ﵀ لابن أبجر: "ما حدثوك عن أصحاب محمد علي السلام فخذه، وما قالوا برأيهم فبُل عليه" (^٣).
_________________
(١) هو أبو الوفاء الحنبلي علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن محمد بن عبد الله أبو الوفاء الظفري الحنبلي المتكلم البغدادي كان من أعيان الحنابلة وكبار شيوخهم، وكان مبرزا مناظرا حاد الخاطر بعيد الغور جيد الفكرة بحاثا عن الغوامض مقاوما للخصوم درس وأفتى وناظر وصنف كتبا في الأصول والفروع والخلاف، مولده سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة ووفاته سنة ثلاث عشرة وخمس مائة، له تصانيف أعظمها " كتاب الفنون " بقيت منه أجزاء، وهو في أربعمائة جزء، " الفصول " في فقه الحنابلة، و" كفاية المفتي، وغيرها، وترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣١٦)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣٠) (٤٦٨٠)، الوافي بالوفيات (٢١/ ٢١٨)، وغيرها.
(٢) هو يوسف بن عمر بن عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ شيخ علماء الأندلس وكبير محدثيها في وقته وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة، وألف في الموطأ كتبا مفيدة منها كتاب التمهيد، الاستذكار، الاستيعاب، الكافي، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله وغيرها (ولد في ٣٦٨ هـ، وتوفي في ٤٦٣ هـ)، وله ترجمة في: الديباج المذهب (١/ ٣٥٧) وتذكرة الحفاظ (٣/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٣١٤)، والبداية والنهاية (١٢/ ١٠٤).
(٣) صحيح – أخرجه معمرفي "جامعه" (١١/ ٢٥٦) (٢٠٤٧٦)، أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣١٩)، وابن عبدالبر في "جامع بيان العلم" (١/ ٧٧٦) (١٤٣٨)، وغيرهم من طريق معمر والثوري عن ابن أبجر به.
[ ١٢٧ ]
وروينا عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ما وجدتم في كتاب الله تعالى فالعمل به لازم لا عذر لأحد في تركه ولا في ترك شيء منه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابي، فإنهم الأنجم بأيّهم اقتديتم اهتديتم" (^١). قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: ٣]. قال الإمام أحمد بن الحسين البزاز ﵀: "كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية فهو فضلة (^٢) وزيادة وبدعة" (^٣). قال الجوهري ﵀ في صحاح اللغة: "البدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال". وري أن أبا سليمان الدارني ﵁ قال: "ليس لمن ألهم شيء من الخير [ق ٥١ /أ] أن يعمل حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله حين توافق ما في قلبه" (^٤). وقال: "إذا أردت عملًا تزعم أنه طاعة فانظر فإن وردت به السنة وإلا فدعه" أو كما قال.
_________________
(١) إسناده ضعيف جدا – أحرجه أبو العباس الأصم في "جزء فيه مصنفاته" (ص/ ٩٨) (١٤٠)، ومن طريقه: البيهقي في "المدخل" (١/ ١٦٢) (١٥٢)، والخطيب في "الكفاية" (ص/ ٤٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٣٥٩) أبي بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس بنحوه، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٥٩): (وهذا إسناد ضعيف جدا: سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم (٢/ ١ /١٣٨) عن أبيه: ضعيف الحديث. وجويبر هو ابن سعيد الأزدي، متروك، كما قال الدارقطني والنسائي وغيرهما، وضعفه ابن المديني جدا. والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس، وقال البيهقي عقبه: هذا حديث متنه مشهور، وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا إسناد ).
(٢) بالأصل: "فضل"، والتصويب من السير.
(٣) ذكره الذهبي في "السير" (١٨/ ٥٠٩).
(٤) ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٢٤٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٤/ ١٢٦)، وغيرهما،
[ ١٢٨ ]
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وروي عن الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح رحمة الله عليه أنه قال: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم وكانوا ينهون عن البدع ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] ويحثون على ما كان عليه النبي ﷺ وأتباعه؛ لقوله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] " (^١)، وقال: قال وكيع بن الجراح ﵀: "من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنّة، ومن طلب الحديث ليقوّي به هواه فهو صاحب بدعة" (^٢). وقال البخاري (^٣) ﵀: ينبغي أن يلقي الرجل رأيه بحديث رسول الله ﵇؛ حيث ثبت الحديث ولا يعلّله بعلل لا تصحّ؛ [ق ٥١ / ب] ليقوي به هواه، فقد ذكر عن البني ﵇ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم بالله حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^٤).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (١/ ١٩٣) (٣٢٠).
(٢) ذكره البخاري في " قرة العينين برفع اليدين في الصلاة" (ص/٤٣).
(٣) ذكره عقب الأثر السابق توضيحا له، فقال: يعني أن الإنسان ينبغي فذكره.
(٤) إسناده ضعيف – أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ١٢) (١٥)، والنسوي في "الأربعين" (ص/٥١) (٨)، وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٨٧) (٢٧٩) من طريق نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، ثنا بعض مشيختنا، هشام أو غيره، - وفي بعض الطرق الجزم بأنه هشام بن حسان - عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو به، وفيه نعيم بن حماد قال عنه في"التقريب": "صدوق يخطئ كثيرا".
[ ١٢٩ ]
قلت: فهوانا بحمد الله ومنّه تبعًا لما جاء به نبيّنا ﷺ (^١) وأهل الحوادث والبدع هواهم تبعًا لما لجاء به الجهّال أهل الابتداع والضلال وأهل الرقص واستماع المحال من غلاتهم المخالفون للكبر المتعال، وسيندمون إذا حلّ بهم النكال وعجزوا عن جواب السؤال وغضب عليهم من تفرّد بالعزّة والجلال وآلوا من غضبه إلى شرّ مآل مضوا مع المقرنين إلى شياطينهم في السلاسل والأغلال. وأقول شعرا:
سيندم كل مبتدع إذا ما أقيم حسابه ممّا أتى به
ويندم من ذنوب موبقاتٍ رآها مثبتات في كتابه
يقوم مناقشًا منها حزينًا إذا أخذ المهيمن في حسابه
ولا مال لديه ولا بنون له نفع به غير اكتسابه
وليس له صديق أو حميم ليوم الحشر ينجى من عذابه
إذا جوزي بما اكتسبت يداه من الأعمال عدا عن صوابه
فيا من ضمر العصيان بادر وتب قبل الممات من ارتكابه
فإن الله تواب رحيم يحبّ بأن يرى الخاطي ببابه [ق ٥٢ /أ]
ويقبل توبة العاصي إذا ما رآه إليه أقبل في انصبابه
وبادر قبل تدركك المنايا ويأتيك المؤجل باقترابه
سيندم من يموت على المعاصي إذا وافى القيامة في انقلابه
_________________
(١) وقد فسر ابن رجب الهوى هنا بمعنى المحبة فقال في " جامع العلوم والحكم " (٢/ ٣٩٥): (وأما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه).
[ ١٣٠ ]
وروي أن أبا القاسم بن أبي عبد الله بن منده (^١) ﵀ قال: ليس في الحديث والحكم محاباة، فمن جار في الحكم خرج عن جملة المقسطين، ومن مال إلى مذهب بتأويل حديث خرج عن جملة أصحاب الحديث. وقال: كان مذهب السلف ظاهر كتاب الله ﷿ بلا تأويل وظاهر أخبار رسول الله ﵇ بلا تبديل، وقبول قوليهما بلا حجة ولا تعطيل. وقال: ولا يخرج من النار عند أهل الأثر من يخرج على الله ورسوله برأيه وهواه (^٢).
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني أبو القاسم: وهو ابن الحافظ ابن منده، رحل فِي طلب العلم وكتب وصنف تصانيف كثيرة. وَكَانَ قدوة أهل السنة بأصبهان وشيخهم فِي وقته. وَكَانَ مجتهدا متبعا آثار النبي - ﷺ - ويحرض الناس عليها. وَكَانَ شديدا عَلَى أهل البدع مباينا لهم وما كَانَ فِي عصره وبلده مثله فِي ورعه وزهده وصيانته وحاله أظهر من ذَلِكَ. من كتبه: تاريخ أصبهان، المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة. مولده: سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ومات ابن منده في شوال سنة سبعين وأربعمائة، وترجمته في "طبقات الحنابلة" (٢/ ٢٤٢)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٢٩٣)، الأعلام (٣/ ٣٢٧) وغيرها.
(٢) ولابد من تقييد الخروج هنا بما يوقعه في الشرك الأكبر، أو الكفر الأكبر، أو البدع المكفرة، قال الشيخ المنجد: " إتباع الهوى ليس على منزلة واحدة، فمنه ما يكون كفرا أو شركا أكبر، ومنه ما يكون كبيرة، ومنه ما يكون صغيرة من الصغائر. فإن اتبع هواه حتى قاده إلى تكذيب الرسول، أو الاستهزاء به، أو الإعراض عنه، فهذا مشرك شركا أكبر. وهكذا كل من قاده الهوى إلى ارتكاب ما دلت الأدلة على أنه شرك أكبر أو كفر أكبر، كدعاء الأموات، أو جحد المعلوم بالضرورة، أو ترك الصلاة، أو استحلال الزنا أو الخمر. وإن اتبع هواه فحلف بغير الله تعالى، أو راءى بعمله، فهو مشرك شركا أصغر. وإن اتبع هواه ففعل بدعة غير مكفّرة فهو مبتدع. وإن اتبع هواه ففعل كبيرة كالزنا أو شرب الخمر من غير استحلال، فهو فاسق. وإن اتبع هواه ففعل صغيرة، فهو عاص غير فاسق. وبهذا تعلم أن إتباع الهوى يقود إلى أمور متفاوتة، فلا يصح أن يقال: إن من اتبع هواه فهو كافر بإطلاق ).
[ ١٣١ ]
قلت: فأهل البدع هم الذين يخرجون على الله ﷿ وعلى رسوله ﷺ بآرائهم وأهوائهم، وأهل الرقص والسماع من غلاتهم (^١) تعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا، وقال إبراهيم النخعي رحمة الله عليه: "لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفرٍ لما غسلته ألتمس الفضل في إتباعهم" (^٢). وفي لفظ قال: "لو بلغني أنّهم لم يجاوزوا ظفرًا لما جاوزته وكفى بقوم وزرًا (^٣) أن يخالفوا أعمالهم" (^٤). [ق ٥٢ / ب] وروي عن عبد الله بن عمرو بن عوف [عن أبيه] ﵀ أن النبي ﵇ قال: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي كَانَ لَهُ الأَجْرُ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٍ" (^٥).
_________________
(١) وهذه مبالغة منه ﵀، بل هم من جمله العصاة، وبدعتهم غير مكفرة إلا إن قادهم ذلك إلى الوقوع فيما يخرجهم من الملة كما سبق التنبيه عليه.
(٢) أخرجه ابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٦١) (٢٥٤).
(٣) كذا بالأصل، وفي الإبانة: " إزراء".
(٤) أخرجه ابن بطة في المصدر السابق نفس الموضع برقم (٢٥٥).
(٥) إسناده ضعيف – أخرجه الترمذي في "سننه" (٤/ ٣٤٢) (٢٦٧٧)، وقال: حسن، وابن ماجه في "سننه" (١/ ٧٦) (٢٠٩، ٢١٠)، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" (ص/١٢٠) (٢٨٩)، والبزار في "مسنده" (٨/ ٣١٤) (٢٣٨٥، ٢٣٨٦)، وغيرهم من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال: حدثني أبي، عن جدي به، وإسناده ضعيف فيه كثير بن عبد الله، قال عنه الذهبي في "الكاشف": " واه، قال أبو داود: كذاب"، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف، أفرط من نسبه إلى الكذب ".
[ ١٣٢ ]
وروي أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس إيّاكم والبدع إيّاكم ومخالفة السنة، والذي نفسي بيده لا يبتدع رجل شيئًا ليس في سنتي ولا في سنّة أصحابي إلا كان ما خالف خيرًا له ممّا ابتدع، ولا تزال به بدعة حتى يجحد جميع ما جئت به" (^١). وقال ﷺ: "ما ابتدع بدعة إلا رفع مثلها من السنة" (^٢)، وقال ﵇: "شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا" (^٣) وقال ﵇: "كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ" (^٤) قال ابن عمر ﵁: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (^٥).
_________________
(١) صحيح - أخرجه ابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٣٨) (٢٠٣)، وابن بشران في "أماليه" (ص/١٠) (٣٠٨) من طريق عبدالزيز بن عبدالصمد عن أبي عمران الجوني عن أبي فراس رجل من أسلم مطولا به، ورواته ثقات، وقد اختلف العلماء في أبي فراس هل هو ربيعة بن كعب بن مالك، أو غيره، والأقرب أنهما واحدكما جاء تسميته في بعض طرق الحديث عند ابن بشران (١٢٦٧): ثنا أبو عمران الجوني، عن أبي فراس اسمه ربيعة بن كعب رجل من أسلم.
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه أحمد في "مسنده" (١/ ٣٣٨) (٢٠٣)، والبزار في "مسنده" (١/ ٨٢ - كشف) (١٣١)، والمروزي في "السنة" (ص/٣٢) (٩٧)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٣١٦)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/ ١٠٢) (١٢١)، وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٤٨) (٢٢٤) من طريقأبي بكر بن أبي مريم عن حبيب بن عبيد عن عضيف بن الحارث مطولا به، وأبو بكر بن أبي مريم قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال عنه ابن حجر في "التقريب": "ضعيف"، وعضيف مختلف في صحبته.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) سبق تخريجه.
[ ١٣٣ ]