فصل
وقال يزيد بن هارون: التغبير بدعة وضلالة، وما يغبر إلا فاسق، ومتى كان التغبير اسما للمحدث، فكذلك التغبير اسم قد أحدث لهذا السماع المحدث، وكان في الزمن الأوّل يقولون لأقوام يذكرون الله تعالى بدعاء وبتضرّع يغبرون. قاله أبو الليث، كما قال قائلهم: عبادك المغبرة رشّ عليهم المغفرة، وقال أبو إسحاق الزجاج: قيل للذين يقولون القصائد في الزهد المغبرون، والواحد مغبر؛ لأنّه يزهد في الشيء الفاني، وترغب في الشيء الباقي، وكان الشافعي ﵀ يكره التغبير ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلون به [الناس] عن القرآن، فإذا كان الشافعي ﵁ يقول لقوم يقولون القصائد في الزهد أنّهم زنادقة، فما عسى كان يقول في أهل الرقص واستماع الأغاني والشبابات مع الدفوف المزوقة الجلاجل بحضرة أحداث المرد والنّساء وغير ذلك [ق ٧٧ /أ] من المشتهيات بعد ملء بطونهم من ألوان الطعام من الشبهة والحرام ومن غنائهم:
شم الحاجب المقرون والمقلة الكحلا وقل لي فدتك النفس أيّهما أحلا (^١)
_________________
(١) كذا بالأصل، وقد سبق هذا البيت.
[ ١٨٥ ]
وأقبح منه قبّحهم الله وقبح قومًا ينتمون إليهم ويحبّونهم، وقد جاء في القرآن بنعت أهله وصفتهم وغيّهم وغي أتباعه وأتباع أهله لكذبهم. قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، وقد جمع الله تعالى في هذه الآية أوصاف قائليه وسامعيه ومتبعيه، ونزّه المؤمنين والصالحين والذاكرين من استماعه وإتباع أهله، وبيّن الله تعالى ﷿ في آخر الآية أوصاف المتأوّلين في ظلمهم لأهل القرآن، وتعظيمهم للشعراء، وسيقفون بين يدي الله تعالى إذا انقلبوا إليه أيّ شيء قصدوا من النصر للشعراء ولمستمعيهم والمدح لأهله واللهج به فيهم، فليستعدّوا لله ﷿ جوابًا إذا قال لهم: "ما ألهاكم عن ذكري وعن محكم كتابي وما خدعكم عن معظم آياتي وتلاوتها".
[ ١٨٦ ]
نعوذ بالله من سوء الاقتداء والاشتغال بما يؤدي إلى مهالك العطب [ق ٧٧ / ب] والردي، ألا فتدبروا هذا الكلام بعقولكم وحسّكم، واعلموا أنّ التصوف والمشيخة والفقر وذكر الله تعالى ﷿ غير حديث سعدي وليلى، ألا وهذه الطائفة المخالفة المشتغلة بالرقص والبطالات، وباستماع الأغاني والشبابات وبصحبة أحداث المرد وأهل الحوادث والضلالات أن من عادتهم وعادة مشايخهم الكذب على نبيّنا محمد ﷺ في أشياء كثيرة ولا يحصيها إلا الله تعالى، كما أن اليهود كذبوا على نبيّهم هارون ﵇ وذلك سنة لهم من سنن اليهود وهي ما زادوا من افترائهم وكذبهم في كتاب الله ﷿ التوراة، قالوا: إن نبيّ الله تعالى هارون ﵇ قال لبني إسرائيل: اقلعوا إلى أقراط الذهب من آذان نساءكم وأبناءكم وبناتكم، فأتوني بها فأفرغها، فجعلها لهم عجلًا جسدًا له خوار، قالوا: ثم أمر هارون أن ينبني مذبحًا بين يدي العجل، ثم قال: غدًا عيد السيد، فلما جاء موسى ﵇ وجد بني إسرائيل عراة بين يدي العجل يغنون ويرقصون، قالوا: وكان هارون قد عراهم بجهالة قلبه، ألا فهذا ما فعل السامريّ عدوّ الله أضافوه إلى نبيّ من [ق ٧٨ /أ] من أنبياء الله تعالى، وكذلك الأراذل والسفهاء منّا أضافوا ما فعل رؤساؤهم الجهّال من أعداء الله إلى نبيّه، المصطفى ﷺ ورسوله المجتبى وحبيبه المرتضي، أشياء، بافترائهم وكذبهم، ألا فاعتبرها عقول اليهود، وانظروا كيف يجوز أن يقولون على نبيّ من أنبياء الله ﷿ بأن يتّخذ عجلًا للعبادة من دون الله تعالى، ثم يرقص هو وهم تعظيمًا للعجل أنه إلههم، فما أشبه عقول قوم استحسنوا الرقص واستماع الأغاني والشبابات بعقول اليهود في تجويزهم على نبيّ من أنبياء الله ﷿ أن يتخذ إلهًا يتعبد له اليهود بالرقص والقربى من دون الله ﷿، ألا فقوم يزعمون أنهم يستمعون إلى الغناء المطرب والشبابات ويرقصون شوقًا إلى الله تعالى ومحبته له ويرقصون بين يديه ويتواجدون له، فإلههم عجلًا جسدًا له خوار. قال بعض العلماء ﵃: الرقص والتواجد أوّل من أحدثه أصحاب السامري لمّا اتخذوا لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا ورقصوا حوله وتواجدوا، فهو دين الكفّار وعبدة العجل، فمن تشبّه بهم فهو بلا شك منهم.
وأقول شعرا:
ولا يبالون غنوا أم تلوا سورًا سيان أن رقصوا [ق ٧٨ / ب] لله أو ركعوا
[ ١٨٧ ]
أولئك اعتقدوا أن الإله لهم يحل في كلما تستحسن [الشبع وا] (^١)
كذاك متخذي العجل الأولى رقصوا من حوله ونهوا عنه فما رجعوا
وإنما فتنوا لما رأوا جسدًا له خوار وراق القوم ما اخترعوا
قالوا إلهكم ذا فاعبدوه وذا إله موسى فضلوا بئس ما صنعوا
بالسامري اقتدوا في رقصهم وهم له إذا رقصوا من بعده تبعوا
فالكهل والطفل منهم يرقصان فما للكهل عقل ولا في الشيب ما يزعوا
در يصبوا مثل صبا الأطفاليا عجبًا من شيخهم كيف يخزى وينقمعوا (^٢)
ليس فيهم رشيد عالم ينهي فظن الجهوا (^٣) فيستحي ويرتدعوا
هم الحلولية الكفار مثلهم في الحج إلا إذا تابوا أو ارتجعوا
يسمون صوفية كلا لو أنهم صوفية عصموا من زيفهم ورعوا
وصانهم ربّهم عن شرّ ما عملوا أو يحصدوا من فعال الخير ما زرعوا
ألا ولو علموا ايش الذي اعتقدوا وما شيوخ الهوى من قبلهم وضعوا
إذًا لتابوا إلى ذي العرش من بدع قد أحدثوها وشرع موبق شرعوا
لكنهم جهلوا أصل الذي ذهبوا إليه حتى عموا عما إليه دعوا
غدوا حيارى عن الحق المبين فلا [ق ٧٩ /أ] لداعي الحق لما أن دعا أن (^٤) سمعوا
لا يعرفون سوى رقص ومأكله من التصوف أو نوم إذا اضطجعوا
_________________
(١) كذا بالأصل. ولعلها: الشيعُ
(٢) البيت مكسور في شطريه!
(٣) الجهو من الحياء.
(٤) نرى أن هذه اللفظة زائدة عن الوزن والأولى حذفها.
[ ١٨٨ ]
فإن اعترض معترض وقال أنت تنشد الأشعار وتهجوا أقوامًا على المنابر والكراسي وتنهانا عن الغناء والاستماع إليه، وتحذر الناس منه ومن أهله. فأقول: الفرق بيني وبين غناهم بالأشعار في الأوصاف ملحنة وما يتبعها ظاهر، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه "أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المسجد" (^١). رواه النسائي وأبو داود، ورخّص لحسّان ﵁، فروى سعيد بن المسيّب ﵁ قال: مرّ عمر ﵁ بحسان ﵁ وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد أنشدتُ فيه بحضرة من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة ﵁ وقال: أسمعت رسول الله ﵇ يقول: "أجبّ عني اللهم أيده بروح القدس"؟ قال أبو هريرة: اللهم نعم" (^٢).
_________________
(١) حسن - أخرجه أبو داود في "سننه" (١/ ٢٨٣) (١٠٧٩)، والترمذي في "سننه" (٢/ ١٣٩) (٣٢٢)، وقال: حسن، والنسائي في "سننه" (٢/ ٤٧ - ٤٨) (٧١٤، ٧١٥)، وابن ماجه في "سنه" (١/ ٢٥٢) (٧٦٦)، وأحمد في "مسنده" (١١/ ٢٥٧) (٦٦٧٦)، وغيرهم من طريق ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه «نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والاشتراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة» واللفظ للترمذي وإسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤/ ١١٢) (٣٢١٢)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ١٩٣٢) (٢٤٨٥) من طريق سفيان عن الزهري عن ابن المسيب به، وفي رواية مسلم عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن عمر فذكره.
[ ١٨٩ ]
وأورد طاهر حديثًا أن لحسّان كان ينصب له المنبر ويهجوا المشركين منافحة عن رسول الله ﷺ (^١) وراويه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد قال فيه الإمام أحمد مضطرب الحديث، وقال النسائي ضعيف، وكان ابن مهدي لا [ق ٧٩ / ب] يحدث عنه، وقال يحيى مرّة: لا يستوي حديثه فلسًا (^٢)، وقد رواه البخاري ولم يسنده؛ لأنه لم يثبت عنده، وإنما قال وقال ابن أبي الزنّاد (^٣)
_________________
(١) أخرج أبو داود في "سننه" (٤/ ٣٠٤) (٥٠١٥)، والترمذي في "سننه" (٥/ ١٣٨) (٢٨٤٦)، وأحمد في "مسنده" (٤٠/ ٤٩٥) (٢٤٤٣٦)، والحاكم في في "المستدرك" (٣/ ٥٥٤) (٦٠٥٨، ٦٠٥٩)، وغيرهم من طريق عبدالرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة، وكان أحيانا يقر معه أباه أبا الزناد عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله ﷺ: فقال رسول الله ﷺ: «إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله ﷺ» وابن الزناد قال عنه في "التقريب": " صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها" وهذه الرواية ليثست من رواية أهل بغداد عنه، فهي صحيحة، وقال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٩٩): (قال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث عبدالرحمن بن أبي الزناد، يعني تفرد به، وهو ثقة عند الجمهور، وتكلم فيه بعضهم بما لا يقدح فيه، ولبعض حديثه شواهد في الصحيحين عن البراء وغيره).
(٢) ووثقه العجلي والترمذي، وقال ابن المديني: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد، أفسده البغداديون.
(٣) قال ابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/ ٢٩٩): (ذكر المزي في "الأطراف" أن البخاري أخرج هذا الحديث في الصحيح تعليقا فقال: قال عبدالرحمن، فذكره، ولم أقف عليه إلى الآن في صحيح البخاري) ..
[ ١٩٠ ]
والحديث الصحيح المعروف لم يذكر فيه المنبر وإنما كان حسان بن ثابت يهجوا المشركين ليكفّ أذاهم عن المسلمين، وكان جهادًا باللسان لما صحّ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة الحقّ عند أمير جائر" (^١) اعلم أنه إنما صار هذا أفضل من الجهاد للكفّار؛ لأنّك تجاهد الكفار لإعلاء كلمة الله ونصرة من الله، فتقاومهم مع المماثلة في العدد والعُدد ومساعدة المجاهدين لك بالمدد وتأميل الغلبة عليهم، ولم يتيقن تسلّطهم عليك، وهذا الجهاد أيسر وأهون من جهادك الأمير الجائر في أمرك له بالمعروف أو نهيك له عن المنكر، وردّه عن جوره مع وحدتك وقلّة عدّتك، وعدم مساعدك ورؤيتك تسلّطه عليه وغلبته واستشعارك فتكه بك وسطوته، فمحنتك أبلغ وأتمّ، وجهادك أصعب وأعظم، فكان أفضل من كلّ جهاد وأبلغ وأعمّ. وقد روي في الأثر: "أعظم الجهاد كلمة حق عند من يخاف ويرجي" (^٢). قلت: لأن خوف [ق ٨٠ /أ] سطوته ورجاء برّه وصلته يمنعان النفس عن إظهار كلمة الحقّ له، فيعظم جهادها والله أعلم، وها أنا أفعل كما فعل حسان ﵁ وأجاهد (^٣) أعداء الله المبتدعين بلسانه وأكفّهم عن إيذاء المسلمين وأهجو المبتدعين المنافقين منافحة عن رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أسوة حسنة وعن دين الإسلام ولي برسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أسوة حسنة، وأقول شعرا:
يا لائمي كف عن ملامي مقصرا فلأبكين تأسفًا وتحسرًا
_________________
(١) حسن - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ١٢٤) (٤٣٤٤)، والترمذي في "سننه" (٤/ ٤٧١) (٢١٧٤)، وقال: "حسن غريب"، وابن ماجه في "سننه" (٢/ ١٣٢٩) (٤٠١١)، وغيرهم من طريق إسرائيل عن محمد بن جحادة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري بنحوه، وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفي وعنعنته وهو مدلس، ورواه الحميدي في "مسنده" (٢/ ١٧) (٧٦٩)، وأحمد في "مسنده" (١٧/ ٢٢٧)، وغيرهما من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري مطولا بنحوه، وابن جدعان ضعيف، وللحديث شواهد يقوى بها عن أبي أمامة، وسمرة وطارق بن شهاب.
(٢) ذكره القشيري في "الرسالة القشيرية" (١/ ٢٣٥) من قول بشر بن الحارث، ولفظه: "أشد الأعمال ثلاثة: الجود فِي القلة والورع فِي الخلوة وكلمة الحق عِنْدَ من يخاف منه ويرجى".
(٣) بالأصل: "واجهاد".
[ ١٩١ ]
أسفًا على الإسلام يفض كيف يشينه بجهّال البرية (^١) مفترا
الرقص والتصفيق قد شرعاهما في سائر الآفاق أوباش القرى
صار الحمير مشايخًا في عصرنا هذا فأصبح ديننا واهي العرى
من كل جلف كالحمار مدمع قد عاش دهرًا ما استفاد ولا قرا
شيئًا من العلم المشرف أهله لكنّه يأتي الورى متنمرا
وتقوم أوباش الخليقة خلفه فكأنه كلب ثنا الجراء (^٢)
نحو الجفان من الذين عقولهم قد غيبت من تحت الطباق الثراء (^٣)
فالجهل ينفق في البرية أهلَه والعلم راح بكده لا يشترى
فإذا تكلم عالم بعلومه قالوا بجهل إن هذا [ق ٨٠ / ب] منكرا
وإذا السفيه بمحفل متكلّمًا قالوا أصبت وليس في هذا مرا
فلأبكين مدا الزمان تحسرًا فلقد كفى في ديننا ما قد جرا
في ديننا الغمر السفيه مقدمًا وفقيهه العلام عنه مؤخرا.
وأقول شعرا:
أقول للائمي في سب قوم جهالتهم تقدر منتهاها
دعاهم حظ أنفسهم فمالوا إليها كالبهائم في هواها
وحسبك من أناس ليس يدري شيوخ القوم منهم ما طحاها
فماذا يأخذ الأتباع عنهم وقد أبدت شيوخهم عماها
ولا فرقان عندهم ليبدو من ابتدع الأمور ومن هجاها
أيا عجبًا فلا عقل رزين ولا ورع تصون به تقاها
فليت الصمت بينهم ليبقى على مستور عورتهم غطاها
لقد لعبت بعقلهم نفوس وأخفت عن سليمهم دهاها
تقمص غيرها في زي نصحّ وتزعم أنها نصحت أخاها
ولو وفقت عقولهم بما قد أراد بها مدبرها كفاها
ولا احتاجت إلى قيل وقال يشيّد عند شيعتها بناها
وكم كادت بنا الحساد كيدًا فأعجزها وأعياها عياها
فما قرت بما راموا عيون ولا بلغت نفوسهم مناها
وأقول:
تفكرت أختبر المدعين بين الموالي وبين العبيد
فألفيت أكثرهم كالسراب يروقك منظره من بعيد
فناديتُ يا قوم من تعبدون فكلّ أشار بقدر الوجود
فبعض أشار إلى نفسه وأقسم ما [ق ٨١ /أ] فوقها من مزيد
وبعض إلى خرقة رقعت [وبعض] إليّ ركوة من جلود
وآخر يعبد أهواءه وما عابد للهوى بالرشيد
ومجتهد وقته ريه إذا فات بات بليل عنيد
وذو كلف باستماع السماع بين البسيط وبين النشيد
يئن إذا ما بدت رنة ويزأر منها زئير الأسود
_________________
(١) كلمة لم أتبينها وما أثبته هو الأقرب لرسمها.
(٢) هكذا بالأصل ولعل الصواب (كلب تنال به الجرا).
(٣) هكذا بالأصل ولعلها (أطباق الثرا)
[ ١٩٢ ]
يخرق خلقانه عامدًا ليعتاض منها ثبوت جديد
ويرمي بهيكله في السعير لقلع الثريد، وبلع العصيد
فيا للرجال! ألا تعجبون لشيطان إخواننا ذا المزيد
يخبطهم بفنون الجنون وما للمجانين غير القيود
وأقسم ما عرفوا ذا (^١) الجلال ولا أثبتوه بغير الجحود
ولولا الوفاء لأهل الوفاء سلقتهم بلسان حديد
فمالي يطالبني بالوصا ل من ليس يعلم ما في الصدود
أضن بودي ويسخوا به وقد كنت أسخوا به للودود
ولكن إذا لم أجد صاحبا يسرّ الصديق ويشجو الحسود
عطفت بودي منّي إليه فغاب نحوسي وآب السعود
فمال قومي على جهلهم بعزّ الفريد وأنس الوحيد
إذا أبصروني بكوا رحمة ونيران أحقادهم في وقود (^٢)
أقول شعرا:
لأني بعدتُ عن المدّعين ولو صدقوا كنت غير البعيد
ولكن لشيطانهم والهوى غدو تبعًا لا يخافوا الوعيد
أعاذنا [ق ٨١ / ب] الله من شيوخ تَشَيَّخوا قبل أن يَشِيْخوا (^٣)
تحادبوا وانحنوا رياء فاحذرهم أنّهم فخوخ
وأقول:
ألا فمذهب أهل الإسلام وأئمتهم أن من ادّعى رتبة تزيد على السيد وعلى أفعال الصحابة رضوان الله عليهم لم يلتفت إليه كائنًا من كان ومن ادّعى أنّ له حالة تخرجه عن منهج الشرع فلا تكون له صاحبًا، فإنه ضرّ بلا نفع.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (^٤)،
_________________
(١) بالأصل (ذو) وهو خطأ.
(٢) وهذه القصيدة لأبي بكر محمد بن عمر العنبري، أديب ظريف، حسن الشعر، من أهل بغداد، كان متصوفًا، وخرج على المتصوفين فذمهم بقصائد أورد ابن الجوزي في تلبيس إبليس إحداها، وله ترجمة في الأعلام (٦/ ٣١٢)، ومعجم المؤلفين (١١/ ٨٨)، وغيرهما.
(٣) بالأصل: "يمشخوا قبل أن يشخوا".
(٤) ضعيف - أخرجه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٣٥) ترجمة رقم (٢١١)، والطبراني في "الأوسط" (٧/ ٣٥) (٦٧٧٢)، والآجري في "الشريعة" (٥/ ٢٥٤٢) (٢٠٣٩)، وغيرهم من طريق الحسن بن يحيى الخشني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا به، وقال ابن حبان: "باطل موضوع" وقال ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٧١): " فيه الخشني. قال ابن عدي: هذا حديث باطل موضوع الخشنى يروى عن الثقاة مالا أصل له. وقال يحيى: ليس بشئ. قال المصنف: قلت وإنما يروي نحو هذا عن الفضيل ونظرائه من أهل الخبرة". ورواه الآجري في "الشريعة" (٥/ ٢٥٤٣) (٢٠٤٠) من طريق أبي الفضل العباس بن يوسف الشكلي قال: حدثنا أحمد بن سفيان المصري قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به، ورواته ثقات غير شيخ المصنف وهو العباس بن يوسف فلم أقف فيه إلا على قول الخطيب: " كان صالحا متنسكا"، والنفس لا تطمئن إليه وخاصة مع حكم جماعة من العلماء على الحديث بالوضع، وانظر الضعيفة (١٨٦٢)، وللحديث شواهد أخرى ضعيفة عن ابن عباس، ومعاذ، وعبد الله بن بسر، وإبراهيم بن ميسرة.
[ ١٩٣ ]
وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا أكل طعامك إلا تقي" (^١). قلت: والتقيّ هو الذي يتّبع آثار النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم. وروي عنه ﵇ أنّه قال: "من بانت بدعته فاجتنبوه" (^٢). وروى مالك بن دينار ﵀ قال: بلغنا أنّ نبيّ الله موسى ﷺ قال: ربّ من أهلك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك. قال: المتحابون بجلالي الطاهرة قلوبُهم، النقيّة أبدانهم الذين إذا ذكروا ذكرتُ بهم، والذين يأوون إلى ذكري كما يأوي النسور إلى أوكارها، والذين يكلّفون بذكري كما يكلّف الصبيّ بأمّه، والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت [ق ٨٢ /أ] كما يغضب النمر إذا حورب" (^٣)، ألا فهذه الطائفة قد استحلّت محارم الله تعالى عقدًا وقولًا وفعلًا، وروي أن مالك بن مغول ﵀ قال: قال عيسى بن مريم ﵉: "تحبّبوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إليه بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاه بسخطهم.
_________________
(١) حسن - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٥٩) (٤٨٣٢)، والترمذي في "سننه" (٤/ ٦٠٠) (٢٣٩٥)، وقال: "حسن"، وابن المبارك في "الزهد" (ص/١٢٤) (٣٦٤)، وأحمد في "مسنده" (١٧/ ٤٣٧) (١١٣٣٧)، والدارمي في "سننه" (٢/ ١٣٠٧) (٢١٠١) وغيرهم من طريق سالم بن غيلان، أن الوليد بن قيس التجيبي، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري، أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، والشاك هو سالم والإسناد الأول يحتمل التحسين، والثاني صحيح.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) إسناده ضعيف - أخرجه البيهقي في "الشعب" (١٢/ ٧٨) (٩٠٧٥) من طريق أبي العباس الأصم، نا الخضر بن أبان، نا سيار، نا جعفر، نا مالك بن دينار، قال: بلغنا أن موسى فذكره، والخضر بن أبان ضعفه الدارقطني والحاكم، كما أن الواسطة بين مالك وموسى مجهولة، ورواه أحمد في "الزهد" (ص/٦٤) (٣٨٩)، وأبو حاتم في "الزهد" (ص/٣٢) (٤)، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" (ص/٢٠) (٣٧) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار - ولم يذكر عطاءا: أبو حاتم - بنحوه، وهذا إسناد منقطع فأين عطاء من سيدنا موسى ﵇.
[ ١٩٤ ]
قالوا: يا روح الله من نجالس؟ قال: جالسوا من تذكّركم الله رؤيته، ومن يزيد في عملكم منطقه ومن يرغبكم في الآخرة عملُه" (^١). وروي أن الحسن البصري ﵀ قال: "إن أهل الأهواء -وفي لفظ قال: إن أهل البدع- بمنزلة اليهود والنصارى" (^٢)، إلا وهذه الطائفة الخبيثة الذين هم أهل الرقص والسّماع أهل الأهواء والبدع والحوادث والضلالات أعظم جرمًا من أهل المعاصي، ألا فتحبّبوا إلى الله تعالى ببغضهم وتقرّبوا إليه بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، فإنّهم أعداء الله وأعداء الإسلام. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: "اجتنبوا أعداء الله اليهود والنصارى في عيدهم يوم جمعهم، فإن السخط ينزل عليهم، فأخشى أن يصيبك" (^٣). ألا فهذه الطائفة الخبيثة ليست من قوم يذنبون ثم يستغفرون، بل هم قوم [ق ٨٢ / ب] زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أي قبيح عمله زيّن له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية [حذف] تقديره وتمثيله، أفمن زيّن له سوء عمله فرأى الباطل حقًّا كمن هداه الله فرأى الحقّ حقًّا والباطل باطلًا.
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص/١٢١) (٣٥٥)، والبيهقي في "الشعب" (١٢/ ٤٨) (٨٩٩٩) من طريق مالك بن مغول به، ومالك من اتباع التابعين، واي هو من الرواية عن سيدنا عيسى ﵇.
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/ ١٤٨) (٢٣٣)، بلفظ: "أهل الهوى"، الهروي في "ذم الكلام" (٥/ ٨) (٧٨٨) بلفظ "أهل البدع" من طريق سليمان بن حرب حدثنا سلام بن مسكين عن يحيى البكاء قال: قال الحسن فذكره، ويحيى البكاء قال عنه الذهبي في "الكاشف"، وابن حجر في "التقريب": "ضعيف".
(٣) إسناده ضعيف - ذكره البخاري معلقا في "تاريخه الكبير" (٤/ ١٤) (١٨٠٤) مختصرا ووصله البيهقي في "الشعب" (١٢/ ١٨) (٨٩٤٠) من طريق ابن أبي مريم أنا نافع بن يزيد سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو بن الحارث سمع سعيد بن سلمة سمع أباه سمع عمر ابن الخطاب فذكره، وسلمة أبو سعيد هو ابن أبي الحسام لم أقف على ترجمته.
[ ١٩٥ ]