فصل
وأما الردّ على هذه الطائفة الخبيثة المخالفة من استماعهم إلى المزامير والشبابات فمن وجوه كثيرة، فمنها ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الطبل والمزمار" (^١). هذا حديث أخرجه الإمام أبو بكر الخلال ﵀ في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (^٢)، وفيه عن أبي هريرة ﵁ "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن كسب زَّمَّارَة" (^٣)،
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرج الآجري في "تحريم النرد والشطرنج والملاهي" (ص/٢٠٠) (٦٣) من طريق أبي القاسم إبراهيم بن الهيثم الناقد، حدثنا داود بن رشيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن ميمون، عن مطر بن سالم، أن علي بن أبي طالب، ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ضرب الدف ولعب الطبل وصوت الزمارة» وتابع داودا: عثمان بن أبي شيبة عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٥/ ٤٠٩)، ولكنه قال: "الصنج" بدل "الطبل"، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٤٧٢٩): " وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ مطر هذا مجهول، كما في "الميزان". وعبد الله بن ميمون؛ الظاهر أنه داود القداح المخزومي المكي؛ قال الحافظ: "منكر الحديث، متروك"".
(٢) لم أقف عليه عنده.
(٣) صحيح - أخرجه الخلال في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (ص/٦٧) من طريق عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا شعبة، عن محمد بن جحادة، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ «نهى عن كسب الزمارة»، وقال الدارقطني في "العلل" (١١/ ٢٣٣): (يرويه شعبة، عن محمد بن جحادة، واختلف عنه؛ فرواه عبد الله بن أيوب المخرمي، عن روح بن عبادة، عن شعبة، وقال: عن محمد بن جحادة، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة، ووهم فيه، وإنما رواه محمد بن جحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة) وتابع روحا: مسلم بن إبراهيم عند البخاري في "صحيحه" (٣/ ٩٣) (٢٢٨٣) فرواه عن شعبة، عن محمد بن جحادة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، قال: «نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء» وهذا مفسر لمعنى الزمارة، قال البغوي في "شرح السنة" (٨/ ٢٣): (الزَّمَّارَةُ: هي الزانية، وقال أحمد بن يحيى: هي البغي الحسناء. قال الإمام: النهي عن كسب الزمارة، معناه ما صرح به في الحديث الآخر، وهو مهر البغي .. قال الأزهري: ويحتمل أن يكون نهى عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير، أي: حسن ).
[ ١٩٦ ]
وأخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن المقير البغدادي (^١) بقراءتي عليه بمكة تجاه الكعبة شرفها الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة (^٢) بإسناد متّصل إلى نافع مولى بن عمر ﵁ أن ابن عمر سمع زمارة راعٍ، فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع: أتسمع فأقول نعم.
_________________
(١) الشيخ، المسند، الصالح، رحلة الوقت، أبو الحسن علي ابن أبي عبيد الله الحسين بن علي بن منصور، ابن المقير البغدادي، الأزجي، المقرئ، الحنبلي، النجار، نزيل مصر. ولد: ليلة الفطر، سنة خمس وأربعين وخمس مائة. حدث ببغداد، ثم قدم دمشق في سنة اثنتين وثلاثين، فحدث، وأقام بها نحوا من سنتين، ثم حج، وحدث بخيبر، وبالحرم، وجاور، ثم سار إلى مصر، وروى بها الكثير. كان شيخا صالحا، كثير التهجد والعبادة والتلاوة، صابرا على أهل الحديث. مات في نصف ذي القعدة، سنة ثلاث وأربعين وست مائة. له ترجمة في: تاريخ الإسلام (١٤/ ٤٥٨) (٢٢٠)، السير (٢٣/ ١١٩) (٩٢)، الأعلام (٤/ ٢٧٩)، وغيرها.
(٢) كذا بالأصل، وهو خطأ ظاهر؛ لأن المؤلف ولد في هذه السنة، ولعله قرأ عليه قرب وفاته سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين فكان ابن سبع، أو ثمان سنين في هذا الوقت.
[ ١٩٧ ]
قال: فمضى [ق ٨٣ /أ] حتى قلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه وأعاد الراحلة إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع صوت زمارة راعٍ، فصنع مثل هذا" (^١) هذه رواية الإمام أحمد. وفي رواية أبي داود قال: كنت مع ابن عمر ﵁ في طريق، فسمع مزمار فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق إلى الجانب الآخر، ثم قال لي بعد أن نأى: يا نافع! هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع رسول الله ﵇، فسمع صوت راعٍ، صنع مثل ما صنعت. قال نافع: وكنت إذ ذاك صغيرًا (^٢). وفي رواية أخرى له: قال: كنت رديف ابن عمر ﵁ إذا مرّ براع، فذكر نحوه وفي لفظ آخر له في حديثه: كنت مع رسول الله ﷺ، فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا، ولم يذكر قول نافع كنت صغيرًا. هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده ورجال إسناده كلّهم أئمة ثقات، مخرج عنهم في الصحيحين البخاري ومسلم جميعًا، ألا أيّها الناس إذا كان هذا فعلهما مع جلالة قدرها ورفيع منزلتهما في صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء هذا الزمان وزمرهم (^٣)
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٨١) (٤٩٢٤)، وأحمد في "مسنده" (٨/ ١٣٢) (٤٥٣٥)، وغيرهما من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن نافع، مولى ابن عمر، أن ابن عمر فذكره، وقال أبو داود: "حديث منكر"، والوليد يدلس ويسوي، ولابد ولأن يصرح بالتحديث حتى نهاية السند، ولكنه لم ينفرد به بل تابعه عمر بن سعيد التنوخي عند ابن أبي الدنيا في "الورع" (ص/٦٨) (٧٩)، ومخلد بن يزيد عند أحمد (٩/ ٢٤) (٤٩٦٥)، وأبو مسهر عبد لأعلى بن مسهر عندأبي نعيم في "الحلية" (٦/ ١٢٩) والبيهقي في "السنن الصغير" (٤/ ١٧٧) (٢٣٥٨)، ومداره على: سليمان بن موسى قال عنه البخاري: "عنده مناكير"، ولم ينفرد به سليمان بل تابعه: المطعم بن مقدام عند أبي داود في "سننه" (٤/ ٢٨٢) (٤٩٢٥)، والطبراني في "الصغير" (١/ ٢٩) (١١)، وميمون بن مهران: عند أبي داود في "سننه" (٤/ ٢٨٢) (٤٩٢٦)، والطحاوي في "المشكل" (١٣/ ٢٤٧) (٥٢٣٧)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٤٠) (١١٧٣)، والحديث حسنه الشيخ الأرناؤوط بهذه المتابعات.
(٢) ذكره التبريزي في مشكاة المصابيح بهذه الزيادة، وعزاه لأحمد وأبي داود ولم أقف عليها عندهما.
(٣) بالأصل: " وزمورهم" ..
[ ١٩٨ ]
مع الدفوف المزوقة [ق ٨٣ / ب] بالجلاجل، وما ذكرنا في هذا الحديث نصّ صريح، وحجّة قاطعة في تحريم سماع الزمور والشبابات وما يجري مجراهما، وردّ على من يترخص في سماعها، فصح وثبت؛ لأن الإمام العلامة أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي المعروف بالشيخ الموفق (^١) ﵁ قال: "وهذا مبالغة من النبيّ ﷺ لسدّه أذنيه وعدوله عن الطريق ولم يكتف بأحدهما عن الآخر، ولأنها من المزامير وما بلغنا [عن] أحد عن العلماء الرّخصة في المزامير فهي كالطنبور، بل هي أغلظ، فإنه ورد فيها ما لم يرد في غيرها" (^٢)، ألا وعلى كلّ حال فهي منهي عنها وليس هي من شأن أهل الدّين، فمن جعلها قربة وطريقة إلى الله ﷿، فالمنصوص عند أهل العلم أنه يكفر (^٣)،
_________________
(١) سبقت ترجمته.
(٢) فتيا في ذم الشبابة والرقص والسماع لابن قدامة مخطوط (ورقة ٢ /وجه أ).
(٣) وقد سبق عدة مرات توجيه هذا الإطلاق ..
[ ١٩٩ ]
وذلك أن المعاصي لا يتقرب بها إلى الله سبحانه وهو خلاف لجميع علماء الأمصار، وقد ذهب بعض من يتأول في سماع ذلك من المحدثين ما ليس في مذهب المحدثين إلى تأويل يترخص أخطأ فيه ولم يوفق للصواب وإتباع السنّة والكتاب، فقال: لو لم يجز سماعها لما كان نافع يستمع ويخبر ابن عمر، وكذلك ابن عمر أخبر النبيّ ﵇ فعل ذلك، ولم ينه ابن عمر مولاه عن سماعها (^١)
_________________
(١) قال العظيم آبادي في عون المعبود نقلا عن السيوطي في مرقاة الصعود: (واعترض بن طاهر على الحديث بتقريره ﷺ على الراعي وبأن بن عمر لم ينه نافعا وهذا لا يدل على إباحة لأن المحظور هو قصد الاستماع لا مجرد إدراك الصوت لأنه لا يدخل تحت تكليف فهو كشم محرم طيبا فإنما يحرم عليه قصده لا ما جاءت به ريح لشمه وكنظر فجأة بخلاف تتابع نظره فمحرم وتقرير الراعي لا يدل على إباحة لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤيته أو بعيدا منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفا فلم يتعين الإنكار عليه) وذكر أيضا توجيه نقله عن الشوكاني بأن الراعي قد يكون لم يبلغ الحلم، وقال: (قال الخطابي في المعالم المزمار الذي سمعه بن عمر هو صفارة الرعاء وقد جاء ذلك مذكورا في هذا الحديث من غير هذه الرواية وهذا وإن كان مكروها فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غلظ الحرمة كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون ولو كان كذلك لأشبه أن لا يقتصر في ذلك على سد المسامع فقط دون أن يبلغ فيه من النكر مبلغ الردع والتنكيل) ..
[ ٢٠٠ ]
وهي محرّمة في حقّ النبي ﵇ [ق ٨٤ /أ] خاصّة ومباح لغيره سماعها، وليس ذلك كما زعم بجهله وتأوّل بقلة عقله؛ لأنه غفل عن الحقّ، ونزل عن درجة الصدق، وتعدى عن الأخذ بالجزم وأخطأ بهذا التأويل البعيد الذي لم يقله أحد من أهل التقليد والتوحيد، وإنّما قال ذلك من حادّ الله ورسوله ولم يخش يوم الوعيد، وإنّما جاز لنافع ولمولاه ابن عمر ولمن فعل مثل فعلهما سماع شبابة لأجل الضرورة؛ لأن عمر ﵁ عدل عن طريقه التي قصد إليها وسدّ مسامعه عن سماعها، فاحتاج أن يعلم بانقطاع الصوت المحرّم عليه سماعه؛ ليرجع إلى طريقه [و] يكشف عن سمعه؛ لأنه قد كان ترك طريقه التي هو ذاهب فيها وسدّ مسامعه، ولم يمكنه أن يعلم ذلك، فرخّص لمولاه نافعًا أن يسمع ويخبره، وهذه الحال حال ضرورة، وعند الضرورة يباح المحظور المحرّم، والدليل على ذلك أن النّظر إلى العورة من الإنسان محرّم، ثم عند الضرورة يباح للطبيب والخاتن أن ينظر إلى العورة، وكذلك أنّ شك في إنبات الغلام والجارية وبلوغها جاز أن ينظر إلى عورتهما، ومثل ذلك كثير يباح عند الضرورات استعماله مثل مداواة الرجل للمرأة الأجنبيّة إذا كان لها مرض يخاف [ق ٨٤ / ب] عليها التلف منه، فله أن ينظر إلى جسدها وشعرها ومثل أن يشق خراجة تكون بها ويحسّ جسدها لقطع العرق، ومثل إذا غصّ الرجل عند الأكل باللقمة ولم يكن عنده ما يسيغها به وجد شرابًا محرّمًا شُربه له أن يشرب ما يسيغ به لقمته ولا شيء عليه؛ لأنه يرفع به عن نفسه التلف، وكذلك هاهنا إذا ابتلي إنسان بمثل ذلك في طريق سواها جاز له أن يفعل كما فعل نافع، وكما فعل مولاه ابن عمر ﵁، وأمّا أن يقعد إلى سماع ذلك وهو مندوب إلى تركه، فلا، ولأن النبي ﷺ قال: "بعثت بمحو المزامير وكسرها" (^١)،
_________________
(١) ضعيف جدا - أخرجه وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (ص/١٢٩) (٨٤)، والآجري في "تحريم النرد" (ص/١٩٤) (٥٩)، وغيرهما من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية، حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا موسى بن عمير عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بكسر المزامير والمعازف، وأقسم ربي ﷿، لا يشرب عبد في الدنيا خمرا إلا سقاه الله يوم القيامة حميما معذبا أو مغفورا له» ثم قال رسول الله ﷺ كسب المغنية والمغني حرام وكسب الزانية سحت وحق على الله ﷿ ألا يدخل الجنة لحم نبت من سحت "وإسناده ضعيف جدا فيه موسى بن عمير قال عنه في "التقريب": "متروك وقد كذبه أبو حاتم"، ورواه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٣١٧) من طريق عبد الله بن محمد ناجية، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا محمد بن الفرات، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي ﷺ بعثني ربي ﷿ بمحق المزامير والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية الحديث"، وفيه محمد بن الفرات قال عنه الذهبي في "الكاشف": "كذبه أحمد"، وقال عنه ابن حجر: "كذبوه" وشيخه هو السبيعي يدلس وقد عنعنه، وشيخه هو الأعور قال عنه في "التقريب": " فى حديثه ضعف، كذبه الشعبى فى رأيه، ورمى بالرفض".
[ ٢٠١ ]
وأمّا قول المتأوّل إنما التحريم في حق النبي ﵇ خاصّته، فأخطأ في قول ذلك أيضًا وحادّ عن الحقّ؛ لأن النبي ﵇ لم يخّص بتحريم شيء دون أمّته، فإذا حرمه الله تعالى أشياء ونهاه عنه فهو عام في حقّه، وفي حقّ أمته وإنّما خصّه الله تعالى بأشياء في العبادات مثل قيام الليل، والسواك، والوتر، والوصال في الصوم، وغير ذلك ممّا نقل عنه، فأمّا التحريم في استماع الزمر والشبابة فلا يجوز أن يقال خاصًّا في حقّ النبيّ ﵇، بل هو عامّ له ولأمته في تحريمه، فأمّا رجل [ق ٨٥ /أ] يدّعي الصلاح والزهد مجاهدًا لنفسه قد حبسها في رباط منعزل عن المخالطة والاجتماع بالناس يزعم بجهله أن سماع الشبابة وما يجري مجراها من صوت العزف الذي يعمله سفهاء الأكراد والأعاجم والفلاحين صلاحًا لقلبه ولنفسه ويتبع قول من أخطأ في تأويله بإباحته، ويعتمد عليه بل هو فساد لقلبه وشغل لنفسه عمّا أمر به من الذكر وترك اللغو وهو يعلم قطعًا يقينًا أنّه إذا ميّزت غدًا أعمال الحقّ والباطل كان الغناء والرقص والشبابة مع الباطل لا مع الحقّ، فأين يذهب عن الحق والصواب إلى ما يؤدي إلى المحق والتباب (^١)؟ فما هذا من أعمال الصالحين والزهاد، ولا فعل من يخاف يوم المعاد، فأين هو من قول رسول الله ﷺ، وقد شكا إليه رجل قساوة يجدها في قلبه، فقال له: "عليك سماع القرآن وتلاوته وكثرة الذكر ودراسته" (^٢)، فهل يحسن بالإنسان العاقل أن يعدل عن الذكر وسماع القرآن إلى سماع مزمار الشيطان ويتخذ ذلك قربة إلى الرحمن، بل يجب عليه أن يغلب نفسه على هواها ويصرفها عن ذلك ويقبل على ذكر الموت [ق ٨٥ / ب] ليكسرها به، ففي ذكر الموت والبعث والعرض والنشور والحساب ما يليّن
_________________
(١) أي الخسران والهلاك.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما ورد من حديث أبي الدرداء ﵁ قال أتى النبي ﷺ رجل يشكو قسوة قلبه قال أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) والحديث قواه الشيخ الألباني بطرقه وشواهده وانظر "الصحيحة" (٨٥٤).
[ ٢٠٢ ]
القلوب الصلاب، ويشغل النفوس عن الخوض في الترهات وتضييع الأوقات، فإن قيل: لم لم يأمر (^١) النبي ﷺ بكسرها ومنع الراعي عن نشرها، قيل: إنّما كان هذا في بدء الإسلام، وكان ذلك الراعي في جبل بعيد عن طريق النبي ﵇، وهذا كان قبل الفتح وظهور الإسلام، فلما ظهر الإسلام وانتشر وأسلم القوم [و] حرمها الله لم يعودوا [لـ]ـذلك، والدليل عليه ما أمر النبي ﷺ جميع أصحابه بمحو المزمار والطنبور والكوبة، وهي الطبل ومحو الصور في البيوت، ونهى عن جميع الفواحش والملاهي وكلّ ما شغل عن طاعة الله ﷿ لمّا ظهر الإيمان ودخل الإسلام على جميع الأعراب، فإن قيل: فإن ابن عمر ﵁ قد عاش بعد النبي ﷺ بضعًا وستين سنة، فلما [ما] كسر زمارة إذا سمعها؟ قيل له: كان سماعه ذلك في زمن الفتنة ومجيء أهل الشام إلى مكّة لقتل ابن الزبير ﵁ مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ [ق ٨٦ /أ] الفاسق، وهو كان أميرهم، وكان ابن عمر قد خرج عازمًا على الحج والعمرة وقال: إن صددت عن البيت فعلت كما فعل النبي ﷺ، وكان ابن عمر ﵄ قد اعتزل الفتنة وما يجري من الحروب بعد قتل عثمان ﵁، فلو أنه كسر مزمار الفاسق من أهل الشام كان ذلك يؤدي إلى القتال، ففعل كما فعل النبي ﷺ عند الضرورة، وليس لمن استنّ بفعل الفسّاق دليل يقول عليه ولا تأويل يرجع إليه فقد روي أن أبا عثمان النهدي رحمة الله عليه وكان من كبار التابعين قال: "ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا ولا صَنْجا (^٢) أحسن من صوت أبي موسى ﵁ إن كان ليصلّي بنا فنودّ أنه قرأ البقرة من حسن صوته" (^٣)
_________________
(١) الأصل: " لم لا أمر".
(٢) الصَنْجُ الذي تعرفه العرب، وهو الذي يتَّخذ من صُفْرٍ يُضرَب أحدهما بالآخر. وأمَّا الصَنْجُ ذو الأوتار فيختصُّ به العجم. وانظر الصحاح مادة (ص ن ج).
(٣) رواه أبو بكر الشافعي في " الغيلانيات" (ص/١٩٠) (١٦٣) ..
[ ٢٠٣ ]
وكان أبو عثمان النهدي قد أدرك الجاهلية وبلغ من العمر مائة وثلاثين سنة، فلأجل ذا قال: ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا -يعني في الجاهلية- قبل أن يسلم، فأما في الإسلام فمعاذ الله أن يسمعوا ما حرّم الله تعالى عليهم، وقد نزههم الله عن ذلك وأثنى عليهم في القرآن، ولقد كان عبد الله بن مسعود وأصحابه علقمة والأسود وزر وأبو وائل وشريح رضوان الله عليهم بالكوفة يأخذون الدفوف والمزامير والطبول الصغار من أيدي الغلمان والجواري [ق ٨٦ / ب] الصغار فيكسرونها ويشقّون زقوقها (^١) ولا يمكنون من إظهارها في الأسواق والدروب (^٢) والبيوت إتباعًا منهم لقوله ﷺ: "بعثت بمحو المزامير والطنابير والكوبة" (^٣)
_________________
(١) يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣/ ٤٩٦) عن إبراهيم قال كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري في الأزقة معهن الدف فيشقونها)، ورواته ثقات، ويحتمل الرفع لابن مسعود - ﵁ - أو أنه كان بأمره.
(٢) وفي الحاشية: "الدرب باب واسع. . . . . . . . . . . . . . . جمعه دروب". مكان النقط عبارة لم استطع قراءتها كاملة، ولم أتبين معناها.
(٣) ضعيف - أخرج تمام في "فوائده" (ص/٤٩) (١٠٠)، والديلمي في "مسند الفردوس"، وابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/٢٠٨) من طريق عاصم بن علي ثنا عبد الرحمن بن ثابت عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن - وتحرفت: "عن" عند الديلمي لـ: "ابن" فقال كما في نسختي من الغرائب الملتقطة: "جبير بن مالك" - مالك بن يخامر الثقة - وأبهم في طريق تمام - عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "بعثت بهدم المزمار والطبل"، وعبدالرحمن بن ثابت قال عنه المزي في تهذيب الكمال: " قال صالح بن محمد البغدادى: شامى صدوق، أنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه، عن مكحول مسندة". ولبعضه شاهد لا يصلح لتقويته وهو ما رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٦٨٣) من طريق إبراهيم بن اليسع التيمي المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "أمرني ربي ﷿ بنفي الطنبور والمزمار" وإبراهيم قال عنه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف.
[ ٢٠٤ ]
وهي الطبل، وروي أبو داود في سننه أن زبيد اليامي رأى غلامًا معه زمارة قصب فأخذها وشقّها وقال: لا ينبغي هذا (^١). وفي لفظ آخر لابن أبي الدنيا عن أشعث بن عبد الرحمن ﵀ قال: "كنت أمشي مع زبيد وهو آخذ بيدي فرأى امرأة ومعها دفّ فأخذه وكسره" (^٢) أعاننا الله وإيّاكم على إتباع أوامر الله ﷿ وأمر رسول الله ﷺ وقوّانا على اجتناب نواهيهما بمنّته ورحمته أنه قريب يسمع الدعاء واسع العطاء وينصر من نصر سنّته نبيّه ﷺ ويخذل من أعان على هدم ملّته ودرس شريعته. وأقول:
شرف المأخذ في السماع تفاوتت فيه المراتب للبيب (^٣) العاقل
سندا لكلهم قد انتهى فيه إلى أعلى أسانيد سماع الكامل
خلع الوسائط كلّها في خلعه نعليه مسلك كلّ حر فاضل
من أجل ذاك تقدس الواد الذي تدربه عن سند بعيد نازل
أين العزائم من رجال قد سوى أوطانهم [ق ٨٧ /أ] عن زامر أو طابل
تقدس سمع المصطفى أما غدًا يومًا يسد صماخه بأنامل
حتى يصح تناسب سرى من حكم المقام إلى محلّ القائل
إلقائه سمع في شهود بصيرة وخمود أوصاف وهدى مفاصل
اذهب فما هذا مقامك يا فتى إذ أنت في شغل برقصك شاغل
ترعى موازين الجدال مخافة من أن تكون عن الوازن بزائل
فعن العناصر أخذ مشكل خطّه وهي التي وضعت بسفل سافل
أو لأرحام فيك منهم نسبة إذ فيهم زفن الطروب الهازل
هي دعوة نوحية شملتهم يوم السفينة إذ رست بالساحل
_________________
(١) حسن - أخرج ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف" (ص/١١٧) (٨٦)،، والخلال في "الأمر بالمعروف" (ص/٦٦) من طريق أحمد بن منيع، حدثنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد عن جده مختصرا به، وإسناده حسن رواته ثقات غير أشعث قال عنه في "التقريب": "صدوق يخطئ"، ولم أقف عليه عند أبي داود، وإنما ساقه الخلال من طريقه، وليس فيه الزيادة الأخيرة.
(٢) حسن - أخرجه ابن أبي الدنيا في الموضع السابق برقم (٨٥) من نفس الطريق السابق.
(٣) كلمتان لم أستطع قراءتهما، وما أثبته هو الأقرب لرسمهما.
[ ٢٠٥ ]
قيل: وذلك أنّ نوحًا ﷺ لما خرج من السفينة وهو تعب استظل في ظل جبل ونام فانتشر عليه، فنظر إليه حام وقام وصفق ويافث لم ينكر فوافى سام، فضرب أخاه وغطى أباه فانتبه نوح ﵇، فقال: أمّا أنت يا حام فشوّه الله خلقك وخلق أولادك وجعل أولادك خولًا لأولاد سام وجعل له الرياسة والملك عليكم وزادك الله طربًا ولذرّيتك إلى يوم القيامة ونقص عقولهم، وأنت يا يافث فكثر ولدك ومحق خيرك وسلبك عقلك وحرّمك الدولة إلى يوم القيامة، وأما أنت يا سام [ق ٨٧ / ب] جعل الله فيك البركة والنبوّة والخير والحكمة والرياسة إلى يوم القيامة (^١)، وأقول شعرا:
هاربا من محافل اللغو واللهو كيبا بيتي (^٢) ضرارًا
خائفًا منهما يتاقي هواه فتنة فيهما رمته شرارًا (^٣)
سفقة (^٤) يرى مشتراها صفقة لا تفيد إلا خسارًا
فهم الأمر فاستقام ولم يقف ولم يتبع سبيل الخيارا
اعرف النفس فاتخذها عدوًّا ثم نادي منهما الحذر الحذارا
ذاك وصف الرجال قدما وأما وصفنا الآن فهو وصف العذارا
وانتقام من عادل لم يزده منك نقض العهود إلا تبارا
نقضوا عهدك المصون فلا يرجون لله والرسول وقارا
جازهم وصفهم فديناك حتى لا يرى الحاضرون إلا جارا
صابر قابض على الخمر لما أن أبحنا الطبول والمزمارا
اقتداء بعادل كان هذا الوصف فيه للصابرين شعارا
تابعًا للرسول ما سنّ طوعًا وكتاب المهيمن الجبارا
ما رآه الشيطان ألا تولى نافرًا صارخًا يضاهي الجمادا
مثل ما فرّ من أبي حفص قدما لم يكن تابعًا له الآثار
فاتخذ نحو ما أعدّوه ما استطعت اقتداء كي ترهب الكفارا
_________________
(١) لم أقف عليه وعلامات الوضع والنكارة ظاهرة عليه.
(٢) يوجد سقط في العجز، و«كيبا»، هي من سوء الحال، والله أعلم.
(٣) وفي الحاشية: "أو شر".
(٤) أي بيعة.
[ ٢٠٦ ]
فإن قال قوم فنحن نرى من أهل الرقص واستماع الأغاني والشبابات ما يشبه الكرامات [ق ٨٨ /أ] المغيّبات والمكاشفات، وما يشبه الإلهام والفراسة ويظهر ذلك منهم وممّن يأخذ صدقات الناس وأوساخهم مع القدرة على استغنائهم ومن غيرهم من أهل الحوادث والبدع، فكيف ذلك فبيّنه لنا ممّا علّمك الله تعالى من علم كتابه ومن سنّة رسوله ﷺ أو من أثر من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، فأسرع إليهم بالجواب وأقوالهم. اعلموا وفّقنا الله تعالى وإيّاكم للصواب أنّ من العبّاد أو من غيرهم من يرى ضوءًا أو نورًا في السماء، فإن كان في شهر رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: قد فتحت لي أبواب السّماء، وقد يتّفق الشيء يطلبه فيظنّ أن ذلك كرامة وربّما كان كرامة، وربّما كان اختبارا وربّما كان من تلبيس إبليس ومن خدعه ومن تزيينه ومن شرّ اقتراب الساعة ومن الفتن كما قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] معناه: ليبتليهم بذلك؛ ليعلم من يسلم لأمره، وقال ﷿: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، والملك: ٢] وقولنا إذًا وربّما كان كرامة إنما يكون ذلك للعباد؛ إذ كان عالمًا وعاملًا بما في كتاب [ق ٨٨ / ب] الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ متّبعًا ما كان رسول الله وصحابته عليه، ومع ذلك لا يكون له خدن ولا صاحب ممّن استحسن شيئًا أحدث بعد الصحابة ولا ممّن استحسن مكروهًا، فمن كان هذا حاله وسيرته يحتمل أن يكون له كرامات وإلا كان من تلبيس إبليس ومن خدعه وتزيينه ومن شرّ اقتراب الساعة، ومن الفتن والشبهات. كما روي أن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع منكم بخروج الدجال فلينأى عنه ما استطاع، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فما يزال به حتى يتّبعه لما يرى من الشبهات» (^١)،
_________________
(١) صحيح – أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ١١٦) (٤٣١٩)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٤٨٨) (٣٧٤٥٩)، وأحمد في "مسنده" (٣٣/ ١٠٧) (١٩٨٧٥)، والروياني في "مسنده" (١/ ١٣١) ٠١٣٣)، وغيرهم من طريق حميد بن هلال عن أبي الدهماء عن عمران به، ورواته ثقات ..
[ ٢٠٧ ]
ألا فما ترون أنتم من شيوخ الجهّال ومن الفقراء المنتمين إليهم من الشبهات، فمن سمع منكم بشخص منهم فليأنى عنه ما استطاع، فإنه من الدجاجلة، وروى ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﵇ قال: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ فمن وجد ذلك شيئًا فليعلم أنه من الله تعالى وليحمد الله تعالى [ق ٨٩ / أ] ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» (^١).
_________________
(١) صحيح موقوفا – أخرجه الترمذي في "سننه" (٥/ ٢١٩) (٢٩٨٨)، وقال: حسن غريب، وابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" (ص/٦١) (٤١)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٣٧) (١٠٩٨٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (٨/ ٤١٧) (٤٩٩٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٣/ ٢٧٨) (٩٩٧)، وغيرهم من طريق هناد عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود مرفوعا به، وعطاء كان قد اختلط ورواية أبي الأحوص عنه بعد الاختلاط. وخالف أبا الأحوص: حماد بن زيد عند الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٠١) (٨٥٣٢) فرواه موقوفا على ابن مسعود، وقد خالف عطاءا: حماد بن سلمة وابن علية وجرير بن عبدالحميد وعمرو بن قيس فرووه عن عطاء عن ابن مسعود موقوفا، وروي من طريق آخر عن معمر عن الزهري عن عبدالله بن عتبة عن ابن مسعود موقوفا، عند أبي داود في "الزهد" (ص/١٦٤) (١٦٤)، ومن طريق عامر بن عبدة عن ابن مسعود موقوفا، عند ابن المبارك في "الزهد" (ص/٥٠٣) (١٤٣٥)، والموقوف هو الصواب وهو الذي رجحه أبو حاتم في العلل، وله حكم الرفع.
[ ٢٠٨ ]
ألا فمهما رأى الإنسان أو علم شيئًا من الشبهات التي تشبه الكرامات والإلهام أو ما يشبههما من شرّ اقتراب الساعة وفتنتها، وغير ذلك منامًا أو يقظته فواجب عليه، ألا تعتمد على شيء من ذلك حتى يعرضه على ما في كتاب الله تعالى وعلى ما في أحاديث رسول الله ﵇ أو على أثر من آثار الخلفاء الراشدين الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، فإن وجد فليعلم أنّها لمة الملكة وإن لم يجد فليعلم أنّها من الشيطان الرجيم وممّا فيه سخط الرحمن الرحيم، وروى مالك بن دينار وحبيب العجمي ﵄ قالا: "إن الشيطان ليلعب بالقرّاء –يعني بالزهّاد- كما يلعب الصبيان بالجوز" (^١). ألا والذي أعرفكم أن الله تعالى أخبرنا أن من سنّته في رسله وسيرته في أنبيائه صلواته وسلامه عليهم أجمعين إذا قالوا عن الله تعالى قولًا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل في سائر المعاصي يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أيّ تلاوته، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [ق ٨٩ /ب] وكان سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عبّاس ﵁
_________________
(١) ذكرهما أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٧٥)، (٦/ ١٥٢).
[ ٢٠٩ ]
أنّ رسول الله ﵇ وقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تلك الغرانيق العلى وشفاعتهنّ ترتجي، ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاء جبريل ﵇ فقال: اقرأ عليّ ما جئتك به، فقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تلك الغرانيق العلى وشفاعتهنّ ترتجي، فقال: ما جئتك بهذا من الشيطان أو قال: هذا من الشيطان لم آتك به، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] الآية (^١).
_________________
(١) وقصة الغرانيق باطلة وقد صنف في بيان بطلانها الشيخ الألباني "نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق" وقال عن حديث ابن عباس ﵄ (ص/٣١): (أورده السيوطي في "الدرر المنثور: ٤/ ٢٦٧" وقال: "أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن عباس" قلت: فهذه طرق ثلاث عن ابن عباس وكلها ضعيفه. أما الطريق الأولى: ففيها الكلبي وهو كذّاب كما تقدم بيانه قريبًا. وأما الطريق الثانية: ففيها من لم يسمّ. وأما الطريق الثالثة: ففيها أبو بكر الهذلي. قال الحافظ في "التقريب": "أخباري متروك الحديث" لكن قد قرن فيها أيوب، والظاهر أنه السختياني، فلا بد أن يكون في الطريق إليه من لا يُحتَج به لأن الحافظ قال في "الفتح: ٨/ ٣٥٥" بعد أن ساقه من الطرق الثلاث: "وكلها ضعيف أو منقطع". وقد ذكر ما يفيد أن ابن مردويه أخرجها من طريق عباد بن صهيب، وهو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته من "الميزان". وله طريق رابع، أخرجه ابن جرير "١٧/ ١٢٠"، حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي. ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس فذكره، وهذا إسناد ضعيف جدًا، مُسَلسَل بالضعفاء: محمد بن سعد، هو ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر العوفي ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد: ٥/ ٣٢٢ - ٣٢٣" وقال: "كان ليّنًا في الحديث". ووالده سعد بن محمد ترجمه الخطيب أيضًا "٩/ ١٢٦ - ١٢٧" وروي عن أحمد أنه قال فيه: "لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذلك". وعمه هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، وهو متفق على ضَعفه ترجمه الخطيب "٨/ ٢٩ - ٣٢" وغيره. وأبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضًا اتفاقًا، وقد أورده ابن حبان في "الضعفاء" وقال: "مُنكَر الحديث، فلا أدري البَلِيّة منه أو من ابنه، أو منها معًا؟ " ترجمته في "تهذيب التهذيب" وكذا والده عطية، وهو مشهور بالضَّعف) ثم أخذ يسوق ما يدل على بطلان القصة متنا، فلينظر.
[ ٢١٠ ]
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، وقرأت في كتاب أحكام القرآن ومعانيه لابن العربي (^١) المغربي ﵀ وذكر قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي: تلاوته. قال: فهذا نصّ في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي ﵇، وذلك أنّ النبي ﵇ كان إذا تلا قرأ قرآنًا مقطّعًا وسكت في مقاطع الآي سكوتًا محصلًا، وكذلك كان حديثه ﷺ مترسّلًا فيه متأنيًا، فتتبع الشيطان تلك السكتات بين [ق ٩٠ / أ] قوله ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠]، وبين قوله ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] يحاكي صوت النبي ﵇، فقال: "إنّهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترجي" –يعني الأصنام-، ففرح المشركون والذين في قلوبهم مرض بقلة البصيرة وفساد السريرة، فتلوها عن النبي ﵇ ونسبوها بجهلهم إليه حتى سجدوا معه اعتقادًا أنه معهم وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أنّ القرآن حقّ من عند الله فآمنوا به، ورفضوا غيره وتجيب قلوبهم إلى الحقّ وتنقر عن الباطل، وكلّ ذلك ابتلاء من الله ومحنة (^٢).
_________________
(١) أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي المعروف بابن العربي كان فقيهًا متبحرًا بلغ رتبة الاجتهاد ولد ٤٦٨ هـ في إشبيلية وتوفي ٥٤٣ هـ، ومن أهم مصنفاته أحكام القرآن، عارضة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي، العواصم من القواصم، الإنصاف في مسائل الخلاف، القبس في شرح الموطأ، المحصول، وغيرها، وترجمته في: الديباج المذهب (٢/ ٢٥٢) وفيات الأعيان (٤/ ٢٩٦)، والأعلام للزركلي (٧/ ١٠٦)، معجم المؤلفين لكحالة (١٠/ ٢٤٣).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ٣٠٦).
[ ٢١١ ]
ألا فقد أوعزنا إليكم بوصيّة أن تجعلوا القرآن والأحاديث النبوية أمامكم وجرّدوها قدّامكم ولا تحملوا عليهما ما ليس فيهما ولا تربطوا بهما ما ليس منهما ولا تقلّدوا غيرهما اللّهم إلا أن يكون من آثار الصحابة موافقًا لهما، ألا فاعتبروا يا أولي القلوب والأبصار ومن بقلبه أدنى حبوة، هذا رسول الله ﵇ وهو في الصلاة ويقرأ كلام الله المنزل عليه غير مخلوق، فزاد الشيطان في الذي نزل عليه بين سكتاته وهو في صلواته أنهنّ الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترجي –يعني الأصنام- وكانوا يقولون أنّها [ق ٩٠ /ب] أجسام طاهرة ليس لها ذنوب، فهي أولى بالعبادة من غيرها من الملوك والملائكة؛ لأنه لهم ذنوبًا وهم ذوو أرواح فشبّهوا الأصنام بالغرانيق والغرانيق هي الذكور من طيور الماء؛ لكونها تعلو وترتفع في السماء، ألا فهذا ما جرى لنبيّنا ﷺ وهو أعبد البشر وخير الأنبياء والمرسلين وأفضلهم وأكرمهم وخير الخلائق أجمعين وأحبّهم إلى الله ﷿ وإلى أوليائه، ألا واذكروا ما جرى إلى أبوينا آدم وحواء وما جرى لداود ولإخوة يوسف الصديق صلوات الله عليهم أجمعين، وما جرى للملكين هاروت وماروت وغيرهم من الأولياء والصالحين من تزيين الأبالسة والشياطين ومن سحرهم وتدقيق مكرهم وجعلهم فإذ ذلك كذلك، فكيف يأمن على نفسه من دونهم ومع ذلك فما ظنّكم يا أخوتي برفيع ظهر عليه أشياء من الشبهات واشتهر بما يشبه الإلهام والكرامات والمكاشفات من سفهاء الأعاجم والأعراب، ومن جهّال الفلاحين والأكراد، الله المستعان، ما أكثر ما قد ظهر في البرّ والبحر من الفساد وما قد كثر فينا من القاضين إلى الارتداد، وهم الذين روى فيهم [ق ٩١ / أ] الحديث عن ابن عمر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يكون بين يدي الساعة دجّالون كذّابون"، قالوا: جلهم لنا يا رسول الله؟ قال ﷺ: "يأتونكم بسنّة غير سنّتكم، ويبدّلون سنّتكم ودينكم، فاجتنبوهم وعادوهم" (^١)،
_________________
(١) إسناده ضعيف والحديث حسن - أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٣/ ١٥) (١٣٩٠٤) من طريق علي بن عبد العزيز، ثنا عاصم بن علي، ثنا قيس ابن الربيع، عن إياد بن لقيط، عن عبد الرحمن بن نعيم أخي بني الأعرج، قال: جاء رجل عشية عرفة إلى ابن عمر الحديث بنحوه وفيه عبدالرحمن بن نعيم لم يوثقه غير ابن حبان، وقال أبو المحاسن الحسيني: فيه جهالة، وقال أبو زرعة الرازي: لا أعرفه إلا في حديث ابن عمر، وقال أبو نعيم الأصبهاني: من جالسه يعرف ضعفه، وقال أحمد بن حنبل: لا شيء، وقال الدارقطني: له أحاديث غرائب. وللمتن شاهد يتقوى به وهو الحديث التالي.
[ ٢١٢ ]
وصح وثبت عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﵇ قال: "يكون في آخر زمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم وآباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم فيضلّونكم ويفتنوكم" (^١).
_________________
(١) حسن - أخرجه مسلم في "مقدمة صحيحه" (١/ ١٢) (٧)، وإٍسحاق بن راهويه في "مسنده" (١/ ٣٣٩)، وأحمد في "مسنده" (١٤/ ١٩) (٨٢٦٧)، وابن وضاح في "البدع" (ص/٦١) (٦٥)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٧/ ٣٩٧) (٢٩٥٤) وغيرهم من طرق عن مسلم بن يسار عن أبي هريرة بنحوه، والحديث حسنه الشيخ الأرناؤوط في هامش المسند.
[ ٢١٣ ]
هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه، فكثير من هؤلاء الذين لهم صيت عند الأعاجم والأغراب وعند الفلاحين والأكراد قد نبذوا بالعباد وهم من أهل الجهل والفساد وليسوا من الخيرين الأجواد ويقولون أقوالًا ويفعلون أفعالًا لا نجدها في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسول الله ﵇ ولا في سنة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين والمنتمون إليهم يزعمون أنّهم يتكلمون بالحقائق وأنّ لهم كرامات وليسوا كما زعموا كذّابون دجّالون وسيأتي كبيرهم ويزعم أنّه ربّهم وربّ العباد وفراسهم وإلهامهم وكرامهم وكراماتهم من جنس كراماته ونحن منتظرون لخروجه وخائفون من افتتانه، وذلك ما روي [ق ٩١ / ب] عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﵇ خطبته ما يحدّثنا عن الدّجال ويحذّرناه، فكان من قوله: "يا أيها الناس إنه لم يكن فتنة على الأرض أعظم من فتنة الدّجال وإن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلا حذّر أمّته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنّه خارج، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن خرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم، وإنّه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالًا فيا عباد الله اثبتوا، فإنّه يبدو ويقول: أنا ربكم، ولن تروا ربّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم ليس بأعور، إنّ مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كلّ مؤمن، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه، وإنّ من فتنته أن معه جنّة ونار، فناره جنّة وجنّته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ خواتيم سورة الكهف وليستعذ بالله ﷿، فإنّها تكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم ﷺ، وإنّ من فتنته أن معه شياطين يتمثلون على صور الناس، فيأتي الأعرابي فيقول: رأيت أن بعثت لك أباك وأمّك أتشهد أنّي [ق ٩٢ /أ] ربّك، فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أبيه أمّه، فيقولان يا بنيّ اتبعه فإنه ربّك وإن من فتنته أن يسلّط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولن يقدر لها بعد ذلك ولا يصنع ذلك بنفس غيرها ويقول: انظروا إلى عبدي فإنه أبعثه الآن، ويزعم أن له ربًا غيري فيبعثه ويقول من ربّك؟ فيقول: ربّي الله وأنت الدّجال عدوّ الله ﷿، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك أتشهد أني ربّك؟ فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أباه، وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت، فيمر بالحي
[ ٢١٤ ]
من العرب فيكذّبونه فلا تبقى لهم [سائمة] إلا هلكت ويمرّ بالحي من العرب فيصدّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت [و] أسمنه وأمدها
خواصرًا وأدرها ضروعًا" (^١)، هذا حديث خرجته من كتاب السنة لأبي عاصم النبيل، إلا إن جميع ما يظهر من هؤلاء الخوارج الذين هم رؤساء الجهّال المخالفون للشرع والمعاندون لأهله والطريقيون (^٢) والمشعبذة دون ما جاء به في الحديث من فعل الدجال وأمره أهون من أمر هؤلاء الجهال. وروي عن [ق ٩٢ / ب] النبي ﷺ أنّه قال: "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم السيجان" (^٣) وهي الطيالسي وهي يلبسها الأكابر ينزو (^٤)
_________________
(١) ضعيف بهذا اللفظ - أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢/ ١٣٥٩) (٤٠٧٧)، ونعيم بن حماد في "الفتن" (٢/ ٥٣٥) (٦٥١٦)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ١٧١) (٣٩١)، والروياني في "مسنده" (٢/ ٢٩٥) (١٢٣٩)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ١٤٦) (٧٦٤٤)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٨٠) (٨٦٢٠)، وغيرهم من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عمرو بن عبدالله الحضرمي عن أبي أمامة بنحوه، وإسناده ضعيف لجهالة عمرو الحضرمي لم يرو عنه غير السيباني، ولم يوثقه غير العجلي وابن حبان، وأصل حديث الدجال في الصحيح بدون ذكر التفل، وقصة إحياء الأب والأم.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) ضعيف جدا بزيادة: "من أمتي" - أخرجه معمر في "جامعه" (١١/ ٣٩٣) (٢٠٨٢٥)، ونعيم بن حماد في "الفتن" (٢/ ٥٥١) (١٥٤٩)، وابن الحمامي في "جزئه" (ص/٨٣) (٨٨) من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد به، والعبدي قال عنه الذهبي في "الكاشف": "متروك"، وقال عنه ابن حجر في "التقريب": "متروك ومنهم من كذبه" والحديث في صحيح مسلم "٤/ ٢٢٦٦) (٢٩٤٤) من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الدجال من يهود أصبهان، سبعون ألفا عليهم الطيالسة».
(٤) نزا قلبُه إلى الشّيءِ: طمِح إلى بلوغِه. وانظر معجم اللغة العربية المعاصرة ..
[ ٢١٥ ]
بالعلماء والعباد وليسوا منهم، ألا وإن ذلك كذلك فيلزمنا أن نكذّبهم ونردّ عليهم ونعتقد ونقول في ذلك في حقهم ليس من الكرامات ولا من المكاشفات، بل من شعر الشياطين وسجعهم وخدعهم ومن تزيينهم ومن فتنتهم ومن شرّ اقتراب الساعة، والدليل على صحة ما قلناه ما روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ في مسنده، قال: حدثني عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن أشعث بن عبيد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: جاء الذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلّ وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله ﷿، فانتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلّم! فقال له الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات نبي بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًا، فجاء إلى النبي ﷺ فأسلم فصدّقه رسول الله ﵇، ثم قال: "إنّها أمارة من أمارات [ق ٩٣ /أ] بين يدي الساعة، قد أوشك الرّجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدّثه نعلاه وسوطه بما حدث في أهله بعده" (^١)، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵁ قال: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم العلاء حدثنا علقمة أخبرني أبي علقمة (^٢) نصر بن علقمة عن أخيه محفوظ بن علقمة عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي حدثني سلمة بن نفيل التراغمي ﵀ أنه كان عند رسول الله ﵇ يومًا إذ جاءه رجل فقال: "والله يا رسول الله (^٣)
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه معمر في "جامعه" (١١/ ٣٨٣) (٢٠٨٠٨) ومن طريقه ابن راهويه في "مسنده" (١/ ٣٥٧) (٣٦٠)، وأحمد في "مسنده" (١٣/ ٤٢٥) (٨٠٦٣) عن أشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة به، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، والحديث يتقوى بالشواهد التي ذكرها المؤلف.
(٢) بالأصل: " أبي عن".
(٣) بالأصل: تكرر قوله: " والله يا رسول الله" ..
[ ٢١٦ ]
لقد رأيت عجبًا ما أراه رجلًا قط قبل، إنّي غدوت من أهله أُضْحِي غنيمة، فعدا علي الذئب فأخذ منها حِملًا فاتبعته أطلب أن استنقذ منه حملي إن استطعت، فلما أدركته وضع الحمل وأقبل يكلمني، فقال: أيّها الرجل ارجع فوالله لا استنقذته اليوم، فقلت: والله ما رأيت عجبًا كاليوم قطّ إن الذئب يتكلم! فقال: بل أنبّئك بأعجب منه: رسول الله ﷺ وراءك بالنخلات يحدثك بالوحي من السماء، فذاك أعجب من ذئب رزقه الله ﷿ حملًا، ثم قال: والذي أنزل عليك الكتاب ما جلست منذ كلمتُ الذئب، فقال رسول الله ﵇: صدقت؛ يوشك أحدكم أن يحدثه فخذه [ق ٩٣ / ب] وعصاه بما فعل أهله بعده وهي العجائب بين يدي الساعة" (^١). وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: بينما راعٍ يرعى أخذ الذئب شاة من الشياه، فحال الراعي بينه وبين الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، وقال للراعي: ألا تتّقي الله تحول بيني و[بين] رزق ساقه الله إليّ! فقال: العجب لذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! قال له الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك رسول الله عليه وسلم بين الحرتين يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق فانطلق الراعي بشاته حتى أتى المدينة، فآواها إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على رسول الله ﵇ فحدّثه بما قال الذئب، فخرج رسول الله ﵇ إلى الناس ثم قال للراعي: "قم فحدّثهم بما قال الذئب"، فقام الرّاعي فحدّثهم، فقال رسول الله ﵇: "صدق الراعي إنّ من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفس بيده لا يقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ويكلم الرجل شراك نعله وعذبه (^٢)
_________________
(١) حسن لغيره - أخرجه النقاش في "فنون العجائب" (ص/٥٢) (٣٣) عن الطبراني به، وشيخ الطبراني لم أقف على ترجمته، إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد التي ذكرها المؤلف.
(٢) وفي الحاشية: أي طرفه ..
[ ٢١٧ ]
سوطه وتخبره فخذه بما أحدث أهله" (^١)، فلا تشكّوا أن كثيرًا من أهل زماننا متى علموا أنّ يهوديًّا أو نصرانيًّا أو غيرهما من الكفار والمشركين كلمه السبع أو غيره من البهائم والحيوانات أو الجمادات لقالوا: هذا رجل صالح صاحب الكشوف والكرامات سيد الإسلام، ألا ومتى [ق ٩٤ /أ] شاهدوا أو بلغ إليهم أن ذئبًا أو غيره من السباع كلّم بعض هؤلاء رؤساء الجهّال لكانوا يقولون أن هذا السبع رجل صالح يتخيّل لنا على صورة السباع أو كانوا يقولون لهذا المخالف المعاند الذي كلمه الذئب أو غيره من السباع أنّه رجل صالح صاحب الكشوف والكرامات، وإن كانوا يهوديًّا أو نصرانيًّا أو كلبًا كما حدّثني محمد بن إبراهيم الدانسي (^٢) ﵀ قال: "كان في قرية من قرى الموصل جويرية يتيمة وأهل القرية يجعلون لها النذور في تلك القرية، فقالت لها يومًا بعض النساء على طريق سبيل الانبساط: يا فلانة الناس ينذرون لك فأنت لمن تنذرين، فقالت: هي أيضًا على طريق الانبساط إن أعطيت الدراهم، فعليّ نذرًا إن أطعم الخبز هذا الكلب الأسود إلى أن يشبع، فكان من قضاء الله ﷿ وقدره أنها خرجت من القرية إلى الزرع لأجل اللقاط، فلقيت في الطريق صرّة فيها دراهم فعظم عند ذلك أمر الكلب عند الجهّال من أهل القرية، فكانوا يجعلون النذور للكلب بعد أن كانت للجارية وكنّا نرى الكلب في الأسحار يأتي من قبل البرية، فكانوا يقولون أن هذا رجل صالح يتخيّل لنا أنه كلب وهو يخرج بالليل يزور الرّجال من الصالحين والأولياء ويأتي بالنّهار إلينا" (^٣).
_________________
(١) صحيح - أخرجه أحمد في "مسنده" (١٨/ ٣١٥) (١١٧٩٢)، وعبد بن حميد كما في "المنتخب من مسنده" (ص/٢٧٧) (٨٧٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١٥/ ٤٨٠) (٦١٧٨)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٧٧) ترجمة رقم (١٥٣٥)، وابن حبان في "صحيحه" (١٤/ ٤١٨) (٦٤٩٤)، وغيرهم من طريق القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي اله عنه به، ورواته ثقات، وقد ورد من غير طريق القاسم عن شهر بن حوسب، وقال العقيلي: " حدثنا محمد بن أحمد المطرز، حدثنا نصر بن علي، حدثنا مسلم قال: كنت عند القاسم بن الفضل الحداني فأتاه شعبة فسأله عن حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: بينا راع يسوق غنمه عدا الذئب على شاة، قال: فقال شعبة: لعلك سمعته من شهر بن حوشب؟ قال: لا، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، فما سكت حتى سكت شعبة".
(٢) كذا بالأصل.
(٣) لم أقف عليه ..
[ ٢١٨ ]
[ق ٩٤ / ب] وسمعت جماعة من أهل القرية يقولون عندنا كلب أسود ينذر له بعض الجهّال، فإذا وقف على باب دار من دورهم ينادون: "ألا قد جاء كلب النذر" ألا أيّها الناس فكفى بقوم هذا عقلهم ودينهم أنّهم قد افتتنوا بكلب أسود مع البيان من قول النبي ﵇ أن: "الكلب الأسود البهيم شيطان (^١) " (^٢) وأهل القرية قوم ينتمون إلى المشايخ وقد جهلوا أمر كلب، فكيف إذا رأوا شيئًا ممّا ذكرناه في هذه الأحاديث من قول النبيّ ﵇ في رؤسائهم وفي رجل منهم. عن معاوية بن قرة عن أبيه أنه قال: ذهبت لأسلم حين بعث محمد ﵇، فقلت لعلي أدخل معي رجلين أو ثلاثة في الإسلام، فأتيت المدينة حيث مجمع الماء، فإذا براعي القرية يقول: لا أراعي لكم أغنامكم، قالوا: ولم؟ قال: يجيء الذئب كلّ ليلة فيأخذ شاة وصنمكم قائم لا يضر ولا ينفعكم ولا يغير ولا ينكر، قال: فذهبوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلمّا كان من الغد جاء الراعي يشتدّ ويقول: البشرى البشرى، قد جاء الذئب مقموطًا (^٣) بين يدي الغنم بغير قماط، قال: فذهبوا وذهبت معهم، فقتلوا الذئب وسجدوا للصنم وقالوا: هكذا فاصنع [ق ٩٥ /أ] قال: فأتيت محمدًا فحدّثته الحديث، فقال النبي ﵇: لعب بهم الشيطان" (^٤).
_________________
(١) بالأصل: " البهائم الشيطان".
(٢) صحيح - أخرجه أحمد في "مسنده" (٤٢/ ١٣٩) (٢٥٢٤٣)، والطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٣٣) (٣٠١٣) ن والمخلص في "المخلصيات" (٣/ ٢٦٥) (٢٤٨٩) من طريق أبي معاوية شيبان عن الليث عن مجاهد عن الأسود عن عائشة به، وإسناده ضعيف فيه الليث بن أبي سليم قال عنه في "التقريب": " صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فترك"، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢٤٠) من طريق إبراهيم بن الحارث نا يحيى بن أبي بكير نا شيبان عن عبد الملك بن عمير عن شريك بن طارق عن فروة بن نوفل عن عائشة مطولا به وإسناده صحيح. ورواه مسلم في "صحيحه" (١/ ٣٦٥) (٥١٠) من حديث أبي ذر بدون قوله: "البهيم".
(٣) وفي الحاشية: "يقال قمط الأسير إذا جمع يديه ورجليه بحبل".
(٤) ضعيف – أخرجه البزار في "مسنده" (١/ ٦٧ – كشف) (٩٨)، والطبراني في "الكبير" (١٩/ ٣١) (٦٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٠٣) من طريق محمد بن جهضم، ثنا الأزهر بن سنان، عن شبيب بن محمد بن واسع، عن معاوية بن قرة، عن أبيه به، والأزهر قال عنه الذهبي في "الكاشف"، وابن حجر في "التقريب": "ضعيف".
[ ٢١٩ ]
ألا وقد لعب الشيطان بأقوام من أبناء زماننا تحلّق بالفقراء وبالزهاد ولن ينتحلوا منهم حقيقة، فالله المستعان. ما أكثر التلاعب في هذا الزمان على يدي أقوام نبذوا بأهل الإيمان وليسوا فيه إلا من أهل الحرمان وأهل الزور والبهتان وأضلّهم شيخهم الذي هو رأس أهل الإثم والعدوان، فخرجوا به عن الدين، ومرقوا به عن الإسلام، وسوف يلقون بذلك الهوان، وأقول شعرا:
شقيوا بصحبتك اللئام وما أفلحوا وكان يفلح وجوههم قد كلحوا
في النار إذا أغديتهم عن دينهم شلّحتهم أثوابه فتشلّحوا
لما ضللت عن الصواب جميعهم ضلوا وأنت رجيم من يستصلحوا
وأبعتم دين الهدى بضلالكم لما سلاحات الضلال سلحوا
ما أفلحوا مذ أبصروك ولا رأوا أرشد أو راحوا في الضلال يمرحوا
خسروا بك الدارين يا شرّ الورى لما برحوا في الخسار وسرحوا
مرقوا من الدين الحنيف وفارقوا من في الهدى قد صالحوا من أصلحوا
وفارقوا نهج الهدى وتفرقوا في لجّ بحر ضلالة يستسبحوا
صحبوا لرأس جهالة فأضلهم عن دينهم [ق ٩٥ / ب] واستحسنوا ما أقبحوا
خسروا بصحبتهم سفيهًا جاهلًا جعلوه رأس ضلالهم لم يربحوا
مثل الحمار تراه فيهم صافنا (^١) والكلب يستمعوا عواه فينبحوا
نبذو كتاب الله خلف ظهورهم وشريعة الهادي البشير وطرّحوا
تالله قد شقيوا بصحبة جاهل ما أفلحوا ما أفلحوا ما أفلحوا
وروي أن أبا عثمان النيسابوري رحمة الله عليه قال: "خرجتا جماعة مع أستاذنا أبي جعفر النيسابوري رحمة الله عليه إلى خارج نيسابور فتكلم الشيخ علينا وطابت أنفسنا، ثم نظرنا لأيّل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ، فأبكاه ذلك بكاءً شديدًا، فلما سكت قلت له: يا أستاذ تكلمت علينا وطابت أنفسنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك، فقال: نعم، رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت أنفسكم فدار في خلدي
_________________
(١) قال صاحب القاموس المحيط: " صفن الفرس يصفن صفونا: قام على ثلاث قوائم وطرف حافر الرابعة".
[ ٢٢٠ ]
لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها فما يحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش وبرك بين يدي، فيخيّل لي أني أنا مثل فرعون يسأل ربّه أن يجري له النيل فأجراه، فما يؤمنني أن يكون الله ﷿ يعطني كلّ حظّ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شاء لي، فهذا الذي [ق ٩٦ /أ] أزعجني" (^١)، ألا فيتأسى المتأسي منكم بالنبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم وبمثل هذا الشيخ ﵁ وبهديهم، فاهتدوا وبهم فاقتدوا، وعن شريعتهم ومناهجهم لا تعتدوا إن أردتم تربحوا، فتسعدوا وتقرّبوا ولا تبعدوا، بصّرنا الله وإيّاكم ما نهدى به إليه، وسترنا وإيّاكم عند القدوم عليه، وغفر لنا ولكم يوم الوقوف بين يديه، وبلغنا أن الشيخ الإمام العلامة عبدالله بن قدامة المقدسي ﵀ قيل له: إن شيخًا في حواران قد تبعه كثير من الناس وله كرامات، فقال الشيخ الموفّق: "لا إله إلا الله، لقد كان فرعون يقول: لنيل مصر اجر، فيجري ويقول له: قف فيقف عند حافر دابته، فما كانت هذه كرامة لفرعون وإنما جعله الله تعالى سببًا ليضل به بني إسرائيل".
_________________
(١) ذكره ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" (ص/٣٣٨)، وفي "صفة الصفوة" (٢/ ٣١٣).
[ ٢٢١ ]
ألا وما نرى في الحدثين (^١) من الدجاجلة والفراعنة الذين هم رؤساء زماننا، وما نرى في قومٍ ينتمون إليهم ليس ذلك كرامات ولا إلهامًا؛ لأنهم ورثة الفراعنة والجبابرة وشيعتهم وبهم مقتدون، ولما كان رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم عليه مخالفون وعنه حائدون، وإنما كان كما قال الله تعالى [ق ٩٦ / ب] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] معناه: لنبتليهم لك لنعلم من يسلم لأمرك ويتبع سنّتك وهديك، وكلّ ذلك ابتلاء من الله ﷿ ومحنته ليضل بذلك أقوام من جهال هذه الأمّة وكلّ من يتدين بشيء من المكروهات بإجماع أهل العلم والعبادات لم تصلح له كرامات وقد روينا في أوّل كتاب أن (^٢) عائشة ﵂ قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله - ﷺ - بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله - ﷺ - فيشفيها، كانت تبكي حتى إنّي لأرحمها، وتقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عنّي، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به تجعليه يأتيك، فلمَّا أتى الليل - وفي لفظ فأجعله يأتي، فلمَّا كان الليل- جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، ولم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل - وفي لفظ ولم يكن شيء حتى دفعنا إلى بابل- فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء [ق ٩٧ /أ] بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ . وقد تقدم بطوله (^٣)، وهذا الحديث أخرجه أبو القاسم الطبري في كتاب "السنن"، وخرجته من حديث عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وألفاظهما داخل بعضهما في بعض، وفي بعضها زيادات ما ليس في الآخر، ألا فكثير من هؤلاء الجهّال من أهل زماننا تركوا الاشتغال بما في كتاب الله ﷿ وما في سنّة رسوله وجهلوا ما كان رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم عليه واشتغلوا بالطاعات والعبادات بغير علم ودخلوا في أمر السحر بتعليم الشياطين، فكثير من الأشياء إذا أرادوا (^٤)
_________________
(١) كذا بالأصل. ولعلها: المحدثين، بتسكين الحاء، من الابتداع، والله أعلم
(٢) وفي الأصل: "ابن".
(٣) سبق تخريجه.
(٤) بالأصل زيادة: "كان" وحذفتها ليستقيم السياق ..
[ ٢٢٢ ]
وزعموا أن ذلك إلهام من الله تعالى وكرامات أكرمهم الله ﷿ بها هلكوا، وإنّما الإلهام والكرامات يظهران من أقوام عاملين بالعلم ومتّبعين لما كان عليه النبي ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم ويتمسكون بآثارهم وهم أبعد الناس من البدع والحوادث، ومبغضون لرؤساء الجهّال ومتبعيهم، وصحّ وثبت عن عائشة ﵂ أنها قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الكهنة، فقال: "ليسوا على شيء"، فقيل له: إنّهم يخبرون بأشياء تكون حقًّا، قال: "تلك كلمة يحفظها الجنّي فيقذفها في أذن وليّه، فيزيد فيها مائة [ق ٩٧ / ب] كذبة" (^١)، وللبخاري أن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السّماء فتسترق الشياطين السمع وتوحيه إلى الكهّان، فيكذبون معها مائة كذبة". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وما يظهر من شيوخ زماننا وفقرائهم من هذا الجنس، فافهموا ذلك يقينًا وليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإن قال قوم: نحن عملنا ما عملنا من هذه الأمور المكروهات (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٧/ ١٣٦) (١٦٩٥)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ١٧٥٠) (٢٢٢٨) من طريق الزهري، عن يحيى بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂ بنحوه.
(٢) لعله يقصد المكروه كراهة تحريمية، وأما المكروه تنزيها فلا يدخل في البدع، لثبوت زيادة: "كل ضلالة في النار"، والمكروه تنزيها لا يكون في النار، وانظر الاعتصام (٢/ ٤٩: ٥٦) ..
[ ٢٢٣ ]
من البدع والمحدثات شبكةً تصيد بها العصاة والجهّال ويجذبهم عن معصية الله تعالى إلى طاعته وهي حجّتنا على إباحتها، ألا والذي أعرفكم أنّ الأمر ليس كما زعموا بل صحّ وثبت أنهم يوقعون العصاة والجهّال في أعظم ممّا كانوا عليه من المعاصي، وذلك أن الجاهل العاصي يعصي الله ﷿ وهو يعتقد أن الله تعالى قد حرّم عليه ما يفعله من المعاصي وما يرتكبه من الذنوب والخطايا وهو مسلم بإجماع أهل العلم، فإذا أتى إلى الشيخ من رؤساء الجهّال وقائديهم إلى النار فتاب على يديه وجعله شيخه وقدوته وأحبّه واقتدى بطريقه، وربّما كان الشيخ من أهل الكلام الذين يحبّون الزيادة في الدين والقياس [ق ٩٨ /أ] والرأي على غير الأصل أو ربّما كان الشيخ ممن يحبّ اللّهو واللّعب وأكل ألوان الطعام من الحلال والحرام والنظر إلى وجوه المرد والنسوان والاستماع إلى كلامهم وكلامهنّ والاستماع إلى الأغاني منهم والرقص معهم وإلباس الخرقة لهم والتوبة له ويجعل ذلك طريقه ويعتقد أن هذا كلّه حلال وطاعة وأنه يتقرّب به إلى الله ﷿ كما يتقرّب إليه بالمندوبات والقربات وأجمع المسلمون كلّهم على أن من أحلَّ شيئًا مما حرّم الله ﷿ ورسوله ﵇ مما لا يجهله أنه يكفر ويخرج عن دين الإسلام ويقع في موبقات الآثام؛ لإضافته المحرّم إلى الشرع المكرّم ولفتيانه بإباحة الحرام، وأقول شعرا:
أضافوا إلى شرع النبيّ ودينه أراذل قالوا أنّها لتباح
هي الدف والتشبيب والشر تابع ولهم تلك ملاهي كلهنّ قباح
قد اتخذوها يا أولي العلم قربة ودانوا عند المساء وصباح
وإذا جئتهم في لهوهم يزفنوا بها سمعت [لهم] مثل الكلاب نباح
ومن حلل التحريم أو حرّم الذي أبيح فذاك الكفر منه صراح
ومن ينتمي في محدث يحدثونه يلاقي [ق ٩٨ / ب] عذابًا ليس منه براح
ومن يقتدي بالجاهلين فما له نعم عن عذاب الجاهلين يراح
وقد شدّدوا فيه الوثاق فما له إلى أن يشاء الله عنه سراح
فإن تاب بالتوبة النصوح فإنه يلاقي من مولي الكريم سماح (^١)
_________________
(١) بالحاشية: "أي جود".
[ ٢٢٤ ]
فإن قالوا ما أحدثنا هذه المحدثات إلا ليجذب أقوامًا من معصية الله ﷿ إلى طاعته وتتألف قلوبهم بذلك، فأقول لهم: قد كان نبيّكم ﷺ إن كنتم من أمته أعلم بأحوال الناس وما يتألّفون به وكذا من بعده من صالحي السّلف وخيار الخلق كانوا لا يجذبون الناس من المعاصي إلى طاعة الله تعالى وإلى طريق الحق بشيء من هذه المحدثات والمكروهات، وإنّما كانوا يجذبونهم بما أمر به من الذكر وقراءة القرآن والتذكير بنعم الله تعالى على عباده وآلائه وعظمته وحكمته وما ينبغي من طاعة وذكر الجنة والنار في الآخرة برفق ولين وشفقة وإرفاد شيء من الدنيا. وقد صح وثبت أن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن كان الرجل ليُسلم وما مراده إلا الدنيا فما عسى إلا ودينه أحب إليه من الدنيا [ق ٩٩ /أ] وما فيها" (^١)، ألا والذي أعرفكم بحال قوم يجذبون الجهّال من المعاصي إلى طاعة الله تعالى وإلى طريق الحق بشيء من هذه المحدثات والمكروهات التي أحدثت بعد أصحاب رسول الله ﵇ مع بقائهم عليها وتزيينهم بها أشدّ ضررًا على أهل الإسلام من الكفار والمشركين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]، وكلّ قوم يستحسنون شيئًا من هذه الحوادث التي أحدثت بعد رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم في الدين ممّن دعائهم الشيطان فأجابوه ودخلوا في حزبه وصاروا ممّن زيّن له سوء عمله فرآه حسنًا، وذلك أنهم لم يقنعوا أن يقولوا فيما أحدثوا أن هذه لعب وخطأ حتى قالوا إن هذا حسنًا وهذا مقامات الرجال، ومذهب أهل الحقّ من أصحاب الحديث وأهل الصدق أن من كان مصرًّا على شيء مجمع على تحريمه ويعتقد ويقوله أنّه حرام وأنّ تركه واجب مندوب إليه فهو فاسق، ومن اعتقد أنّه حلال وأنّه يتقرّب به [ق ٩٩ / ب] إلى الله ﷿ بشيء مجمع على أنه مكروه فهو مبتدع ضال مضلّ قد خرج عن الملّة ومذهب أهل الإسلام وأئمتهم أن من ادّعى رتبة تزيد على السنّة وأفعال الصحابة رضوان الله عليهم لم يلتفت إليه كائنًا من كان، وأقول شعرا:
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ١٨٠٦) (٢٣١٢).
[ ٢٢٥ ]
من ادّعى أن له حالة تخرجه عن منهج الشرع
فلا تكوننّ له صاحبًا فإنه ضر بلا نفع
ولكل من يزعم أن الذي حظر أهل العلم بالمنع (^١)
محلل (^٢) ذاك السفيه الذي قد ضل ما أحسن في الصنع
قد ختم الله على قلبه ومبصر العينين والسمع
ولا له عقل فويل له يوم قيام الناس في الجمع
سحقًا له مبتدع محدث قد وضع الدين عن الرفع
فإن غلطوا أو قالوا رأينا شيوخًا من شيوخنا أحدثوا هذه الأحاديث وسمعوها وفعلوا هذه الأشياء التي تحرمها وتنكرها على فاعلها وضعوها ويزعمون أنّهم في ذلك مقتدون بشيوخ لهم، وهذا دقّ عليهم. فالجواب أن هذا غلط من قائله لا يسمى النصح دقًّا؛ لأنّا ما أوردنا من عندنا شيئًا؛ لأنّ الاعتبار الذي اعتبرنا به هذه المحدثات وعارضناها عليه هو الشرع الذي من خالفه بشيء أحدثه، فقد عانده فما وافقه قبل وما لم [ق ١٠٠ /أ] يوافقه سقط وأهمل، وهذا كما روي أن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ كان يكثر الجلوس إلى ربيعة الرأي، فتذاكروا يومًا في السنن فقال رجل ممن كان في المجلس: "ليس العمل على هذا"، فقال عبد الله: "أرأيت أن كثر الجهّال حتى يكونوا هم الحكّام، أفهم الحجّة على السنة"، فقال ربيعة: "أشهد أنّ هذا كلام أبناء الأنبياء" (^٣)، فإن ذلك كذلك فهؤلاء المخالفون للشرع هم الجهّال وليس قولهم حجة عند من في قلبه أدنى إيمان وعلى أنا لا نسلم أنّ أحدًا من الصلحاء المتقدمين الذين يضاف إليهم هذا أنّه فضلهم، وهذه مصنفات أئمة الدين وأعلام المسلمين مثل مصنّف الإمام مالك والشافعي وأحمد وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي رضوان الله عليهم إلى غيرها وكلّها خالية من دعواهم، وهذه تصانيف فقهاء المسلمين الذين يدور عليهم
_________________
(١) كذا بالأصل.
(٢) كذا بالأصل.
(٣) أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٣٨٠).
[ ٢٢٦ ]
الفتيا قديمًا وحديثًا في شرق البلاد وغربها، وقد صنف المسلمين على مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم تصانيف لا تحصى، وكذلك على مذاهب غيرهم من فقهاء الإسلام كلّها مشحونة بالدق على أهل الحوادث والبدع كأهل السماع والرقص وغيرها من الحوادث والبدع [ق ١٠٠ / ب] التي أحدثت بعد الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى تفسيقهم، وإن صحّ أنّ أحدًا من المتأخرين بعد أصحاب رسول الله ﵇ فعل شيئًا من هذه المحدثات والبدع لم يقبل منه ولا كرامة؛ لأنه لا يجوز وقد أخطأ في ذلك كائنا من كان ولا يجوز الاقتداء به ويترك الاقتداء بالأئمة الراشدين الذين أخذوا كلّ شيء عن النبيّ ﷺ توثيقًا، وأقول شعرا:
تراهم يضربون الأرض جورًا بلا وجد ولا يجدوا ملالةً
إذا حذرتهم بطر العوافي أضافوا ذاك منك إلى الجهالة
وقالوا نحن قوم قد وصلنا فقلت إلى هواكم (^١) لا محالة
فقالوا عن مشايخنا قديمًا ورثنا رقصنا لا عن كلالة
فقلت لهم كذبتم في لحاكم لقد ركبت شيوخكم الضلالة
فقالوا ادرج فما هذا بعش لأرباب المعارف والعدالة
وهذا عشنا أكل وشرب فقلت ليهنكم عيش الزبالة (^٢)
خليلي كف لا تعجل بلومى لإنكاري سماع ذوى الإطالة
وتحريم السماع له وجوه سناها إن بدا كشف الغزالة
إذا أظهرتها شيوخ سوءٍ تراهم منكرين لها جهالة
وإن أنا سمتهم يا صاح يومًا شراها استكثروا فيها النخالة
شيوخ الجهل يتبعهم كثير وذووا التحقيق لن يصلوا حبالة
ومرتبة السماع [ق ١٠١ /أ] لها شيوخ تلوح عليهم منها جلالة
هم أهل الحديث وجاء عنهم خطاب أثبتته لنا الرسالة
لهم نطق يؤيّده كتاب عزيز لا ترد له مقالة
لهم نطق الوجود ما حواه وأدرك سمعهم منه سؤاله
إذا انقطع التناسب بين قوم تنافرت الخواطر بالأصالة
_________________
(١) بالأصل: " هوائكم ".
(٢) وفي الحاشية: "وهي ما تحمل النملة".
[ ٢٢٧ ]
أيا يا إخواني ومن هاهنا ذلّ من لا بصيرة له ولا حياء ولا إيمان وغاب عن كثير من الجهال الصواب تحتج عليهم بالصحابة والصلحاء المتقدّمين ويحتجون علينا برؤساء الجهال الغاشمين (^١) الذين لم يقض لهم بالإصابة كما قضى لأعلام الصحابة نعوذ بالله من حرمان الصواب فهذا أبو بكر المروذي خادم الإمام أحمد رحمة الله عليهما قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يرغب في النكاح فقلت له: "قد قال بعضهم"، فما تركني إن أتمم حتى صاح عليّ وقال لي: "اذكر لك رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله وتأتيني ببنيات الطريق" (^٢) -وفي لفظ قال: قلت: - إن إبراهيم بن أدهم ﵀ حكي عنه أنّه قال: "لروعة صاحب عيال"، فما قدرت أن أتمم الحديث حتى صاح بي وقال: "وقعت في بنيات الطريق"، انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه وقال: قلت لأبي عبد الله: إن الفضيل يروي عنه، قال: لا يزال الرجل في قلوبنا [ق ١٠١ / ب] حتى اجتمع على مائدته جماعة زال عن قلوبنا، قال: دعني من بيّنات الطريق هذا العلم يؤخذ انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه" (^٣)، ألا وأنا أقول لكم: انظروا عافانا الله وإيّاكم ما كان عليه محمد وأصحابه ولا تنتظروا إلى أقوام تشبّهوا بالعلماء والعبّاد وبالواعظين الزّهاد، وليسوا منهم في شيء؛ إذ هم من أهل العناد وبيقين لاشك فيه عند العارفين المحققين والعلماء المكاشفين الصًادقين ما كانت سيرة محمد وأصحابه كسيرة هؤلاء المحدثين المارقين الناكسين المنافقين الذين أحدثوا ما ليس في مذهب المحدثين وغدوا على غيهم وجهلهم وضلالتهم منبعثين، وفيما أضلّهم عن الحق مباحثين، والله ما كان يجري من محمد وأصحابه ما يجري منهم ومحمّد وأصحابه أرق الناس قلوبًا وأخشى الناس لله ﷿ وأهداهم وأتقاهم وأحبّهم إلى الله ﷿ وأفضلهم ممّن جاء بعدهم، وممّن كانوا قبلهم سوى النبيّين والمرسلين صلوات الله عليهم، وإذا ظهر ممّن دونهم شيئًا من أمور الدّين ولم يكن ظهر عنهم علمنا أنه بدعة وضلالة ولا يشك في هذا إلا جاهل يجاهل نقّال (^٤)
_________________
(١) وفي الحاشية: "أي ظالمين".
(٢) ذكره ابن الجوزي في "صيد الخاطر" (ص/٧٦) (١٨٨).
(٣) ذكره المروزي في "الورع لأحمد" (ص/١٢٦)، وابن الجوزي في "ذم ال ٨ هوى" (ص/٢٨٢).
(٤) كذا بالأصل ..
[ ٢٢٨ ]
أو معاند خبيث المقال [ق ١٠٢ /أ] وهذا أبو بكر الخلال ذكر في كتاب "العلم" أنّ أبا النصر إسماعيل بن عبد الله بن ميمون أخبره، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ﵀ قال: حدثنا حجاج عن شريك عن الأعمش عن فضيل بن عمرو، وقال أحمد: أراه عن الفضيل عن سعيد بن جبير ﵀ عن بن عبّاس ﵁ قال: "تمتّع رسول الله ﷺ" فقال عروة: "قد نهى عنها أبو بكر وعمر ﵄"، فقال ابن عباس: "أراكم ستهلكون، أقول لكم قال: رسول الله ﷺ وتقولوا أبو بكر وعمر" (^١)، -وفي لفظ لغيره- قال ابن عباس ﵁: "هذا والله هو الذي أهلككم، والله إنّي لا أرى الله ﷿ إلا سيعذّبكم، أحدّثكم عن رسول الله ﵇ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر ﵄" (^٢)، قلت: والتمتع أن يحرم بالعمرة من الميقات ويقول: لبيّك بعمرة، فإذا أتى مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة حلق أو قصر من شعره وحلّ، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من مكة، ثم يخرج إلى منًى وعرفات، ألا فهذا قول ابن عباس ﵁ لمن عارض قول رسول الله ﵇ يقول أبي بكر وعمر ﵄ الذين شهد لهما رسول الله ﵇ أنهما من أهل الجنة، ووصينا بقبول قوليهما: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي [ق ١٠٢ / ب] الله عنهما" (^٣)،
_________________
(١) إسناده ضعيف والحديث صحيح - أخرجه أحمد في "مسنده" من طريق حجاج بنحوه، وفيه شريك وهو ابن عبد الله النخعي- سيء الحفظ وله شاهد صحيح وهو الحديث التالي.
(٢) صحيح - أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/ ٣٧٧) (٣٨٠) بإسناد صحيح مطولا بنحوه.
(٣) حسن لغيره - أخرج الترمذي (٥/ ٦١٠) (٣٦٦٣) وغيره عن حذيفة ﵁ قال: "كنا جلوسا عند النبي - ﷺ - فقال: إني لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر" وإسناده يه ضعف. والحديث له شواهد عن عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر - ﵃ -، وقد صححه الشيخ الألباني وانظر الصحيحة (١٢٣٣)، وحسنه الشيخ الأرناوؤط بالشواهد في هامش المسند ..
[ ٢٢٩ ]
فكيف بأقوام ضلال قد أعمى الله بصائرهم يعارضون قول رسول الله ﷺ بقول فقيه أو عالم أو شيخ من العبّاد، لقد خابوا وخسروا خسرانًا مبينًا، وضلوا ضلالًا بعيدًا، ألا ليس أحد بعد رسول الله ﵇ يؤخذ من قوله ويترك منه حتى عمر بن الخطاب ﵁ يترك من قوله: الوضوء من مسّ الإبط (^١) وابن مسعود ﵁ من قوله أن المعوّذتين ليستا من القرآن (^٢) قال الهيثم بن جميل: سألت مالكًا ابن أنس رحمة الله عليه ورضوانه، فقلت عندنا بالعراق قوم يبلغهم الحديث عن [رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم فيتركونه ولا يتبعونه ويتبعون ما بلغهم عن] إبراهيم والشعبي، فقال: "يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا" (^٣)،
_________________
(١) ضعيف - أخرج الحميدي في "مسنده" (١/ ٢٣٢) (١٤٣)، والبيهقي في "الكبري" (١/ ٢١٧) من طريق عمرو بن دينار عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمرا أمر رجلا أن يتوضأ من مس الإبط. قال البيهقي: "وحديث مس الإبط مرسل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمر بن الخطاب وقد أنكره الزهري بعدما حدث به وقد يكون أمر بغسل اليد منه تنظيفا".
(٢) ثبت إنكار ابن مسعود للمعوذتين من جهة أنهما نزلا قرآنا، وكان يراهما نزلا للدعاء، فهما دعاء منزل على نبيه ﷺ، وابن مسعود في هذا شذ عن أصحاب النبي ﷺ وخالفهم، وقد أنكر عليه أبي بن كعب والصحابة لما كتبوا المصحف الإمام بل أنكر قوله هذا ثقات أصحابه.
(٣) ذكر ابن حزم في "الإحكام" (٦/ ١٢١) عن الهيثم بن جميل قال: قلت لمالك بن أنس يا أبا عبدالله إن عندنا قوما وضعوا كتبا يقول أحدهم حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب بكذا وحدثنا فلان عن إبراهيم بكذا ونأخذ بقول إبراهيم قال مالك صح عندهم قول عمر قلت إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم فقال مالك: "هؤلاء يستتابون" ..
[ ٢٣٠ ]
ألا فقوم تبلغهم الأحاديث عن رسول الله علي السلام أو عن أصحابه فتركونها ولا يتّبعونها ويتّبعون ما بلغهم عن أقوام جاءوا بعدهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، وصحّ وثبت أنّ وبرة بن عبد الرحمن قال: كنت جالسًا عند ابن عمر ﵁ فجاء رجل فقال: أيصح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف، قال: نعم، قال: فإنّ ابن عباس قال: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجّ رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ [ق ١٠٣ /أ] "أحقّ أن تأخذ"، أو بقول ابن عباس: إن كنت صادقًا" (^١) - وفي لفظ أن وبرة - قال: "سأل رجل ابن عمر أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ "، قال: "وما يمنعك؟ " فقال: "إني رأيت ابن فلان يكرهه وأنت أحبّ إلينا منه رأيناه قد فتنته الدنيا"، فقال: "وأينا أو قال: وأيّكم الذي لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال: "رأينا رسول الله ﵇ أحرم بالحجّ وطاف بالبيت وسعى بين الصّفا والمروة فسنة الله ﷿ وسنة رسول الله أحقّ أن يتتبع من سنة ابن فلان إن كنت صادقًا" (^٢). هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (^٣) إلا أن الاقتداء بعلمائنا وبمشايخنا وبفقرائنا لا يجوز لمن آمن بالله وبرسوله في أمر من الأمور من غير برهان، قال الله ﷿ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فكلّ من لم يقم البرهان على ما ادّعى من قولٍ قاله أو من فعلٍ فعله من كتاب الله تعالى، - ولا من سنة رسوله ﵇ ولا من سنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، فهو كذّاب وليس بصادق فيما ادّعى.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٢/ ٥٠٩) (١٢٣٣).
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" في نفس الموضع السابق.
(٣) لم أقف عليه عند البخاري في "صحيحه".
[ ٢٣١ ]
ومن له برهان من كتاب الله ﷿ أو من سنّة رسوله ﵇ أو من سنة الخلفاء الراشدين في أمرٍ من الأمور المتشابهات غير المحكمات تركه واجب؛ لأن [ق ١٠٣ / ب] الله تعالى قال في محكم كتابه العزيز: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فذمّ مبتغي المتشابه وقرنهم بمبتغى الفتنة، ثم أخبر أنّه لا يعلم تأويله إلا الله والوقف الصحيح عند أهل العلم عند قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١)،
_________________
(١) قال العلامة الشنقيطي في "أضواء البيان" (١/ ١٩١): (لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله: والراسخون في العلم مبتدأ، وخبره يقولون، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: والراسخون معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله: الراسخون في العلم أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية لا عاطفة والقول بأن الوقف تام على قوله: إلا الله، وأن قوله: والراسخون ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب، نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم " وقال الشيخ مناع في "مباحث في علوم القرآن" (ص: ٢٢٤): "الذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ويجعلون: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، استئنافًا، إنما عنوا بذلك التأويل، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد لا يعلمها إلا الله. والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ على أن الواو للعطف وليست للاستئناف، إنما عنوا بذلك التأويل أي التفسير، وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين المذهبين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل ثم قال: أسماء الله وصفاته وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، والعلماء المحققون يفهمون معانيها ويميزون الفرق بينها، وأما نفس الحقيقة فهي من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله".
[ ٢٣٢ ]
وقيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀: كيف لي أن أعرف المتشابه من المحكم؟ فقال: "المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع مختلف فيه والمحكم الذي ليس له اختلاف" (^١)، فإذ ذلك كذلك في كتاب الله ﷿، فترك ما دونه أولى وأوجب، وصحّ وثبت أنّ النبي ﵇ قال "إنّه من يعش منكم بعدي فيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنّتي" (^٢) وقد تقدم الحديث شرحه وبالاتفاق أن النبي ﵇ ما قال عليكم بسنّة علمائكم ومشايخكم ولا قال فاقتدوا بهم واتبعوا طريقهم، ألا فكلما اختلف الناس فيه ممّا لا نصّ لهم فيه من كلام الله ﷿ ولا في سنّة رسول الله ﵇ ولا في سنّة الخلفاء الراشدين ولا إجماع الصّحابة رضوان الله عليهم أنّ ذلك من الشبهات ومن وقع [ق ١٠٤ /أ] في الشبهات وقع في الحرام لما صحّ وثبت عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، وحمى الله ﷿ محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٣).
_________________
(١) قال القاضي أبو يعلى في "العدة" (٢/ ٦٨٥): " ظاهر كلام أحمد ﵀: أن "المحكم": ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان. و"المتشابه": ما احتاج إلى بيان؛ لأنه قال في كتاب "السنة": بيان ما ضلت فيه الزنادقة في القرآن. ثم ذكر آيات تحتاج إلى بيان، وقال في رواية ابن إبراهيم "المحكم": الذي ليس فيه اختلاف، والمتشابه: الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا. ومعناه: ما ذكرنا؛ لأن قوله: "المحكم": الذي يكون في موضع كذا وفي موضع كذا، معناه: الذي يحتاج إلى بيان؛ فتارة يبين بكذا وتارة يبين بكذا؛ لحصول الاختلاف في تأويله ثم ذكر أقوالا أخرى في المحكم والمتشابه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١/ ٢٠) (٥٢)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٢١٩) (١٥٩٩) من طريق زكرياء، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي الله نه به.
[ ٢٣٣ ]
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهذا لفظ عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﵇ قال: «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أَمِنَ الحلال أو من الحرام» (^١). هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه وروي عن ابن عبّاس ﵁ أنّ رسول الله قال: "إنّ عيسى المسيح ﷺ قام في بني إسرائيل خطيبًا، فقال: يا بني إسرائيل لا تتكلّموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، لا تظلموا ولا تكافئوا ظالمًا بظلمه فيبطل فضلكم عند ربّكم، إنّما الأمر ثلاثة: أمر تبيّن رشده فاتبعوه، وأمر تبيّن [ق ١٠٤ / ب] زيفه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردّوه إلى الله ﷿" (^٢). هذا حديث خرجته من حديث أبي بكر أحمد بن الحسين الموصلي ﵀، ألا فإنّ الرقص واستماع الغناء والشبابات واللّعب بالشطرنج ولبس الخرقة من المشايخ وتقليد الجهّال من العباد أمر تبيّن زيفه عند أهل الإسلام والسنة وعند هذه الطائفة المخالفة أمر اختلفوا فيه على ما زعمت بجهلها، فالأولى أن يتركوا هذه الأمر ويردّوه إلى الله ﷿ وإلى رسول الله ﵇ كما قال الله تعالى، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأما على مذهب أهل الإسلام والسنّة فواجب عليهم تركه؛ لأنه أمر تبين زيفه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣/ ٥٩) (٢٠٨٣).
(٢) إسناده ضعيف جدا – أخرجه أحمد في "الزهد" (ص/٢٣٩) (١٧٠٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢١٨) من طريق أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس مطولا به، وهشام قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال عنه ابن حجر: "متروك".
[ ٢٣٤ ]
وروي عن حذيفة اليماني ﵁ أنّه قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﵇ عن الخير وأنا أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله ﵇ إنّا كنّا في جاهلية وشرٍّ فجاءنا الله بهذا الخبر، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: "نعم"، وفيه دخن - يعني وفيه فساد- يقول خير متضمّن فسادًا وتخالطه فتنة"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم تعرف منهم [ق ١٠٥ /أ] وتنكر؟ " قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاه على أبواب جهنّم من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله فما تأمرني أن أفعل إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق وكلّها ولو تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك"، قلت: يا رسول الله صفهم لنا! قال: "هم قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألْسنتنا" (^١). هذا حديث خرجته من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ إسماعيل بن الفضل الأصبهاني، ألا فاعتزلوا ما تجدونه في زمانكم من الفرق والاختلاف، فإن ذلك من البدع والشبهات وتمسّكوا بما تجدونه في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسول الله ﵇ وفي أثر من آثار الصحابة واتركوا ما سوى ذلك من المحدثات ومن البدع والضلالة وقوله ﵇: "من جلدتنا" أي: على خلقتنا ويتكلّمون بألسنتنا يمكن أن يراد بذلك أنّهم يتكلّمون بالعربية ويمكن أن يراد به أنّهم من بني آدم خلقوا كما خُلقنا ويتكلمون كما نتكلّم، وقرأت عن جابر بن عبد الله ﵁ أنّ النبيّ ﵇ قال: "يكون بعدي في أمّتي اختلاف وفرقة، وإنّ قومًا منهم يقولون: ما وجدنا في كتاب الله ﷿ وما اجتمع عليه المسلمون [ق ١٠٥ / ب] صدّقناه، وما اختلفوا فيه وكلّناه إلى الله تعالى أولئك أهدى أمتي أو أرشد أمّتي" (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤/ ١٩٩) (٣٦٠٦)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١٤٧٥) (١٨٤٧) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني، يقول: سمعت حذيفة بن اليمان، يقول فذكره بنحوه.
(٢) لم أقف عليه ..
[ ٢٣٥ ]
ألا فكونوا من أهدى أمّة محمد، ألا وكونوا من أرشد أمّة محمد ﵇، وقد روي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري، رحمة الله عليه أنّ أبا نملة، أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي ﷺ جالس جاءه رجل من اليهود، ومرّ بجنازة، فقال: يا محمّد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: «والله أعلم»، فقال اليهودي: إنّها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ: «ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه» (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف – أخرجه أبو داود في "سننه" (٣/ ٣١٨) (٣٦٤٤)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٦/ ١١٠) (١٠١٦٠)، وأحمد في "مسنده" (٢٨/ ٤٦٠) (١٧٢٢٥، ١٧٢٢٦)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ١٤٠) (٢١٢١)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٩/ ٢٦٨) (٣٦٣٨)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٣٤٩) (٨٧٤)، وغيرهم من طريق الزهري عن ابن أبي نملة عن أبيه ﵁ به، وابن أبي نملة مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الشيخ الأرناؤوط في "هامش المسند": " للقسم الأول- يعني كلام الجنازة- شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، سلف برقم (١١٣٧٢) بلفظ: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق". وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وللقسم الثاني شاهد من حديث أبي هريرة عند البخاري" – وهو الحديث التالي.
[ ٢٣٦ ]
وروي عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانيّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال لنا رسول الله ﵇: "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] " (^١)، ألا فمنعهم رسول الله ﵇ من التصديق خشية أن يكون كذبًا ومن التكذيب خشية أن يكون حقًّا وأمرهم بالعدول إلى قول يدخل فيه الإيمان [ق ١٠٦ /أ] بالحقّ وحده، وهذا كذلك والسلام. وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإنابة: قال: حدّثنا أبو القاسم حفص بن عمر أبنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي أبنا المسيب [بن] واضح السلمي قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه وقلت له: يا أبا محمد إنّك بقية أسلاف العلماء الماضين وإنّك إمام السنّة وأنت على من لقيك حجّة، ولم آتك لأسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، قد جاء الحديث عن النبي ﵇ أن بني إسرائيل افترقوا على اثنين وسبعين فرقة وأنّ أمّتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، فأخبرني ما هذه الفرق حتى أتوقاها، قال لي: إنّ أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة، وهم الروافض، فثمانية عشر في القدرية وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدّثك بحديث لعلّ الله ينفعك به، قلت: بلى رحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرّة، فدخل مسجد الكوفة، فجعل يجلس إلى أصحاب الأهواء، فكلّ يدعوا هواه، فجاء إلى عمرو بن مرّة، فقال: إنّي كنت رجلًا كافرًا وإني دخلت هذا الدّين رجاء بركة، إنّي دخلتُ مسجد الكوفة فجعلت أجلس إلى قوم أصحب أهواء، فكلّ يدعوا إلى [ق ١٠٦ / ب] هواه، وقد اختلفوا علي ولا أدري بأيّهم أتمسّك، فقال له عمرو بن مرّة: اختلفوا في الله تعالى أنه ربّهم، قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم، فقال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنّها قبلتهم، فقال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنّه صومهم،، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة،، فقال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم، فتمسّك به وانظر تلك الفرق التي اختلفوا فيها فاتركها فليست من دينهم في شيء" (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٦/ ٢٠) (٤٤٨٥).
(٢) الإبانة لابن بطة (١/ ٣٧٧) (٢٧٧) ..
[ ٢٣٧ ]
ألا إن قومًا جعلوا الكفر في تمييز ما اشتبه عليهم وطلب الراحة في اتّباع ما يسهل حتى ظنّوا أن ذلك أوفق أمريهم وأحمد حاليهم اغترارًا بأنّ الأسهل محمود، والأوعر مذموم فلن يعدم أن يتورّطوا في الفتنة بخدع الهوى وزينة المكر في كلّ مخوف حذر ومكروه عسر، وكذلك قال عامر بن الظَّرِب (^١): "الهوى يقظان والعقل نائم، فمن ثم غلب"، وقيل في المثل: "العقل وزير ناصح والهوى وكيل فاضح"، أقول شعرا:
إذا ما دعتك النفس يومًا لشهوة وكان عليها للخلاف طريق
فلا تتبعها في [ق ١٠٧ /أ] هواها مطاوعًا فتصبح في بحر الذنوب غريق
وكن لهواها ما استطعت مخالفا كما فعل العباد خير فريق
فقد خالفوها ما استطاعوا على الهوى فنيران ما تهوى النفوس تحيق (^٢)
ولا تطع النفس الغرور فإنّها الأمارة بالسوء بئس رفيق
فإن تطع النفس المضلة في الهوى بك الطير تهوى والمكان سحيق
فخالف هواها ما استطعت فإنما هواها عدّو والخلاف صديق
_________________
(١) هو عامر بن الظَّرِب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان ابن عمرو بن قيس بن عيلان. شاعر جاهلي قديم، إمام العرب وحكمهم في سوق عكاظ، قاد معدًا كلها إلى اليمن يوم البيداء (وهي وقعة بين تهامة واليمن وقيل بين حمير وكلب) فكان واحدًا من ثلاثة اجتمعت عليهم معدّ في الجاهلية. تزوج بـ (ماويّة بنت عوف بنت فهر) و(شقيقة بنت معن بن مالك بن باهلة) وهي إحدى أمهات الرسول ﷺ. وأبرز مآثره لعامر بن الظَّرِب هي الحكم والقضاء فقد كان إمام العرب في مواسمهم وقاضيهم في سوق عكاظ وثمة أحكام له وافقها الإسلام ومنها خلعه لابنته (فعمة) من زوجها عامر بن الحارث. وكان أول خلع في العرب وأول من قضى بأول دية مقدارها مائة ألف من الإبل! وكذلك حكمه في الخنثى. وهو أحد الذين حرّموا الخمر والأزلام في الجاهلية. نقلا عن الموسوعة الشعرية.
(٢) ساقطة من الأصل واستحسنا لها هذه الكلمة.
[ ٢٣٨ ]
ألا فيجب عليكم إن كنتم من العقلاء أن تنبهوا أنفسكم (^١) في صواب ما أحببتم وتحسين ما اشتهيتم؛ ليصحّ لكم الصوب، ويتبيّن لكم الحقّ، فإن الحق أثقل محملًا وأصعب ركابًا، أيها الناس متى وجدتم اثنين اختلفوا في شيء فانظروا أيّهم أعلم بكتاب الله ﷿ وبسنة رسوله وأي قول أقرب وأشبه إلى ما كان عليه [عليه] السلام وصحابته رضوان الله عليهم، فتمسكوا به ودعوا ما سوى ذلك، فإن جهلتم أمر ذلك وأشكل عليكم ولم يتبين لكم في ذلك شيء فانظروا أيّ القولين أثقل على أنفسكم فتمسكوا به واجتنبوا أحبهما إليكم ودعوا واتركوا أسهلهما عليكم وخذوا بأثقلهما لديكم، فإن النفس عن الحق أنفر وللهوى آثر وتميل إلى ما ليس في حضوره كلفة ولا فيه مجاهدة [ق ١٠٧ / ب] بل هو مشتهًا عندها مستلذًّا لها غاية الالتذاذ، وهذا يقطع بأنه باطل، فإنّ الحقّ من سائر أنواعه شاقّ على النفوس ثقيل على أكثر الطباع فقد صحّ وثبت أنّ رسول الله ﵇ قال: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (^٢)، وقال ابن مسعود ﵁: «الحق ثقيل مَرِيءٌ، والباطل خفيف وَبِيءٌ، وربّ شهوة ساعة، تورث حزنا طويلا» (^٣)، فقد جاء في الحديث عن النبي ﵇: "ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلًا" (^٤).
_________________
(١) بالأصل: "أنفسهم".
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ٢١٧٤) (٢٨٢٢) من حديث أنس ﵁.
(٣) حسن لغيره- أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص/٩٨) (٢٩٠)، وهناد في "الزهد" (١/ ٢٨٧) (٤٩٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٣٤)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٤٢٨) من طريق موسى بن عبيدة عن أبي عمرو عن ابن مسعود ﵁ به. وموسى بن عبيدة قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال ابن حجر: "ضعيف"، وله شاهد عند ابن المبارك في "الزهد" (ص/٢٩١) (٨٥٠) عن حذيفة ﵁ بنحوه، وفيه أبو جناب الكلبي ضعيف لكثرة تدليسه، والأثر يتقوى بهما.
(٤) إسناده ضعيف جدا - أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٥/ ١٦٥) (٢٧٠٣)، والآجري في"أدب النفوس" (ص/٢٦٨) (١٦)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٦/ ٣٠٥٦) (٧٠٦٩)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ٣٠٨) (١٤٢٣)، والبيهقي في "الشعب" من طريق بقية، حدثنا سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي البحير مطولا به، وفيه سعيد بن سنان قال عنه في "التقريب": " متروك، ورماه الدارقطنى وغيره بالوضع".
[ ٢٣٩ ]
اعلم أن الشهوات ما دعا إليه الطبع ومال إليه هوى النفس من لذّات الدنيا، فكأنّه ﵇ أشار إلى أن شهوة دنية من شهوات الدنيا تنقضي في أدنى زمان فتذهب لذّتها وتفنى سريعًا قد تورث صاحبها حزنًا طويلًا وكآبةً وغمًّا طويلًا قد لا ينفك عنه أيّام دنياه، وربّما اتّصل بحسرة وحزن وندامة وتأسّف طويل لا يفارقه في أخراه غدًا ولا يبيد ولا ينقضي أبدًا، وذلك كشهوة نظرة إلى مستحسن محرّم يفضي به إلى مواقعة الكبائر أو كلمة باطل يمنع بها حقًّا أو يحق بها باطلًا فيعقبه بها حزنًا طويلًا كما قال ﷺ "أن الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يرفع بها بالًا (^١) يهوي [ق ١٠٨ /أ] بها في النار سبعين خريفًا" (^٢)، وأما النظرة نظرة العابد الذي كان مجاب الدعوة فجيء بامرأة مريضة جميلة فتركت عنده ليدعو لها فنظر إليها نظرة، فلم تزل به الشهوة حتى واقعها وعلقت فخشي الفضيحة فقتلها ودفنها إلى جانب الصومعة، ثم قال لأهلها أنها ماتت ودفنتها فقبلوا قوله فجاء الشيطان، فأعلم أخوتها بما صنع بها العابد ودلّهم على قبرها في صومعة فجاؤها فوجدوها فأخذوه ليصلبوه، فجاء الشيطان فقال له: أنا أوقعتك في هذا كلّه، فإن سجدت لي سجدة واحدة خلّصتُك من القتل فسجد له فكفر وقتل على هذه الحال ذكر هذه القصة المفسّرون في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ ﴾ الآية [الحشر: ١٦] (^٣)
_________________
(١) بالأصل: "باطلا".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٨/ ١٠٠ - ١٠١) (٦٤٧٧، ٦٤٧٨)، ومسلم في "صحيحه" (٤/ ٢٢٩٠) (٢٩٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٩٤) عن خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أَبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن نهيك، قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: فذكره بنحوه، وإسناده صحيح وشعبة سمع من أبي إسحاق، وهو السبيعي قبل اختلاطه، كما أن أبا إسحاق صرح بالسماع، وقد اختلف على أبي إسحاق من طرق أخرى ضعيفة. وأخرجه الخرائطي في "إعتلال القلوب" (١/ ١٠١) (١٩٦) من طريق علي بن حرب قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الحسن بن عبيد الله، عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ يقول فذكره بنحوه، وإسناده صحيح إلا أنه منقطع بين عدي وابن عباس. وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٢٩٥) عن يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله بن مسعود بنحوه، وأبو يحيى لم أعرفه. وورد الحديث مرفوعا عند ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" (ص/٨٠) (٦١) عن بكر بن عبيد نا عبد الرحمن بن يونس، نا سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو بن دينار أن عروة بن عامر سمع عبيد بن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ بنحوه، وإسناده مرسل فلا يعلم لعبيد صحبة. وعليه فالأثر ضعيف مرفوعا صحيح موقوفا، ومثله من الموقوفات لا يكون إلا مأخوذا عن أهل الكتاب.
[ ٢٤٠ ]
وفي وجيز هذا اللفظ منه ﵇ أتمّ وأزجر وأبلغ ردع عن متابعة الشهوات وغرور الأماني لما يعقب من طول البلاء ودوام الحزن والخسران أبدًا بعد قصر لذّة التهاني، وأقول شعرا:
يا مطيعًا لنفسه في هواها عندما تشتهي معاصي الجليل
تابعًا نفسه مطيعًا هواها في معاصيه لذةً بالقليل
كلّما سوّلت لأمر أتاه ما عصاها في ذلك التسويل [ق ١٠٨ / ب]
ما له عن شهواتها من براح يقتضي في خلافها التحويل
سوف ترميه باتباع في هواها وبال بكلّ أمر وسبيل
ويلاقي بذاك حزنًا طويلًا في قبيل يا ذلة من قبيل
في قبيل العصاة مع كلّ عاص مات لا توبة له بالسبيل
كم قتيل لشهوة وإسراف من مشته (^١) خلاف الجميل
شهوات الإنسان تورثه الذّل وتلقيه في البلاء الطويل
قرأت أنّ العباس ﵁ عمّ نبيّنا ﵇ قال: "إذا اشتبه عليك أمرين فدع أحبّهما إليك، وخذ بأثقلهما عليك" (^٢)، قال الأصمعي: قيل لبعض العرب إذا أشكل على الرجل أمران لا يدري أيّهما أرشد فأيّهما يتبع، قال ليخالف أقربهما من هواه، فإن أكثر ما يكون الخطب باتّباع الهوى. وروي نحو هذا عن سفيان بن عيينة ﵁ ألا ليس التشديد مما يستمال به العامة والجهال غالبًا، بل النفوس إلى الرخص والبطالة واللهو أميل كما قيل شعرا:
داعيات الهوى يهون علينا وخلاف الهوى علينا ثقيل
مع نفوس لا تنثني عن هواها الفتنة رواحها والمقيل
ولا تثن عزمها عنه يومًا عنده يستقبلها المستقيل
كيف هذا وقد تمكن منها شهوات [ق ١٠٩ /أ]
(^٣) كخيل
ترتمي في الهوى إذا ما دعاها عند لهو تراه حسنًا جميل
فارهبوا من نفوسكم واحذروها أن تميلوا إلى هواها المميل
فهي أعدى عدوكم فاتقوها قبل تلقونها بها البكاء والعويل
فمطيع الهوى غدا سوف يلقى في عذاب الجحيم [حز] نا طويل
_________________
(١) من الشهوة
(٢) ذكره الماوردي في "أدب الدنيا والدين" (ص/٣٣) بدون إسناد.
(٣) بالأصل مقدار سطر لم يظهر في التصوير.
[ ٢٤١ ]
وعلّة هذا القول أن الثقيل تبطئ النفوس عن التسرع إليه، فيتضح مع الإبطاء وتطاول الزمان صوابُ ما استعجم وظهور ما اشتبه، والمحبوب السهل تُسرع النفس إليه وتعجل بالإقدام عليه فيقصر الزمان عن تصفحه ويفوت استدراكه؛ لتقضي فعله فلا ينفع التصفّح (^١) بعد العمل ولا الاستبانة بعد الفوت، وأقول شعرا:
إذا فات المفات فلا رجوع ويبقى من عواقبه الوجيع
ويبقى ردّه صعبًا عسيرًا وفي عُقباه عبرته نجيع
وليس يردّ ما قد فات يومًا خميس كلّه بطل شجيع
أليس طِلاب ما قد فات جهل وذكر المرء ما لا يستطيع
فلا تك غافلًا عن كلّ خير وكن لله في الدنيا مطيع (^٢)
ولا تطع الهوى ودع الأماني ونفسك في هواها لا تطيع
وكن بالعمر في الدنيا ضنينًا ولا أيامه لهوًا مطيع
فعمرك رأس مالك فاستفده ووقتك لا تضيّعه بما (^٣) تضيع
وكن حذرًا [ق ١٠٩ / ب] وقوفك في ميعادٍ بيوم قد يشيب له الرضيع
وقد روينا عن رسول الله ﵇: "أفضل الأعمال ما خولفت عليه النفوس" (^٤)، وأقول شعرا:
ألا قل لمن يهوى ورود المناهل على كلّ ما يهوى النفوس نباهل
يبلغ جهلًا نفسه كلما اشتهت وسحقًا لتباع النفوس الجواهل
إذا طالبته النفس يومًا بشهوة تساهل ما يهوى بكلّ التساهل
أطاع الهوى طوعًا ولم يعص نفسه يسارع ما تهواه لا بالتماهل
إذ المرء أعطى نفسه كلّما اشتهت ولم ينهها تافت إلى كلّ باطل
إذ نفسه لم ينهها عند غيّها وطوّل نهيًا نفسه بالتماطل
إذا طعمت فيه أماتت حياته وعامره ما كان حيا بعاطل
وساقت إليه الإثم والعار للذي دعته إليه من حلاوة عاجل
فكن حذرًا منها على كلّ حالة وإيّاك أمرًا أنت [منه] بخاجل
_________________
(١) قال الزبيدي في تاج العروس مادة: ص ف ح: " وَفِي (الأَساس): تَصفَّحَه: تَأَمَّله ونَظَرَ فِي صَفَحَاتِه: والقَوْمَ: نَظَرَ فِي أَحْوَالِهم وَفِي خِلالِهم، هَل يَرَى فُلانًا. وتَصَفَّحَ الأَمْرَ. قَالَ الخَفَاجيّ فِي العِناية فِي أَثْنَاءِ القِتَال: التَّصفُّحُ: التَّأَمُّلُ لَا مُطْلَقُ النَّظَرِ، كَمَا فِي (الْقَامُوس) قَالَ شيخُنا: قلت: إِن النّظر هُوَ التأَمُّل، كَمَا صَرَّح بِهِ فِي قَوْلهم: فِيهِ نَظَرٌ".
(٢) في الأصل: تطيع، ولعل الأصوب: مطيع، وحذفت الألف للقافية، كما أنها لغة، والله أعلم
(٣) الأولى حذفها لاستقامة الوزن.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (ص/١٢٣) (١١٣) من قول عمر بن عبد العزيز ﵁ بلفظ: "ما أكرهت"، وقال العراقي في "تخريج الإحياء": "لا أصل له مرفوعا".
[ ٢٤٢ ]
ألا فإن لم يتبيّن لكم في ذلك شيء فاتركوا كلا الأمرين الذين اختلف فيها؛ لأنهما من المتشابهات وقد قال الله ﷿ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] قال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن النّاقد ابنا أبو طالب قال: قال عبد السلام لأبي عبد الله [ق ١١٠ /أ] هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنّ بطرسوس رجلًا قد سمع رأي عبد الله بن المبارك يفتي به قال: هذا من ضيق علم الرجل تقلّد دينه رجلًا لا يكون واسعًا في العلم، فقال عبد السلام: ذهب إليه أبو بكر فقال: إذا جاءك عن رسول الله ﷺ خبر وجاء عن سفيان وابن المبارك بأيّهما تأخذ؟ فقال بخبر ابن المبارك وسفيان، فقال: لو أمكنني لضربتك بالسيف حتى أقتلك ونحو هذا فقال أبو عبد الله سبحان الله واستعظم قوله أخذ بقول ابن المبارك واترك قول النبي ﵇ قال له الشامي القتل بمرة لو كان قال غير هذا، فقال أبو عبد الله تنكر عليه يدع حديث رسول الله ﵇ ويأخذ بقول ابن المبارك وسفيان، وقد قال الله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فمن ردّ حديث رسول الله ﵇ أيكون مؤمنًا وهو قد كفر في بعض حالاته وأيّ شيء شرّ من رجل يردّ على رسول الله ﵇ حديثه، وابن أبي ذئب ﵀ بلغه أنّ فلانًا (^١) ﵀ لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" (^٢)، فقال يستتاب وإلا ضربت عنقه.
_________________
(١) المقصود هنا هو الإمام مالك، وهو لم يرد الحديث بل تأوله كما سيذكر المؤلف في تتمة هذا الأثر.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣/ ٥٨) (٢٠٧٩)، ومسلم في "صحيحه" (٣/ ١١٦٤) (١٥٣٢) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن حكيم بن حزام ﵁ مطولا به.
[ ٢٤٣ ]
هذا حديث مستفيض بالمدينة عن رسول الله ﵇ لا يأخذ إن تاب وإلا ضربت عنقه وفلانًا [ق ١١٠ / ب] ﵀ لم يردّ الحديث إنّما تأويله على غير ذلك، فقال له الشامي: من أعلم فلان أو ابن أبي ذئب قال: ابن أبي ذئب في هذا أكثر من فلان وابن أبي ذئب أصلح في دينه وأورع وأقوم من فلان بالحقّ عند السلاطين وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يهبه أن قال له الحقّ قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر، وقال حماد بن خالد: كان يشبه ابن أبي ذئب سعيد بن المسيب في زمانه [وما كان ابن أبي ذئب] وفلان رحمهما الله عند السلطان، وكان ابن أبي ذئب إذا تكلّم بالحقّ والأمر والنهي وفلان ﵀ ساكت، وإنّما كان يقال ابن أبي ذئب وسعد بن إبراهيم أصحاب أمر ونهي، قلت: ما يقول أحد في حديثه شيئًا – يعني سعد بن إبراهيم- فقال: كان ثقة في حديثه ورجلًا صالحًا ورعا صدوقًا (^١). قال له الشامي: رأيت يزيد بن هارون جاء والإمام يخطب ولم يصلّ ركعتين، فقلت له: أليس حدثتنا بحديث جابر عن النبي ﵇ "إذا جاء الرجل والإمام يخطب فليصل ركعتين" (^٢) وأنت لم تصلّ، فقال: ما قال النبي ﷺ فهو حقّ، فقال أبو عبد الله: ليس قول يزيد قرآنًا، فقد ردّ على النبي ﵇ حديث؛ حيث لم يعمل به. وفيه أن سعيد بن جبير حدّث بحديث النبي ﵇، [ق ١١١ /أ] فقال له رجل: أليس قد قال الله ﷿ في كتابه كذا وكذا؟ قال: "أحدثك عن رسول الله وتقول قال الله في كتابه كذا وكذا كان رسول الله ﵇ أعلم بكتاب الله منّي ومنك" (^٣)،
_________________
(١) ذكره أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٥١)، والذهبي في "تاريخ الإسلام" (٩/ ٦٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢/ ٥٧)، ومسلم في "صحيحه" (٢/ ٥٩٦) (٨٧٥) من طريق شعبة، عن عمرو، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ مطولا بنحوه.
(٣) صحيح - أخرجه الدارمي في "سننه" (١/ ٤٧٥) (٦١٠)، واالآجري في "الشريعة" (١/ ٤١٧) (٩٩)، وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٢٤٨) (٨١)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (١/ ٢٠٠) (٣٥٠) من طريق حماد بن سلمة عن يعلي بن حكيم عن ابن جبير به، ورواته ثقات، وصحح إسناده الشيخ حسين أسد ..
[ ٢٤٤ ]
وفيه قيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀ فإذا اختلف أصحاب رسول الله ﵇ وعليهم، فهل يجوز لرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار؟ قال: لا إلا على الاختيار، وقيل له: كيف يختار؟ قال: ينظر إلى أقرب الأقوال إلى الكتاب والسنّة وفيه أنّ مجاهدا والشعبي رحمهما الله قالا: إذا اختلف الناس فانظروا ما قال عمر فخذوا به (^١)، وفيه أن الإمام أحمد قال: من ردّ حديث رسول الله ﵇ فقد هلك، والذي يجب عليه: العمل بحديث رسول الله ﵇ إذا صحّ عنده وإنّما يصحّ الحديث بصحة إسناده وثقة رواته (^٢)، فإذا كان هكذا وجب العمل به ولمن قلد الخبر أن يسلم، وفيه أنّ الإمام أحمد قال: إنّ الإتباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي ﵇ وعن أصحابه وهو في التابعين بعد مخيّر، وفيه أن الإمام أحمد قال: ما تصنع بالتابعين مع أصحاب النبي ﵇، وفيه أن الإمام أحمد كان يذاكر رجلًا فقال الرجل: قال عطاء، وقال عطاء فأخذ الإمام أحمد نعله وقام وقال: أقول لك قال ابن عمرو تقول قال عطاء [ق ١١١ / ب] من عطاء ومن أبوه، وصفق الباب ودخل. وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الحديثين يجيئان عن النبي ﵇ مختلفين بإسناد صحيح، فقال: إذا تكافئا ينظر إلى ما عمل به أو قال إلى ما فعل به الخلفاء بعده وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم -وفي لفظ- قال ينظر إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله ﵇ ويؤخذ به. وفيه أنّ ابن سيرين رحمة الله عليه كان إذا سمع الحديثين المختلفين عن النبي ﵇ أخذ بما صنع عمر ﵁، وفيه عن الإمام أحمد ﵀ أنه قيل له: إن بعض من يقول أنّ أصحاب رسول الله ﵇ إذا اختلفوا فلي أن أخرج من أقاويلهم واختار أنا أيضًا، فقال الإمام أحمد: هذا قول خبيث قول أهل البدع ليس لأحد أن يخرج عن أقاويل أصحاب رسول الله ﵇ وإن اختلفوا، وفيه قال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي أبنا مؤمل أبنا ثنا حماد بن زيد عن علي عن الحسن (^٣)
_________________
(١) ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين قول مجاهد بنحوه، وذكر قول الشعبي بلفظ: " قال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضاء فيأخذ بقول عمر".
(٢) بالأصل: " وثقاته".
(٣) بالأصل: "الحسين"، والتصويب من المسند ..
[ ٢٤٥ ]
عن عمران بن حصين قال: "نزل القرآن وسنّ رسول الله ﵇ [السنن]، ثم قال: اتّبعوا فوالله إن لم تفعلوا تضلّوا" (^١)، وقال الخلال: أخبرنا يحيى ثنا عبد الوهاب أنا داود عن الشعبي وقال: قال [ق ١١٢ /أ] شريح ﵀: "إنّ الله ﷿ سنّ سننًا، وإنّ الناس ابتدعوا بدعةً فخلطوا بدعهم بسنن رسول الله ﷺ، فإذا سئلتم عن شيء من ذلك فميّزوا السنن على وجهها وردّوا البدع على أهلها" (^٢)، وفيه أنّ أبا الخلال قال: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل- يقول وذكَرَ أهل الرد (^٣) وردّهم الحديث واستعمالهم القياس، فقال الخبر عن رسول الله عليه وسلم صحيحًا، ونقله الثقات فهو سنّته ويجب العمل به على من عقله ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياسٍ إذا كان الحديث نقي الإسناد، وفي الحديث ما يغنيك عن القياس"، وقيل له الرجل يعرف الحديث وطرقه ولا يذهب إليه، قال: "لا يقال لهذا صالح ولا كرامة طاعة رسول الله ﵇ في كتاب الله ﷿ في ثلاثة وثلاثين موضعًا". ألا أيّها الناس فاعتبروا تدبّروا ما ذكرناه، فإذا كان هذا حال قوم يعارضون قول رسول الله ﵇ بقول الله ﷿ أو بقول أصحاب الرّسول أو يعارضون قول الصحابة بقول (^٤) التابعين، فصحّ بيقين لا شك فيه أن قومًا يعرضون (^٥) ما أقرأُ عليهم على أقوال [ق ١١٢ / ب] أقوام من رؤسائهم وساداتهم وعلى أفعالهم أنّهم على ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأقول شعرا:
أهل التصوّف أفٍّ من ديانتكم فإنّ دينكم دين الزرادير (^٦)
أكل وشرب ورقص واستماع غنا ماذا تركتم لأصحاب المواخير (^٧)
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه أحمد في "المسند" (٣٣/ ٢٠٣) (١٩٩٩٨)، وقال الشيخ الأرناؤوط: " إسناده ضعيف، مؤمل - وهو ابن إسماعيل- سيئ الحفظ، وعلي بن زيد- وهو ابن جدعان- ضعيف، والحسن - وهو البصري- لم يسمع من عمران".
(٢) صحيح - أخرجه سعيد بن منصور قي "سننه" (١/ ٤٣٠) (١٦٦٥)، وابن ابي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٩٢) (١٨١٤٠) من طريق داود بن أبى هند عن الشعبي عن شريح مطولا به، ورواته ثقات.
(٣) بالأصل: "الراد".
(٤) في الأصل: " بعد".
(٥) بالأصل: " يعارضون".
(٦) كذا بالأصل.
(٧) قال ابن الجوزي في "غريب الحديث" (٢/ ٣٤٧): (قال الليث الماخور مجلس الريبة ومجتمعه).
[ ٢٤٦ ]
بعتم دينكم بخسًا بمأكلة من الطعام ورقصًا كالمساخير
جعلتم رقصكم أعلى عبادتكم ورنة الدف معه صوت المزامير
تشمصون (^١) إذا قام السماع لكم مثل البهائم مع صوت الصفافير
وتزعمون بأنّ الحقّ مذهبكم وكذبتم وكفرتم بالمقادير
تركتم سنّة المختار واضحة لم تتبعوها وعنها بالكواسير
ثم اتفقتم على الأهواء كلّهم في لذّة اللّهو إثم بالنحارير
خالفتم سنّة الهادي بفعلكم مثل الفسافس (^٢) شدّو بالزنانير
وأقول:
أيا من يبتغي اللّهو على الرقص له حرص
أباع الدين بالبخس إذا الشهوات يختصّ
أضاع العمر في لهو على آثاره القصّ
إذا ما شاهد القصا ص في اللهو لهم رص
كما البنيان مرصوص غدا في الحجر الجصّ
إذا ما ذكر الرقص غدا وافيه مختصّ
تركت الرقص عن علم لأن الرقص في نقص
وهل يرقص يا قوم سوى [ق ١١٣ /أ] مبتدع لصً
وهل يرقص ذو لبّ وما جاء به النص
وأقول:
يا من يروم الأنام بخربة في بلد فداخله وطنا
في النّاس أخلاقهم وطبعهم في بلدة يبتلي بها القطنا
نراه ما بيننا يمرّنا بعينه وآرنا مخالطنا
اسمع يقينًا وكن على ثقة ثم افهم القول لا تبالطنا (^٣)
شر الورى يا أخي وأحمقهم تراه إن كنت عاقلًا فطنا
كلُّ عتلّ كأنّه وعل قد عظمت بطنه وقد سمنا
خال من العلم شيخ طائفة قد جعلوه ما بينهم وثنا
وأقول:
قد نصبوه شيخًا لقدوتهم به فضلّوا وخالفوا السننا
دينهم الرقص والغنا لقد ضلّوا بهذا وفارحوا (^٤) الفتنا
عدوي كف عن لومي عدوّي فإنّي عنك مشغول بسؤلي
ولا تلقي بنفسك في جحيم أعدّت للمضل عن السبيل
أَيا جِيَل التصوّف شر جيل لقد جئتم بأمر مستحيل
غدا من دينكم أكل وشرب ورقص في البيوت والحقول
أفي القرآن قال لكم إلهى كلوا أكل البهائم وارقصوا لي
أم الأخبار تنبئكم بهذا من النصّ الصحيح عن الرسول
فلا والله ما هذا طريق التّـ ـعبّد والمراد إلي الوصول
_________________
(١) قال الفيروزآبادي في "القاموس المحيط": شَمَصَ الدَّوابَّ: طَرَدَهَا طَرْدًا نَشيطًا أو عنِيفًا، والشُّماصُ، بالضم: العَجَلَةُ.
(٢) الفسفاس الشديد الحمق كما جاء في المعجم الوسيط.
(٣) قال الأصفهاني في "الأغاني": " قال إسحاق: المبالطة: أن تنشد أول الشعر وآخره ".
(٤) كذا بالأصل، ولعلها: "وقارعوا"، والله أعلم.
[ ٢٤٧ ]