ألا فاستمعوا الآن ما أذكره من النصوص والبراهين من قول الله ﷿ ومن قول رسوله ﷺ، ومن أقوال الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم [ق ٤٢ /ب] أجمعين ومن أقوال الأئمة الأربعة المقتدين بهم رضوان الله تعالى عليهم في الردّ على هذه الطائفة أصلحها الله. فأما الردّ عليها من قول الله تعالى فآيات كثيرة: فمنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]؛ لأنه تعالى نبّه على أسباب المهالك والخسران ومع مطلقة، فتجري عليهم بإطلاقها قاله أبو الليث الفقيه السمرقندي (^٢) ﵀.
ومنها قوله ﷿: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أراد باللغو الغناء قاله الضحاك وعكرمة وقال عطاء: أراد كلما يُلهي.
_________________
(١) تصغير لكلمة: "الناس".
(٢) هو: نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي، أبو الليث، من أئمة الحنفية، من الزهاد المتصوفين، توفي عام ٣٧٣ هـ، له تصانيف نفيسة، منها: تفسير القرآن، عمدة العقائد، بستان العارفين، خزانة الفقه، تنبيه الغافلين، شرح الجامع الصغير، النوازل من الفتاوى. انظر ترجمته في: الفوائد البهية (ص/٢٢٠)، الجواهر المضية (٢/ ١٩٦)، الأعلام للزركلي (٨/ ٢٧)، وغيرها.
[ ١٠٦ ]
ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١] أي وأنتم تغنّون بلغة حمير، ويقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى قاله ابن عبّاس (^١) ومجاهد (^٢).
ومنها قوله ﷿ في حقّ إبليس اللعين: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير. ألا فكفى بقومٍ ضلالةً وخزيًا أن جعلوا صوت الشيطان عبادة الرحمن وأنهم أعمى وأضل من قوم عابهم الله [ق ٤٣ / أ] بقوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] قيل: المكاء: التصفير والتصدية: التصفيق.
ومنها قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يشهدون الغناء قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية ومجاهد.
_________________
(١) صحيح - أخرج ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٢) (٣٣)، والبزار في "مسنده" (١١/ ٤٠) (٤٧٤٢)، والطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٥٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٣٧٧)، وغيره من طريق عكرمة عن ابن عباس قال:: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال: " هو الغناء بالحميرية، اسمدي لنا، تغني لنا " ورواته ثقات.
(٢) الذي وقفت عليه عن مجاهد أنه كان يفسر السمود بالبرطمة، فروى الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) قال: كانوا يمرّون على النبيّ ﷺ غضابا مُبَرْطِمين، وابن أبي نجيح وإن كان يدلس عن مجاهد، ولم يصرح بالسماع منه إلا أن الواسطة بينهما معروفة وهو: القاسم بن أبي بزة وهو ثقة.
[ ١٠٧ ]
ومنها قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] لهو الحديث: الغناء. قاله ابن العباس (^١) وابن مسعود (^٢) وابن عمر (^٣)
_________________
(١) حسن لغيره - أخرج البخاري في "الأدب المفرد" (ص/٢٧٤) (٧٨٦)، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٤٠) (٢٧)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٧، ١٢٨)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٣٧٣) من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) (لقمان: ٦) قال: الغناء وأشباهه. وعطاء اختلط، وللأثر طرق أخرى عند الطبرى، وغيره فيها ضعف، ولكنها تقويه.
(٢) إسناده حسن - أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٤/ ٣٦٨) (٢١١٣٠)، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" (ص/٣٩) (٢٦)، والطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٥) (٣٥٤٢)، وصححه على شرطهما، وقال الذهبي: "صحيح"، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ١٠٦) (٤٧٤٣)، وغيرهم من طريق حميد الخراط عن عمار الدهني عن ابن جبير عن أبي الصهباء أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغَيْرِ عِلْمٍ) فقال عبد الله: الغناء، والذي لا إله إلا هو، يردّدها ثلاث مرّات. وصهيب -وهو أبو الصهباء البكري- فقد روى له أبو داود والنسائي وله ذكر في "صحيح مسلم" (١٥٩٤) (١٠٠) في حديث داود عن أبي نضرة، عن أبي سعيد في الصرف، ووثقه أبو زرعة والعجلي وابن حبان، وقال النسائي: بصري ضعيف، وقال ابن حجر: مقبول. فالإسناد حسن.
(٣) منكر - أخرج الواحدي في "تفسيره" (٣/ ٤٤١) (٧٢٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم النصراباذي الصوفي، أنا إسماعيل بن نجيد، أنا محمد بن الحسن بن الخليل، نا هشام بن عمار، نا محمد بن القاسم بن سميع، أنا ابن أبي الزعيزعة، عن نافع، عن ابن عمر، أنه سمع النبي، ﷺ، في هذه الآية، ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ قال: باللعب والباطل، كثير النفقة، سمح فيه، لا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به) وابن أبي الزعيزعة قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث جدا لا يشتغل به ..
[ ١٠٨ ]
وعكرمة والحسن البصري وقتادة وإبراهيم النخعي رضوان الله عليهم، وفي لفظ لابن عبّاس ﵁: "الباطلُ والغناء" (^١). ولا شكّ ولا مرية عند ذوي البصائر والعقول أن لعب القضيب والرقص من اللهو ومن الباطل وسئل ابن مسعود ﵁ عن معنى هذه الآية فقال: "هو والذي لا إله إلا هو الغناء"، وفي لفظ قال: "والذي لا إله إلا هو الغناء، والذي لا إله إلا هو الغناء" (^٢). وقال مجاهد: لهو الحديث الغناء والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليها وإلى مثلها من الباطل، فذلك لهو الحديث يتخذها هزوًا ولحديث مجاهد طرق كثيرة، وبه يقول جماعة آخرون من أئمة الإسلام وعلمائهم أن لهو الحديث الغناء. وأكذب الله ﷿ أهل الرقص والسماع بقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وبقوله [ق ٤٣ / ب] ﷿: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بتكذيب من أحدث في دين الله ما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ.
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما روى الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٢٨) من طريق محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) قال: "باطل الحديث: هو الغناء ونحوه".وهذه سلسلة تسمى سلسلة العَوْفيين سلسلة العجب، وهي سلسلة ضعيفة.
(٢) سبق تخريج أثر ابن مسعود ﵁ آنفا.
[ ١٠٩ ]
وعمل هذه الطائفة الخبيثة شرع في دين الله غير مأذون به من الله وكل ما كان كذلك فهو مردود ومذموم لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فمن زعم أنَّ ما تفعل هذه الطائفة المحدثة من ضرب القضيب والتواجد والرقص واستماع الغناء والشبابات حسن ومندوب إليه يكون قد شرع في دين الله ما لم يأذن به الله ﷿، والله قد منع ذلك وأبين من هذا أن من شرع شرعًا لم يأذن به فهو صاحب شرك؛ لأن اتّباع الشرع عبادة والمعبود رب فمن لا رب له إلا الله فهو لا يتبع إلا لربّه ﷿، ولماء جاء عنه وعن رسوله ﷺ، ومن له ربّ غير الله تعالى فإنّه متّبع له، ولما شرع عنه فمعبود أهل الرقص والسماع من شرع لهم الرقص والسماع أعاذنا الله وإيّاكم [ق ٤٤ /أ] من ذلك. وقد جاء في القرآن النهي عن الرقص قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقد ذمّ الله ﷿ المختال ونهى عن الرقص أشد من الخيلاء وأشدّ من المرح والبطر. أولسنا قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في السكر، فما لنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل؛ لاجتماعهم في الإطراب وهل يحسن يا إخواني بمن يريد الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم صائر إلى إحدى الدارين أن يشمص بالرقص تشميص البهائم (^١)، ويصفق تصفيق النسوة عند حضور المرد ألا وهل شيء يرزي (^٢)
_________________
(١) شَمَصَ الدَّوابَّ: طَرَدَهَا طَرْدًا نَشيطًا أو عنِيفًا، وانظر القاموس المحيط، ومختار الصحاح وتهذيب اللغة وغيرها.
(٢) أي يلجئ ويصير، قال الأزهري في "تهذيب اللغة": " وَقَالَ شمر: إِنَّه ليُرْزِي إِلَى قوّةٍ، أَي: يَلجأُ إِلَيْهَا؛ وأَنشَد قولَ رؤبة: يُرْزِي إِلَى أَيْدٍ شَديد إيَاد وَقَالَ اللَّيْث: أَرْزَا فلانٌ إِلَى كَذَا، أَي: صَار إِلَيْهِ، وَالصَّحِيح تركُ الْهَمْز".
[ ١١٠ ]
بذوي العقل والوقار ويخرجهم عن سمت الحلم والأدب بأقبح من ذي لحية أن ينفذ كالدب عند استماع الأغاني خصوصًا إذا كان ذا شيبة على وقاع الألحان مع الاستماع إلى أصوات الأغاني من النساء والمرادان فإذا تمكن الطرب منهم في حال رفضهم جذب أحدهم بعد الجلوس ليقوم معه ولا يجوز على مذهبهم الخبيث للمجذب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعًا له، وإذا كشف رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له، وهذا قبيح وجهل منهم [ق ٤٤ / ب] شرع لهم هذا القبيح ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح، وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وما ذاك إلا من هوى نفوسهم الخبيثة استحوذ عليهم، فاستفزهم، أعاذنا الله إيّاكم يا إخواني مما يصم وبصرنا وإياكم بما يعصم (^١)، وأقول شعرا:
شيوخ الخبز باللهو استطالوا وأمكنهم مقالهم فقالوا
وكثر من سوادهم أناس دعاهم حظّ أنفسهم فمالوا
قد اتبعوا شيوخ الخبز قومًا إذا رأوا الطبيخ عليه صالوا
تراهم دائرين على القُرايَا إذا ما جال أشقاهم وجالوا
على هوائهم تبعوه طرا وكل مآل جهل فيه آلوا
أطاعوه على فعل المناهي وطال بهم وهم إذ ذاك طالوا
غدوا سكرى خَبارَى تابعوه قد ارتكبوا الحرام ولم يبالوا
بما تبعوا لدجال كذوب عليهم مستحيل ما استحالوا
وقد خسروا به ما لم يتوبوا نصوحًا توبة لله نالوا
_________________
(١) بالأصل: " يعصهم".
[ ١١١ ]