قال: "وعلى ظهره خرقة قد تردى بها". قال: "فأتاه رجل فقال له: كيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ قال: أصبحت أحب الله وأمسيت أحمد الله ﷿ وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظنّ أن لا يمسى، وإذا أمسى ظنّ أن لا يصبح، إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحًا، وإنّ حق الله في مال المسلم لم يدع له في ماله ذهبًا ولا فضة، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقًا بأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا ويجدون على ذلك أعوانًا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظام وأيم الله إني لأدع أن أقوم فيهم لله ﷿ [ق ٢٣ /أ] بحقه، ثم أخذ الطريق" خرجتها من كتاب "صفة أهل الصفوة" (^١) لابن الجوزي رحمة الله عليه ألا أيها، فما ذكرناه عن النبي ﷺ من صفة المؤمنين، وما ذكرناه من صفة أويس ﵁ ومن صفات الصحابة والصالحين من بعدهم، فأعرضوا ذلك على صفات مشايخكم وفقرائكم، وعلى سريتهم وطريقتهم وآدابهم، فإن وافق وإلا فقهم زنادقة.
فصل
وروى الحسن البصري ﵁ قال: "قلب المؤمن من وراء لسانه إذا همّ بشيء تدبّره، فإن كان خيرًا
تكلم به وأبداه، وإن كان غير ذلك سكت عنه وأخفاه، وقلب المنافق على طرف لسانه إذا همّ بشيء تكلم به وأبداه" (^٢). وقال الحسن: "ما تكلمت ولا مشيت ولا نظرت قطّ إلا تفكّرت هو ليّ أو عليّ" (^٣). وحكى أن إبراهيم أدهم رحمة الله عليه رأى رجلًا يتكلم بكلام الدنيا فوقف عليه وقال: "كلامك هذا ترجو به الثواب؟ قال: لا. قال: فتأمن عليه العقاب. قال: لا. قال: فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابًا ولا تأمن عليه عقابًا عليك بذكر الله ﷿ إن أردت السلامة" (^٤)، ولقد أحسن القائل (^٥):
أيّها الجاهل الذي ضل يسعيٍ في اكتساب الذّنوب سعيًا قبيحًا [ق ٢٣ / ب]
اغتنم ركعتين في ظلمة الليـ ل إذا كنت فارغًا مستريحًا
وإذا ما هممت بالنطق في الباط ل فاجعل مكانه تسبيحًا
لا تطيلنّ في كلامك سهوًا والزم الصمت كي تكون نصوحًا
فالتزام السكون خير من النطـ ق ولو كنت في الكلام فصيحًا
ألا فعليك بذكر الله ﷿، فإن بذكر الله تطمئن القلوب.
_________________
(١) صفة الصفوة (٢/ ٣٠).
(٢) صحيح - رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ١٨٦) (٣٥١٩٠) بسند رواته ثقات.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) إسناد ضعيف - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٦) فقال: حدثت عن أبي طالب بن سوادة ثم ساق إسناده، وذكره بنحوه، وفيه جهالة شيخه.
(٥) أخرج ابن أبي الدنيا في "الصمت" (ص/٢٨٩) (٦٥٥)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٩) (٤٧٣٢) عن أبي حفص مولى بني هاشم، عن أبي زيد محمد بن حسان، قال: سمعت ابن المبارك، يقول: " اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغا مستريحا وإذا ما هممت بالنطق في الباطل فاجعل مكانه تسبيحا فاغتنام السكوت أفضل من خوض وإن كنت في الحديث فصيحا" وإسناده ضعيف، قال ابن حبان عن أبي جعفر " لا يجوز الاحتجاج بهذا الشيخ"، وقال ابن حجر عن شيخه: "صدوق لين الحديث". ورواه البيهقي عقبه بسند فيه عبدالله بن عبدالوهاب الخوارزمي، وقال عنه بن حبان: "في حديثه نكارة"، وفيه جماعة لم أعرفهم، وله أسانيد أخرى بنحوه عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٥٩ - ٤٦١)، وعند الخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (ص/ ١٠٥) (١٨٠) تشهد أن له أصلا.
[ ٦٥ ]
وروى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: "من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه" (^١). وروي أنّ العوام بن حوشب ﵁ قال: "ما رأيت إبراهيم التيمي رافعًا رأسه إلى السماء في صلاة ولا غيرها ولا سمعته يخوض في شيء من أمر الدنيا" (^٢)، وقال إبراهيم التيمي: "المؤمن إذا أراد أن يتكلم نَظَره، فإن كان كلامه له تكلم، وإن كان عليه أمسك، والفاجر إنّما لسانه رِسْلًا رِسْلًا" (^٣)، وفي كتاب الاستقامة لأبي عاصم النسائي بإسناده أن حسان بن عطية قال: "عثرت دابّة بصاحبها فقال تعس. فقال صاحب اليمين ما هي بحسنة فاكتبها، وقال صاحب الشمال: ما هي بسيئةٍ فاكتبها، فأوحى الله ﷿ يا صاحب الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتب -يعني اكتب عليه سيئة-" (^٤)
_________________
(١) صحيح - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٥٧) من طريق عبدالرزاق عن وهيب بن الورد عن عمر به، ورواته ثقات إلا ما يخشى من الانقطاع بين وهيب وعمر، وللحديث شواهد ضعيفة بنحوه مطولا عند الدارمي، وابن أبي الدنيا في "الصمت"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله"، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" وغيرها تقويه ما إذا كان منقطعا.
(٢) حسن لغيره دون ذكر آخره - أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (ص/٢١٨) (٤١٥) بندرواته ثقات إلا أن فيع=ه عنعنة هشيم، وكان كير التدليس، ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢١٣) بإسناد ضعيف فيه حفص الواسطى قال عنه في "التقريب": "ضعيف" فذكر أوله فقط.
(٣) إسناده ضعيف - أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (ص/٨٥) (٨٨) بإسناد فيه شيخه علي بن أبي مريم لم أقف على ترجمته.
(٤) إسناده معضل- أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص/٣٥٨) (١٠١٣)، وابن وهب في "جامعه" (ص/٥٦٧) (٤٦٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٢١٨) (٣٤٥٨٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٧٦)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ١٦٠) (٤٨١٨) من طريق الأوزاعي عن حسان به ورواته ثقات، إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو معضل بين حسان والنبي ﷺ ..
[ ٦٧ ]
وقال النسائي [ق ٢٤ /أ] حدّثنا يعلى قال: دخلنا على محمد بن سوقة، فقال: ألا أحدثكم بحديث لعلّ الله ينفعكم به فإنه قد نفعنا، قال: قال لنا عطاء بن أبي رباح: يا ابن أخي إنّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى يقرؤونه، وأمرٍ بمعروفٍ أو نهي عن منكر، وإن تنطق في حاجتك في معيشتك التي لا بدّ لكل منها أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين، وعن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد، أما يستحيي أحدكم إن نشرت عليه صحيفته التي أملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه، ولا دنياه" (^١). بالله العجب من عقول أقوامٍ يعتقدون صلاح قومٍ يضيّعون أوقاتهم في استماع الأغاني والشبابات وفي الرقص وصحبته أحداث المرد وفي غير ذلك من البطالات ممّا ليس من أمر دينهم، ولا دنياهم، فما هذه أفعال الصالحين الزهاد، ولا فعل من يخاف يوم التناد، وإنما ذلك من قلّة علمهم، وقلّة علم محبيهم والمحسنين إليهم، وقد قال أهل الحقيقة: إن إبليس اللعين إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلّة علمه، فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه، وكلما [ق ٢٤ / ب] كثر علم الإنسان قلّ تمكنه كما روي في الأثر عن سيّد البشر ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا حُلمَاؤُهَا" (^٢).
_________________
(١) إسناده صحيح إلى عطاء – أخرجه ابن ابي شيبة في "المصنف" (٧/ ٢١٧) (٣٥٤٦٩)، وهناد بن السري في "الزهد" (٢/ ٥٣٦)، وابن ابي الدنيا في "الصمت" (ص/٨١) (٧٨١)، وابو نعيم في "الحلية" (٣/ ٣١٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٩٧) (٤٧٢٨) من طريق يعلي بن عبيد عن محمد بن سوقة عن عطاء به، ورواته ثقات.
(٢) باطل – أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٨٨)، والشجري في "أماليه" (١/ ٧٠) (٢٥٠) من طريق سهل بن بحر عن محمد بن إسحاق، عن ابن مبارك، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة مطولا بنحوه، وفيه محمد بن إسحاق السلمي، قال عنه ابن حجر في "اللسان": (فيه جهالة وأتى بخبر باطل متنه: فذكره، ساقه الخطيب في التاريخ وقال: إن محمد بن إسحاق أحد المجهولين وإن حديثه منكر). والحديث قال عنه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٣٦٧): "باطل" .. ورواه القضاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ٢٤١) (١٢٧٦) من طريق محمد بن إسماعيل الفرغاني، أبنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري، ثنا أحمد بن خليل القومسي، ثنا نوح بن حبيب، ثنا ابن مسلمة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مطولا بنحوه، وفيه أحمد بن خليل كذبه أبو حاتم وغيره.
[ ٦٨ ]
أمته ﷺ خيار الأمم؛ لقوله تعالى ذكره: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وهم المؤمنون، ثم أخبر ﷺ أن خيار هذه الأمّة علماؤها، فالعلماء منهم خيار الخيار؛ لفضائل العلم، كما قال الله ﷿: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] أي على سائر الخلق، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] بمقدار تزايده عندهم وارتفاعهم فيه على من دونهم في العلم، وذاك أن خير علمهم في دين الله ﷿ يعود عليهم وعلى غيرهم وفضيلة كل عالمٍ وعلو درجته بعلمه على قدر معلومه، فإن شرف العلم إلى أن ينتهي العلم بالله ﷿ كما قال ﷺ: "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ"، ثم ذكر علامته فقال: "وَأَشَدَّكُمْ لَهُ خَشْيَةً" (^١)، ثم أخبر عن تفاوت العلماء في كمال الخير، فقال ﷺ: "وخيار علماؤها حلماؤها" (^٢)،
_________________
(١) صحيح - أخرجه أحمد في "مسنده" (٤١/ ٣٩٦) (٢٤٩١١) بإسناد صحيح عن عائشة ولفظه عن عائشة قالت: أن ناسا كانوا يتعبدون عبادة شديدة، فنهاهم النبي ﷺ، فقال: " والله، إني لأعلمكم بالله ﷿، وأخشاكم له " الحديث،، وأصله في الصحيح مختصرا وفيه قصة صلاة التراويح.
(٢) سبق تخريجه آنفا ..
[ ٦٩ ]
وإن الحليم هو المتثبت ذو الأناة الذي لا يستفزه الغضب، ولا تغلبه عجلة الطبع، أي تزعجه عزة العلم فالحلم إذًا جمال العالم وكماله، ولذلك [ق ٢٥ /أ] مدح الله تعالى به إبراهيم خليله ﷺ فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وهذه صفة العالم بالله تعالى وعظمته المنتهية ودرجة الإحسان، ومن دون هذا علماء الشرع في تنوعهم وغالب الاسم ينصرف إلى العلماء بالأحكام ومعرفة الحلال والحرام فخيارهم حكماؤهم، وإنما افتقر كمال خيرهم إلى الحلم؛ لأن هذا النوع من العلم آلاته من اللغة والنحو وغيرهما قد ينشأ به من النفس كبر، كما روي في الأثر: "إن للعلم طغيانًا كطغيان المال" (^١). قلت: وذلك أن صاحب المال يرى حاجة الفقر إلى ماله واستغنائه به واستقلاله عند غيره، فيطغيه كبرًا كما قال الله ﷿ أن ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي في باطنه وظاهره، وكذلك من حوى العلم بالأحكام والمعرفة بالاجتهاد في علم الحلال والحرام يحتاج إلى علمه السلطان والعام، ويرى استقلَالُه وغناءه عن النظراء والأقران، فربما نسي بذلك رؤية منة المنعم عليه المنان فينشأ من طبعه ونفسه العجب والغية (^٢) فيتكبر وهو الطغيان، وهذه شرور تذهب بهجة العلم (^٣) فيحتاج إلى الحلم والأناة لئلا يعسف بطلبه علمه ويجفوا على أصحابه [ق ٢٥ / ب] وتلامذته ويتيه (^٤) ويتكبر على مستفتيه بمراجعته. كما روي أن إنسانًا دخل علي فقيه فاستفتاه في مسألة وأجاب فراجعه في الجواب فنهاه وقال: مثلي لا يراجع في فتواه.
_________________
(١) ضعيف – أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص/١٩) (٥٦)، ومن طريقه: ابن خيثمة في "العلم" (ص/٢٦) (١٠٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٥٥) عن عن رباح بن زيد، عن رجل، عن وهب بن منبه به وإسناده ضعيف فيه جهالة شيخ رياح، وأخرجه أحمد في "الزهد" (ص/٣٠١) (٢١٧٩)، والحربي في "غريبه" (٢/ ٦٤٢) من طريق إبراهيم بن خالد، عن رباح، عن عبد الملك بن خُسْك: سمعت وهبا، فذكره، وعبدالملك، قال عنه هشام بن يوسف: فيه ضعف. وذكره ابن عَدِي في الكامل وقال: له أحاديث عامتها لا يتابع عليها.
(٢) قال ابن دريد في "جمهرة اللغة": "الغَيّة: ضدّ الرِّشدة".
(٣) في الحاشية: "أي حسن العلم ".
(٤) قال ابن فارس في "معجم اللغة" باب التاء والياء وما يثلثهما: " التيهُ: الكبرُ".
[ ٧٠ ]
فخرج من عنده وكتب إليه بهذين البيتين يقول:
قُلْتُ لِلْمُعْجَبِ لَمَّا قَالَ مِثْلِي لَا يُرَاجَعْ
يَا قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالمَخْـ ـرَجِ لِمَ لَا تتواضع (^١)
فهذا عالم بما عنده لكنه يصير بهذه الأخلاق الطبيعية التي لم يهذبها بالرياضة وعلم الخشية من شرار العلماء حتى أنه ربما ضنَّ (^٢) بعلمه فيبتلى ببذله لأهل الدنيا وصحبة السلاطين للحشمة (^٣) والجاه؛ لإدراك المنى، فليس من خيار العلماء، فإذا ضم الحلم إلى العلم تكامل خيره، فتزايد جماله، فاستنار علمه. كما روي: "ما ضمّ شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم" (^٤)
_________________
(١) ذكر ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (ص/٩٧) (٩٩) بسنده عن الخرائطي أنه أنشد هذين البيتين لمنصور الفقيه.
(٢) بالأصل: " ظنَّ ".
(٣) في الحاشية: "الحشمة بالكسر: الهيبة، والحرمة، والاستحياء".
(٤) ضعيف جدا - رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/ ٥٠٤) (٨٠٥) من طريق حسين بن مبارك، نا إسماعيل بن عياش، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل مرفوعا مطولا بنحوه، وفيه حسين بن مبارك قال عنه ابن عدي: " حدث بأسانيد ومتون منكرة عن أهل الشام"، وفيه أيضا انقطاع بين خالد ومعاذ. ورواه أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (١/ ٢٢٤) من طريق محمد بن أحمد بن يزيد، ثنا النضر بن هشام، ثنا إبراهيم بن حيان بن حكيم بن حنظلة، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده مرفوعا بنحوه. قال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٣١٧٠): "وهذا إسناد موضوع؛ آفته إبراهيم بن حيان، ضعفه ابن عدي في "الكامل"، وساق له حديثين آخرين، وأشار إلى غيرهما وقال: "عامتها موضوعة". ومن فوقه لا يعرفون". ورواه الطبراني في "الأوسط" (٥/ ١٢٠) (٤٨٤٦)، وفي "الصغير" (٢/ ٢١) (٧٠٧) من طريق عبدالوهاب بن رواحة قال: نا أبو كريب قال: نا حفص بن بشر قال: نا حسن بن حسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي مرفوعا بنحوه، وفيه مجاهيل. إلا أن هذ القول صح من قول عطاء عند الدارمي وغيره.
[ ٧١ ]
فصار من خيار العلماء لعموم خيره وفوائد علمه للأقصى والأدنى، فيشكر نعمة الله عليه أولًا بالتواضع لله ﷿ على ما أولاه. كما روي في حق العالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لربّه ﷿ (^١)، ثم بالرفق بالخلق والتأني في الأمور حتى يصير الحلم له سجيّة وخلفًا وحينئذٍ يعدّ في الحلماء، فإن بدرت منه في وقت بادرة فلا [ق ٢٦ /أ] فلا يتغير ببهاء (^٢) الحلم. والله أعلم. ولمثل هذا العالم جاء في سياق هذا الحديث بعد قوله حلماء: "إلا وإن الله تعالى [يغفر] (^٣) للعالم سبعين ذنبًا قبل أن يغفر للجاهل ذنبًا واحدًا، وإن العالم الرحيم يجيء يوم القيامة يضيء وجهه كما يضيء الكوكب الدري في الدنيا" (^٤) وهو غريب من طريق ابن المبارك عن الثوري عن أبي الزناد عن الأعرابي عن أبي هريرة رضوان الله عليهم. والعلم هو ما قال الله ﷿ وما قال رسول الله ﵇ وما جاء عنهما ومعرفة سيرة الصحابة وأقاويلهم ومعرفة فتاواهم وما كانوا عليه وليس ما عند أهل الحوادث والبدع الذين هم رؤساء الجهال علم، ولا معرفة بل ذلك جهل وضلال وغرور منهم وتزيين الشيطان لهم من سواء أعمالهم.
_________________
(١) صحيح من قول أيوب - أخرج ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧؟ ٢٤٠) (٣٥٦٨٤)، والدينوري في "المجالسة" (٧/ ١٣٥) (٣٠٣٢)، والجوهري في "مسند الموطأ" (ص/٢٧٧) (٢٩٥)، والبيهي في "الشعب" (٣/ ٣٠٣) (١٧١٦)، وفي "المدخل" (١/ ٣٢٤) (٥٠٩) من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني قال: " ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله ﷿". وإسناده صحيح.
(٢) في الحاشية: "أي الأُنس".
(٣) غير مذكورة بالأصل، والتصويب من روايات الحديث.
(٤) سبق خريجه وهو تتمة الحديث الذي ذكره المؤلف بلفظ " خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُهَا وَخِيَارُ عُلَمَائِهَا حُلمَاؤُهَا".
[ ٧٢ ]
وروي عن النبي ﵇ قال لعائشة ﵂: "يا عائشة سدي مجاري الشيطان بالجوع" (^١). وروي عنه ﵇ أنه قال: «مَا مَلَأَ الْإِنْسَانُ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» وتمامه حَسْبُ ابْنِ [آدم] (^٢) لقمات تُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتهُ نَفْسُهُ فَثُلْثٌ لِلْطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلْشَّرابِ، وَثُلُثٌ لِلْنَّفَسِ" (^٣). اعلم أن هذا ذم الشبع والنهي عن كثرة الأكل للطعام لما فيه من المضار [ق ٢٦ / ب] والاستقامة البدنية من التخمة والأدواء (^٤) بالشر المنوط بامتلاء البطن، فمن ذلك التوسع في المأكل، وقل أن تسلم الكثرة من حرام، أو شبهة، ثم إن سلم طال عليه الحساب، ثم ينشأ منه حب الدنيا وقسوة القلب وظلمته بالشهوات والمنى وتسلط الشيطان على الباطن باتساع مجاري الطعام، ثم الكسل والفتور عن الطاعات وكثرة النوم.
_________________
(١) لا أصل له - لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما ذكره الغزالي في "الإحياء" كزيادة في حديث صفية ﵂"إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع"، ولم أقف علي هذه ازيادة في شيء من كتب السنة.
(٢) غير مذكورة بالأصل.
(٣) صحيح - أخرجه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" (ص/ ١٠٣) (٣٥٠)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٧٩) (٦٦٢) من طريق حبيب بن عبيد عن المقدام مختصرا بنحوه، وإسناده صحيح، وله طرق أخرى ضعيفة تشهد له ومنها: ما رواه الترمذي في "سننه" (٤/ ٥٩٠) (٢٣٨٠)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٢٦٨) (٦٧٣٨)، وابن المبارك في "الزهد" (١/ ٢١٣) (٦٠٣)، وأحمد في "مسنده" (٢٨/ ٤٢٢) (١٧١٨٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٤٤٩) (٦٧٤) والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٧٢) (٦٤٤)، وغيرهم من طريق يحيى بن جابر الطائي عن المقدام به واختلف في سماع يحيى من المقدام، وهو متابع فقد أخرج البيهقي في "الشعب" (٧/ ٤٤٧) (٥٢٦٢) من طريق عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده به، وصالح قال عنه في "التقريب": "لين"، ورواه بن ماجه في "سننه" (٢/ ١١١١) (٣٣٤٩) من طريق محمد بن حرب عن أمه عن أمها عن المقدام به، وأم محمد مجهولة.
(٤) أي الأمراض.
[ ٧٣ ]
وعن عيسى ﷺ أنه قال: "من شبع شبعة دخل فيه سبع آفات: لا يقدر على حفظ العلم والحكمة، ولا يجد حلاوة العبادة والرابع يقل خوفه والخامس تقل شفقته على الناس والسادس يزداد شهوة نفسه وبصره وجوارحه والسابع يدور الجائع حول المساجد والمصاحف، ويدور أهل الشبع حول الكنف والمزابل" (^١).
وعن لقمان الحكيم (^٢) ﵇ قال: "إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخربت الحكمة ووقفت الأعضاء عن العبادة" (^٣). وعنه ﵇: "مما يوجب المقت من الله ﷿ الأكل من غير جوع" (^٤)، ألا ولعمري (^٥)
_________________
(١) لم أقف عليه، وإنما ذكره العزالي في "الإحياء" (٣/ ٨٧) من قول أبي سليمان الداراني مختصرا بنحوه.
(٢) قال ابن كثير في "تفسيره" (٦/ ٣٣٣): (اختلف السلف في لقمان، ﵇: هل كان نبيا، أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني ).
(٣) لم أقف عليه مسندا، وإنما ذكره القاضي عياض في "الشفا" (١/ ٨٦) بدون إسناد.
(٤) موضوع - أخرجه الشجري في "أماليه" (١/ ٢٧٦) (٩٣٧) من طريق إسماعيل بن موسى العطار، قال: حدثنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر، قال: حدثنا ابن سمعان، عن مكحول، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﵌، قال: " ثلاث فيهن المقت من الله ﷿: الضحك من غير عجب، والأكل من غير جوع، ونوم النهار من غير قيام الليل " وفيه: إسحاق بن بشر كذبه ابن المديني، والدارقطني وغيرهما، وابن سمعان قال عنه في "التقريب": "متروك، اتهمه بالكذب أبو داود وغيره" كما أن مكحولا لم يسمع من معاذ.
(٥) قال الزبيدي في "تاج العروس": "العُمْرُ بالفَتْح وبالضّمّ وبضَمَّتَيْن: الحَيَاةُ، يقالُ: قد طَال عَمْرُه وعُمْرُه، لُغَتَان فَصِيحَتان. فإِذا أَقْسَمُوا فَقَالُوا: لَعَمْرُكَ، فَتَحُوا لَا غير". وفي حاشية المخطوط: العمر بفتح العين، وضمها، وسكون الميم، وبالضمتين: بقى معنا سنين.
[ ٧٤ ]
إنما يمكن الشيطان من أقوام من أهل زماننا نبذوا بالعلماء وبالعباد وليسوا منهم في شيء لعدم العلم، وأنهم ما جالسوا أهل العلم ولا [ق ٢٧ /أ] ولا شمّوا ريحهم وهم كما قال أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي رحمة الله عليه سهروا فما ناموا لتدبير الناموس وسعوا في صحة أبدانهم ولا جالينيوس وأنهم في التهافت على جمع الأحجار زباب طعم وفراش نارٍ يتشبهون بالعباد، وليسوا منهم وقد سمعوا وصاياهم ولم يحفظوا عنهم ولكثرة أكلهم وشبعهم من الألوان المختلفة التي جرى منها الشيطان إلى قلوبهم فاسدها واستحوذ عليها (^١)، ولأجل جهلهم وامتلائهم من الشهوات التي غفلت قلوبهم عن الله ﷿ وأقبلت بها إلى الحوادث والمكروهات كالرقص واستماع الغناء والشبابات وكل ذلك من عدم العلم وكثرة الجهل وقلة المروءة، وذهاب الخوف من الله ﷿، فبالله العجب من حب الناس لهم وتعظيمهم إياهم، وميلهم إليهم، وما هم إلا كما أقول؟
أقول لطالبٍ بالافتقار من الناس: التعظم بالوقار
يروه بهيبة، قد وقّروه ويخشى بينهم للاحتقار
أحب مكانه فيهم وجيهًا مداهنته لهم بالاعتبار
تجمل بالثياب ولا تبالي فإن العين قبل الإخبار [ق ٢٧ / ب]
فلو لبس الحمار ثيابٍ خزٍ لقال الناس: يا لك من حمار
وكما روي أن الحسن البصري قال: "إن قومًا جعلوا خشوعهم في لباسهم وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف حتى أن لابس الصوف أشدّ كبرًا من صاحب المطرف بمطرفه" (^٢)، وقال غيره: ولكنهم يترفعون فيه حتى يكون إسرافًا أدق من القطن والكتّان وأكثر ثمنًا، وهي الدنيا كلما رُفعَتْ وضعها الله ﷿.
وروي أن سفيان الثوري ﵁ قال: "الزهد عندنا قصر الأمل لا أكل الغليظ ولا لبس العباء" (^٣).
_________________
(١) في الحاشية: الاستحواذ الغالب.
(٢) صحيح -أخرجه الدينوري في "المجالسة" (٧/ ١٣٣) (٣٠٣٠) بإسناد صحيح عن الحسن به.
(٣) صحيح – أخرجه ابن أبي الدنيا في "الزهد" (ص/٦٣) (١٠٩)، وابن الأعرابي في "الزهد" (ص؟ ٣٠) (٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣٨٦) من طريق وكيع عن الثوري به، وإسناده صحيح.
[ ٧٥ ]
وروي أن محمد بن موسى الجرجاني رحمة الله عليه قال: سألت محمد بن كعب الصنعاني مِن الزهاد الذين لا يتزودون ولا يتنعلون ولا يلبسون الخفاف؟ فقال: سألتني عن أولاد الشيطان ولم تسألني عن الزهاد. قلت: فأي شيء الزهد؟ قال: التمسك بالسنة والتشبه بأصحاب رسول الله ﵇ (^١).
قال الحافظ الدشتي رحمة الله عليه: وكان شعار (^٢) عيسى ﷺ: الصوف (^٣) وبقي في رهبانه إلى اليوم والزنادقة في زماننا لبسوا الصوف شعارهم، وكان الصوفيّة ظنوا أن هذا الاسم من الصوف [ق ٢٨ /أ] فاستشعروه اعتقادًا واستشعروه ملبسًا.
قال قائلهم شعرا:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا فيه فظنوه مشتقًا من الصوف
ولست أبيح هذا الاسم غير فتى صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (^٤)
ولستُ أمنحُ هذا الاسمَ غيرَ فتىً صافي فصوفِيَ حتَّى لُقَّبَ الصُّوفي
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن الجوزي في"تلبيس إبليس" (ص/ ٢٦٩) بسند فيه عبد الله بن الأزهر مجهول الحال.
(٢) وفي الحاشية: الشعار بالكسر ما يلي الجسد من الثياب والعلامة كما يقال: شعار القوم في الحرب أي علامتهم.
(٣) غاية ما وقفت عليه ما أخرجه الدينوري في "المجالسة" (٣/ ٢٦٦) (٩٠٢) عن محمد بن يونس البصري، نا الحسن بن علي الخلال، نا المعتمر بن سليمان التيمي؛ قال: خرج عيسى ﷺ على أصحابه وعليه جبة من صوف وكساء وتبان الحديث، وأين المعتمر من عيسى ﵇ فالحديث منقطع.
(٤) هذان البيتان ببعض التصرف لأبي الفتح البستي، وهو: علي بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز البستي. ولد في بست (قرب سجستان) وإليها ينسب، وكان من كتاب الدولة السامانية في خراسان وارتفعت مكانته عند الأمير سبكتكين. وخدم ابنه يمين الدولة السلطان محمود بن سبكتكين ثم أخرجه هذا إلى ما وراء النهر فمات غريبًا في بلدة (أوزجند) ببخارى سنة ٤٠٠ هـ. له (ديوان شعر - ط) صغير، فيه بعض شعره، وفي كتب الأدب كثير من نظمه غير مدون. وهو صاحب القصيدة المشهورة التي مطلعها: زيادة المرء في دنياه نقصان.
[ ٧٦ ]
آخر (^١):
تَصَوَّفَ وازْدَهَى بِالصُّوفِ جَهْلًا وَبَعْضُ النَّاسِ يَلْبَسُهُ مَجَانَة (^٢)
يُرِيك مَهَانَةً ويُجِنُ كِبْرًا وَلَيْسَ الْكِبْرُ مِنْ شَأْنِنا مَجَانَة (^٣)
تَصَوَّف [كي] يُقَالَ لَهُ أَمِينٌ ومَا مُعين تَصَوّفه الْأَمَانَهْ (^٤)
وَلَكِنْ قد أَرَادَ بِه معاشا وشعبدة المُشَعْبِد (^٥) والكهانة (^٦)
وَلَمْ يُرِدْ الْإِلَهَ بِه وَلَكِنْ أَرَادَ بِه الطَّرِيقَ إلَى الْخِيَانَهْ
وقال آخر (^٧):
ليس التصوّف لبس الصوف ترقعه ولا بكاؤك إن غنى المغنّونا
ولا صياحًا ولا رقصًا ولا طربًا ولا تَغاش كأن قد صرت مجنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر وتتبع الحقّ والقرآن والدينا
وأن تُرى لله خاشعًا بكيئًا على ذنوبك مهما عشت محزونًا
ولا تكن محدثًا في ديننا حدثًا بعدًا لمن أظهر الأحداث المغنّونا
وقال آخر:
لبستَ الصوف مرقوعًا، وقلتا أنا الصوفي ليس كما نقلتا
وما التصوف لبس الصوف، لكن زان لك الهوى ما قد زعمتا
_________________
(١) وهي لمحمود الوراق، وهو: محمود بن حسن الوراق أبو الحسن. شاعر عباسي مشهور من شعراء القرنين الثاني والثالث المرموقين، وقد ذكر أنه كان مولى لبني زهرة وهو شاعر من بغداد لذلك علق به لقب البغدادي. وأكثر شعره في المواعظ والحكم وقد اشتهر بلقبين أحدها الوراق والآخر النخاس فأما الوراق فهو الناسخ بالأجرة ولعلها مهنة عمل بها. وأما اللقب الآخر النخاس فقد جاء من المهنة كذلك قال البغدادي: وقد كان نخاسًا يبيع الرقيق وكان له رقيق. توفي عام ٢٢٠ هـ.
(٢) وفي الحاشية: المجان بالفتح، وتشديد الجيم: بلا بدل.
(٣) كذا بالأصل، والصواب في الشطر الثاني: وَلَيْسَ الْكِبْرُ مِنْ شَكلِ المَهانة
(٤) كذا بالأصل والأقرب أن يقال: تصنع كي يقال له أمين وما معنى التصنع للأمانة
(٥) أي: الهازِيء.
(٦) وفي الحاشية: الكهانة يعني كاهن، وجمع كهان وكهنة.
(٧) وهي لأبي عبد الله محمد بن الحسن ابن الطوبي الكاتب صاحب ديوان الإنشاء، عالم بالرسائل، جامع للفضائل، أربى في النحو على نفطويه. وفي الطب على ابن ماسويه، وكلامه في نهاية الفصاحة، وشعره في غاية الملاحة. وله "مقامات" تزري "بمقامات البديع" وإخوانيات كأنها زهر الربيع، مع خط كالطرز المعلمة، والبرود المثمنة. وكان الشعر طوع عنانه، وخديم جنانه. انظر " الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة".
[ ٧٧ ]
فما الصوفي [ق ٢٨ / ب] (^١)
واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوًا، وأتموا الأغراض والسلام (^٢).
وعن بلال بن سعد ﵀ قال: "أدركت قومًا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جاء الليل كانوا رهبانًا" (^٣).
ألا فاعتبروا أخلاق مشايخكم وفقرائكم وصوفية زمانكم بالنبي ﷺ اقتدوا أو بالفراعنة والجبابرة ألا فقد روي أن أبا حمزة الخرساني رحمة الله عليه قال: "الصوفي الصادق معناه الشيخ الصادق، وعلامة الفقير الصادق أن يذل بعد العز ويفتقر بعد الغنى، ويخمل بعد الظهور، والصوفي الكاذب معناه الشيخ الكاذب، والفقير الكاذب علامته أن يعز بعد الذلّ ويستغني بعد الفقر، ويظهر بعد الخمول" (^٤).
_________________
(١) سقط في الأصل، وذلك أن الناسخ كان يكتب في آخر الوجه الأول من الصفحة بداية الوجه الثاني، وكتب في آخر الوجه الأول من هذه الصفحة: "الصوفي" وبدأ الوجه الثاني بقوله: "واقطعوا" فظهر السقط. ولعل تتمة البيت: فما الصوفي إلا من تصفى من الأيام ويحك لو عقلتا
(٢) صحيح - هذا طرف من رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى ﵄، فقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥/ ١٧٠) (٢٤٨٦٩)، وأبو يعلي في "مسنده" (١/ ١٨٩) (٢١٣)، والطحاوي في "معاني الآثار" (٤/ ٢٧٥) (٦٨٦٥)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٢٥)، وغيرهم من طريق أبي عثمان قال: كتب عمر إلى أبي موسى: «أن اقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا، وألقوا الخفاف، واتخذوا النعال، وألقوا السراويلات، وائتزروا وارموا الأغراض، وعليكم باللبسة المعدية، وإياكم، وهدي العجم، فإن شر الهدي، هدي العجم» وصححه الشيخ حسين أسد وغيره واللفظ لابن أبي شيبة.
(٣) صحيح - أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (ص/٤٧) (١٤٤)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/ ٣٠٣) (٢٦٣٢٦)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٤٠٦) (١١٨٥٥)، والمخلص في "المخلصيات" (٣/ ٣٣١) (٢٦٤٠) وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٢٤)، وغيرهم من طريق الأوزاعي عن بلال به، وإسناده صحيح.
(٤) ذكر هذا الأثر القشيري في "الرسالة القشيرية" (٢/ ٤٤١) مختصرا بنحوه ونسبه لأبي حمزة البغدادي.
[ ٧٨ ]