فصل
ألا فقد روي أن داود الطائي (^١) ﵀ وهو شيخ من المشايخ كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز، فقيل له: أما تشتهي الخبز؟ فقال: بين مضع الخبز وشرب الفتيت قراءة خمس آيات (^٢) - وفي رواية سبعين تسبيحة (^٣) -.
_________________
(١) هو داود بن نصير الطائي، أبو سليمان: من أئمة المتصوفين. كان في أيام المهدي العباسي. أصله من خراسان، ومولده بالكوفة. رحل إلى بغداد، فأخذ عن أبي حنيفة وغيره، وعاد الى الكوفة، فاعتزل الناس، ولزم العبادة إلى أن مات فيها. قال أحد معاصريه: لو كان داود في الأمم الماضية لقص الله تعالى شيئا من خبره. وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه، توفي عام ١٦٥ هـ، وانظر الأعلام للزركلي (٢/ ٣٣٥).
(٢) إسناده ضعيف - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٣٥٠)، والبيهقي في "لشعب" (٧/ ٤٧٣) (٥٣٠٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٤٩) من طريق علي بن حرب عن إسماعيل بن زبان به، ولفظه: "خمسين آية" وابن زبان لم يرو عنه غير ابن حرب، ولم يوثقه غير ابن حبان فهو مجهول الحال.
(٣) لم أقف عليها.
[ ٧٩ ]
وروي أن يزيد بن هارون رحمة الله عليه وهو شيخ من مشايخ الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه وكان [ق ٢٩ /أ] إذا صلى العشاء الآخرة لم يزل قائمًا بذلك الوضوء حتى يصلي الغدوة نيفَا وأربعين سنة (^١). وروي أن أبا بكر الشبلي (^٢) ﵁ كان يكتحل في بدايته بالملح لسهر عينه سبع سنين (^٣). وروي أن جماعة دخلوا على أبي بكر النهشلي رحمة الله عليه في نزعه وهو يومئ بالصلاة، فقيل له على هذه الحال، فقال أبادر طيّ الصحيفة (^٤). وروي أن رجلًا قال لعامر بن قيس (^٥): قف أكلمك، فقال: فامسك الشمس وأطال قوم الجلوس عند معروف الكرخي رحمه الله تعالى، فقال: ما تريدون أن تقوموا أن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها (^٦).
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١٦/ ٤٩٣)، وابن الجوزي في "حفظ العمر" (ص/٤٦) من طريق أبي الحسن محمد بن الحسين بن حمدون القاضي ببعقوبا، قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن علي المقرئ، قال: حدثنا محمد بن مخلد، قال: سمعت محمد بن العباس، يقول: سمعت عاصم بن علي به، ومحمد بن الحسين بن حمدون مجهول الحال.
(٢) اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه ونسبه، فقيل (دلف بن جعفر) وقيل (جحدر بن دلف) و(دلف ابن جعترة) و(دلف بن جعونة) و(جعفر ابن يونس). ناسك. كان في مبدإ أمره واليا في دنباوند (من نواحي رستاق الريّ) وولي الحجابة للموفق العباسيّ، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، فاشتهر بالصلاح. له شعر جيد، سلك به مسالك المتصوفة. أصله من خراسان، ونسبته الى قرية (شبلة) من قرى ما وراء النهر، ومولده بسر من رأى عام ٢٤٧ هـ، ووفاته ببغداد عام ٣٣٤ هـ. وللدكتور كامل مصطفى الشيبي (ديوان أبي بكر الشبلي) جمع فيه ما وجد من شعره. وانظر الأعلام للزركلي (٢/ ٣٤١).
(٣) ذكره بنحوه القشيري في "الرسالة القشيرية (٢/ ٥٦١) بدون إسناد.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المحتضرين" (ص/ ٢٠٢)، وفي الزهد" (ص/ ٤٦) (٦١)، والختلي في "الديباج" (ص/٦٤) (١٢٣)، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ٥٤٢) (٢٩٨٥)، والذهبي في "تاريخ الإسلام" (٤/ ٥٥٦)، وغيرهم من طرق عن أبي بكر النهشلي بنحوه.
(٥) كذا بالأصل، وقد ذكر ابن الجوزي هذه القصة بدون إسناد في "صيد الخاطر" (ص/٤٩٢)، وفي "حفظ العمر" (ص/٤٥)، وسماه عامر بن عبد قيس.
(٦) ذكره ابن الجوزي في "الموضعين السابقين بنحوه بدون إسناد.
[ ٨٠ ]
وروي أن أبا بكر العطّار ﵀ قال: حضرت الجنيد ﵁ عند الموت، فكان يصلي قاعدًا ويثني رجله إذا أراد أن يركع
ويسجد، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها، وكانتا رجلاه قد تورّمتا فقال له قائل: ما هذا؟ قال: هذه نعمة الله أكبر، فلما فرغ من صلاته قال الجريريّ: لو اضطجعت؟ فقال: يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ منه (^١). وروي أن معروفًا الكرخي ﵀ كان ينزل من مسجده إلى الشط [ق ٢٩ / ب] فيتيمم، فقيل له: يا أبا محفوظ هو ذا توضأ فيقول: وما علمي لعلي لا أبلغ إلى الماء حتى أموت (^٢). وروي أن محمد بن أبي توبة ﵀ قال: أقام معروف الكرخي الصلاة، ثم قال لي: تقدم. فقلت: إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها. فقال معروف: وأنت تحدّث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع من خير العمل (^٣). وروي أن معروفًا قال: أترى المؤمن يشرب من الماء حتى يروي (^٤). وروي أن أيوب بن وهب العطار رحمة الله عليه قال: كنت أرى بشر بن الحرث إذا انصرف من المسجد الجامع يرى الناس يشيرون إليه بأيديهم، فإذا خلا يقول: اللهم إنك قد شهرتني وما شهرت عبدًا لك ولا حاجة (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢٨١)، وابن الجوزي في "حفظ العمر" (ص/٤٦) من طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن أبي بكر العطار به.
(٢) روى أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٦٤) عن أحمد الدورقي، قال: قعد معروف الكرخي على شط الدجلة فتيمم فقيل له: الماء قريب منك فقال: «لعلي لا أعيش حتى أبلغه».
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٦١)، وابن الجوزي في "حفظ العمر" (ص/٥٨) من طريق محمد بن أبي توبة به.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) رواه البيهقي في "الزهد الكبير" (١/ ٩٩) (١٤٧) من طريق سمعت محمد بن يوسف الجوهري يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: «اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا، لتفضحني في الآخرة، فاسلبه عني».
[ ٨١ ]
قال: وكان بشر إذا حدث في الناس حديثًا يغمّهم أقبل على نفسه يقول: ما يؤتي هذا الناس إلا من قبلك (^١). وروي أن بشرًا قال: إذا رأيتني أحب أن يجالسني غنيّ فاعلم أني قد بليتُ (^٢). وقال بشر: يأتي على الناس زمان لا تقرّ فيه عين حكيم، ويأتي على الناس زمان يكون الدولة للحمقاء على الأكياس (^٣). وروي أن روميّة جارة أمّ بشرٍ قالت: كنت أسمع بشرًا يقول: الموت يا موت، فقيل: يا أبا نصر ألا تنام؟ [ق ٣٠ /أ] فقال: وكيف ينام من يخاف البيات؟ (^٤) وأقول شعرًا:
أخوف ونوم إن ذا لعجيب ثكلتك من قلب فأنت كذوب
وهل من رُقادٍ للمروع قلبه وأخشاه من خوف الحساب تذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقًا لما كان للإغماض فيك نصيب
أما تستحي يا نفس من خالق الورى إذا نُشرت عليك يومًا ذنوب
وقمت إذا كان الحساب مناقشًا بقبح فقال لست عنه أتوب
وما حيلتي أن أخذوني بزلتي ليوم عبوس القمطرين عصيب
وكانت شهودي عند ذاك جوارحي ونفسي على نفسي عليّ رقيب
وروي أن الفضيل بن عياض ﵁ قال: إذا رأيت الليل مقبلًا فرحت وقلت: أخلو بريي ولا أرى الناس، فإذا نظرت الصبح استرجعت وبكيته (^٥) كراهية اللقاء الناس أو يجيئني من يشغلني عن ربي ﷿ (^٦) وأقول شعرا:
هذى فعال الصالحين وقد مضَوا أهل الصلاح من الذين تقدموا
كانوا يصومون النهار وليلهم في (^٧) القيام لربّهم يتخدّموا
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ويوضح معناه ما أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٥١) عن سعيد بن عاصم، قال: كان قاص يجلس قريبا من مسجد محمد بن واسع فقال يوما وهو يوبخ جلساءه: ما لي أرى القلوب لا تخشع ولا أرى العيون لا تدمع وما لي لا أرى الجلود لا تقشعر؟ فقال محمد بن واسع: «يا عبد الله ما لي أرى القوم أتوا إثما من قبلك؟ إن الذكر إذا خرج من القلب وقع على القلب»
(٢) لم أقف عليه، وأخرج السلفي في "الطيوريات" (٣/ ١٠٨٣) (١٠٠٢) عن بشر بن الحارث أنه قال: «إذا رأيت القارئ يستوي بباب غنى فهو ممقوت».
(٣) أخرجه إسماعيل الأصبهاني في "سير السلف الصالحين" (ص/١٠٨٢).
(٤) لم أقف عليه.
(٥) بالأصل كلمة غير واضحة، والأنسب للسياق ما ذكرته.
(٦) ذكره الغزالي في "الإحياء" (٢/ ٢٢٧) بدون إسناد.
(٧) كذا بالأصل والأليق بالوزن (رهن).
[ ٨٢ ]