ألا فاعتبروا قول أصحاب النبي ﵇ في زمانهم فلا شك ولا مرية أنهم لو أدركوا أهل زماننا هذا لقالوا إنهم بمنزلة قوم بدلوا دينهم وارتدوا على أدبارهم وجحدوا ما جاء به بنيهم سوى المتمسكين بما في الكتاب والسنة المتبعين بما كان عليه الرسول ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
فصل
وروي أن الحسن البصري ﵁ قيل له أخبرنا عن صفة [ق ١٠ / ب] أصحاب رسول الله ﵇، فبكى، ثم قال: "ظهرت عليهم علامات الخير في السيماء (^١) والسمت والصدق، وحسنت ملابسهم بالاقتصاد وممشاهم (^٢) بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، وطيب مطعمهم ومشربهم بالطيّب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربّهم، وانقيادهم للحق فيما أحبّوا وكرهوا وإعطاؤهم الحق من أنفسهم للعدو والصديق، وتحفظهم في المنطق مخافة الوزر، ومسارعتهم بأنفسهم رجاء الأجر والاجتهاد" (^٣). قال الشعبي ﵁: "ما بكيت من زمان إلا بكيت عليه" (^٤) ألا فاعتبروا قول الشعبي في زمانه ومات سنة أربع ومائة، وأنشدوا في المعنى:
رُبَّ يومٍ بكيتُ منه فلما صرتُ في غيره بكيت عليه (^٥)
_________________
(١) قال المناوي في " التعاريف": "السيماء: صيغة مبالغة من السمة والوسم، وهي العلامة الخفية".
(٢) بالأصل: ومماشهم.
(٣) إسناده ضعيف - أخرجه أبو الفضل البغدادي في "حديث الزهري" (ص/٥٨٠) (٦٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٤٩) من طريق يحيى بن سعيد العطار عن يزيد بن عطاء عن علقمة بن مرثد مطولا بنحوه، وفيه يحيى بن سعيد ضعيف، وشيخه يزيد لين الحديث.
(٤) إسناده ضعيف جدا - أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٢/ ٨١٢) (١٦٦٣)، وأبو عيم في "الحلية" (٤/ ٣٢٣)، وأبو عمر الداني في "الفتن" (٣/ ٥٢٠) (٢١٥) من طريق سعدان بن نصر المخرمي، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، قال: حدثنا مالك بن مغول، عن الشعبي به وابن أبن قال عنه في "التقريب": "متروك وكذبه ابن معين وغيره".
(٥) ونسب هذا البيت لعلي بن أبي طالب ﵁.
[ ٣٨ ]
وروي أنه لما ظهرت المقالات بالكوفة ذكر ذلك لإبراهيم النخعي رحمة الله عليه فقال: "أولئك (^١) رقَّقُوا قولًا (^٢) واخترعوا دينا من قبل أنفسهم ليس من كتاب الله ﷿، ولا من سنة رسول الله ﵇، فإياك وإيّاهم" (^٣). وقال: "وددتُ أني لم أكن تكلمت وإن زمانًا صرت فيه فقيه الكوفة زمان سوء" (^٤) ألا فهذا قول إبراهيم النخعي وهو من كبار علماء الدين وأئمة المسلمين مات سنة ست وتسعين، وهذا قول في جماعة من فقهاء زمانه [ق ١١ /أ] أنهم اخترعوا دينًا من قبل أنفسهم وبدّلوا دين محمد ﷺ فكيف به لو أدرك وعاظ زماننا، وقصاصهم وكثير من فقهائهم فيما هم فيه من إتباعهم الجهال والسفهاء الضلال، وما يفتون بلا علم، وما يظهرون من الحوادث والبدع والأهواء وسب الصحابة رضوان الله عليهم ولعنهم تدينًا وتقربًا إلى الله ﷿. والله المستعان.
_________________
(١) كذا بالأصل، وفي جميع النسخ: أوّه، وهي كلمة معناها التحزن، وتقال عند الشكاية والتوجع.
(٢) أي حسنوه.
(٣) إسناده ضعيف - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٢٣)، والهروي في "ذم الكلام" (٥/ ٥٤) (٨٤١) من طريق سليمان بن أحمد حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد الحمال الأصبهاني حدثنا إسماعيل بن يزيد القطان حدثنا إبراهيم بن الأشعث حدثنا شهاب بن خراش عن أبي حمزة الأعور بنحوه، وفيه أبو حمزة قال عنه في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال ابن حجر في "التقريب ": "ضعيف".
(٤) إسناده ضعيف - أخرجه الدارمي في "سننه" (١/ ٢٨٢) (٢٠٢)، وابن أبي الدنيا في "الإشراف" (ص/٢٧٠) (٣٥١)، والدولابي في "الكنى والأسماء" (٢/ ٤٩٠) ٠٨٨٧)، وابن صر في "فوائده" (ص/١٠٨) (١١٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٢٣) من طريق محمد بن طلحة بن مصرف، عن ميمون أبي حمزة به، وفيه بو حمزة قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه"، وقال عنه ابن حجر: "ضعيف".
[ ٣٩ ]
وروي عن الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه ورضي الله عنه أن شيخه ربيعة الذي بكى يومًا بكاءً شديدًا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: "لا ولكنه استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال ربيعة: ولبعض من بقي هاهنا أحق بالسحن من السراق" (^١)، فرحم الله ربيعة. فهذا قوله وهو من العلماء والتابعين
مات سنة ست وثلاثين ومائة، فكيف به لو أدرك كثيرًا من فقهاء زماننا هذا؟ وما يفتون بغير علم. والله المستعان.
_________________
(١) إسناده ضعيف – أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ١٢٢٥) (٢٤١٠) من طريق عبد الله بن وهب، قال: حدثني مالك، قال: أخبرني رجل " أنه دخل على ربيعة فذكره، وفيه جهالة شيخ مالك.
[ ٤٠ ]
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله –﵇- بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به (^١)،
_________________
(١) وتفصيل قصتها كما في جاء في رواية اللالكائي (كان لي زوج فغاب عني فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتي، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما، وركبت الآخر، فلم يك كشيء حتى دفعنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت، ولم تفعل، فرجعت إليهما فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئا؟، قلت: لم أر شيئا، فقالا: لم تفعلي، فارجعي إلى بلادك، ولا تكفري، فأردت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي، فرجعت إليهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: ما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئا، فقالا: كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك، فأردت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني، حتى ذهب إلى السماء، وغاب عني، حتى ما أراه فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني، فذهب في السماء، حتى ما أراه، فقالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا، وما قالا لي شيئا، فقلت: بلى؛ لن تريدي شيئا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت فقلت: اطلعي، فطلع، فقلت: أحقلي فأحقلت، ثم قلت: أفركي ففركت، ثم قلت: أيبسي، فيبست، ثم قلت: اطحني فطحنت، ثم قلت: اخبزي فتخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان، سقط في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين، فما فعلت شيئا، ولا أفعله أبدا ) ..
[ ٤١ ]
قالت: ورأيتها [ق ١١ / ب] تبكي حين لم تجد رسول الله – ﵇ – حيا يشفيها عن ذلك فكانت تبكي حتى أرحمها، فسألت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حداثة وفاة رسول الله ﵇ وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا علم له به إلا أنه قد قال لها ابن عباس ﵄ أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما قال هشام: فلو جاءتنا اليوم في زماننا أفتيناها بالضمان قال ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ وكان هشام يقول أنهم أهل ورع وخشية الله ﷿ وبعدًا من التكليف والجرأة على الله ﷿، ثم يقول هشام: لكنها لو جاءنا مثلها اليوم لوجدت نوكى (^١) أهل حمق، فيتكلفون بغير علم – وفي لفظ قال لو جاءت زماننا لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم-" (^٢). هذا حديث أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبري في سننه، وخرجته من حديث عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ألا فاعتبروا ما قال هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وكان من العلماء التابعين مات سنة خمس وأربعين ومائة، وهذا قوله في علماء زمانه من خمسمائة سنة وأكثر، فكيف لو أدرك [ق ١٢ /أ] نوكا أهل حمق وجهل وتكلّفٍ من أهل زماننا يفتون بغير علم. الله المستعان.
_________________
(١) وفي الحاشية: النوك: ، ويقال: النوك الحمق، والنواكة بالفتح الحماقة.
(٢) إسناده صحيح، ومتنه غريب – أخرجه الطبري في "تفسيره" (٢/ ٤٣٩) (١٦٩٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ١٩٤) (١٠٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٧١) (٧٢٦٢)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد" (٧/ ١٢٨٩) (٢٢٧٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ٢٣٥) من طريق الربيع بن سليمان، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مطولا بنحوه، وإسناد الحاكم ظاهر الانقطاع حيث أنه قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، وبينهما مفاوز، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٢/ ٣١٥): (رواها ابن جرير في " تفسيره " بإسناد حسن عن عائشة، ولكن المرأة مجهولة فلا يوثق بخبرها، وقد قال ابن كثير: " إنه أثر غريب وسياق عجيب ").
[ ٤٢ ]
وروي أن يوسف بن أسباط رحمة الله عليه كتب إلى بعض أصحابه: "أكتر لي منزلًا ولا تكتره بين القراء، فإنني أتخوف أن أقول تفاحة. فيقول لفاحة (^١)، وإذا لم أُجبهم إلى ذلك ذهبوا وتهيئوا لي بيتًا، وهيئوا فيه طنبورًا وغلامًا وخمرًا ودعوني ولم أعلم، ثم دعوا الناس وقالوا: تعالوا انظروا ما مع يوسف بن أسباط" (^٢) ألا فاعتبروا خوف يوسف بن أسباط من قراء زمانه فما عسى أن تسمعوا من قراء زمانكم بعد موت يوسف. وروي عن مالك ﵁ أنه قال: في قراء زمانه مثل قراء الزمان كمثل رجل نصب فخًّا ونصبَ فيه بُرة، فجاء عصفور فوقع قريبًا منه، فقال: ما غيبك في هذا التراب؟ قال: التواضع. فقال: مما أنحنيت؟ قال: من طول العبادة. فقال: نعم الجار أنت، فلما كان المساء، وغابت الشمس دنا العصفور وأخذ البرة فخنقه النفخ، فقال العصفور: إن كان العبّاد يخنقون خنقك فلا خير في العباد [ق ١٢ / ب] اليوم" (^٣) إلا فهذا قول ابن مالك بن دينار ﵀ وبه من كبار علماء التابعين وزهّادهم وعبّادهم، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وهذا قول فيهم، فماذا عسى أن يكون حال قوم نبزوا بالقراء وبالعباد والزهاد والشيوخ والفقراء، وليسوا منهم في شيء في زمانٍ بعد موت مالك بخمس وعشرين وخمسمائة سنة وأكثر. والله المستعان. وروي أن إبراهيم ﵁ مرّ بالأوزاعي ﵀ وحوله الناس، فقال: "على هذا عهدت الناس كأنك معلم وحوله الصبيان، والله لو أن هذه الحلقة على أبي هريرة
_________________
(١) بالأصل: تفاحة، والتصويب من كتاب العزلة.
(٢) إسناده ضعيف – أخرجه الخطابي في "العزلة" (ص/٨٨) بسد فيه مجهول.
(٣) إسناده ضعيف – أخرجه أبو الشيخ في "الأمثال" (ص ٤١٤) (٣٦٨)، والخطابي في "العزلة" «ص/٨٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩/ ٢١٤) (٦٥٥٦) من طريق إبراهين بن إسحاق الطالقاني عن أبي حفص البصري – ووقع عند الخطابي: أبي جعفر – عن مالك بن دينار به، وضعف محقق "الشعب" إسناده وأعله بأبي حفص، ورجح أنه عمر بن حفص ضعفه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم.
[ ٤٣ ]
﵁ لعجز عنهم"، فقام الأوزاعي وترك الناس (^١)، ومات إبراهيم سنة واثنين وستين ومائة، وهذا قوله في أهل زمانه في مثل الأوزاعي ومن حوله فكيف لو أدرك رؤساء الجهّال من أهل زماننا ومن حولهم. الله المستعان. عن سفيان بن عيينة ﵁ قال: جلسنا إلى عبيد الله بن عمر ﵄ وأحطنا به، فنظر إلينا وقال: "شئتم العلم، وذهبتم بنوره، لو أدركني وإيّاكم عُمرَ لأوجعنا ضربًا، فما أنا أهل أن أحدث، ولا أنتم أهل أن تحدثوا [ق ١٣ /أ] وما مثلي ومثلكم إلا كما قال الأول افتضحوا فاصطلحوا" (^٢) ألا فاعتبروا قول عبيد الله بن عمر من العلماء التابعين، وهذا قوله في طلاب العلم والأحاديث في زمانه، فكيف بجهّالٍ من أهل زماننا بِنُزُوا (^٣)
بالعلماء والمشايخ والفقهاء، وليسوا منهم في شيء، مات سنة [سبع وأربعين ومئة] (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه ابن منده في "مسند إبراهيم بن أدهم" (ص/٤٢) (٣٦) بسند فيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف.
(٢) صحيح - أخرجه أحمد في "العلل" «٢/ ٥) (١٣٦٢)، والدارمي في "سننه" (١/ ٤٧١) (٦٠١)، وابن أبي خيثمة في "تاريخه" (٢/ ٣٤٨) (٣٢٩٨) من طرق عن سفيان بنحوه.
(٣) نَزْوًا ونُزُوًّا ونَزَوانًا: وثب. وانظر المعجم الوسيط مادة (ن ز ا).
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٤٤ ]
وروي عن يونس بن عبيد ﵁ أنه قال: "يوشك لعينك أن ترى ما لم ترَ، ويوشك لأذنك أن تسمع ما لم تسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فيما دونها حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط" (^١)، وقال: "ليس شيء أعزّ من اثنين درهم طيّب ورجل يعمل عمل سنة" (^٢)، وقال: "من إذا تعرض عليه السنة فيقبلها لغريب، وأغرب منه الذي يعرضها عليه". وفي لفظ قال: "أصبح من إذا عُرف السنة عرفها غريبًا وأغرب منه من يَعرفها" (^٣) ألا فاعتبروا قول يونس وهو من كبار علماء التابعين مات سنة [تسع وثلاثين ومئة] (^٤). الله المستعان.
وروي عن خير التابعين أويس بن أنيس القرني ﵁ أنه قال لهِرم بن حيّان رحمة الله عليه: "الوحدة أحبّ إليّ لأنني كثير الغم ما دمت مع هؤلاء الناس حيًّا، فلا تسأل عني ولا تطلبني" (^٥)، وإنّ أهله ظنّوا أنه [ق ١٣ / ب] مجنون فبنوا له بيتًا على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السنة والسنتان لا يَرون له وجهًا، وكان طعامه ما يلتفظ من النوى، فإذا أمسى أباعه لإفطاره، وإن أصاب حشفة حبسها لإفطاره، وكان يلتقط الخرق من المزابل للباسه.
_________________
(١) إسناده صحيح إلى يونس - أخرجه ابن بطة في الإبانة" (١/ ١٨٢) (١٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٧/ ٩٩) من طريق حماد بن زيد عن يونس به.
(٢) إسناده صحيح - أخرجه ابن الجعد في "مسده" (ص/٢٠٤) (١٣٤٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٧)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٩٩) (٤٨٩) من طريق سعيد بن عامر عن أسماء بن عبيد عن يونس بن عبيد مطولا به، وإسناده صحيح.
(٣) صحيح - أخرجه الآجري في "الشريعة" (٥/ ٢٥٥٠) (٢٠٥٩)، واللالكائي في "شرح الاعتقاد" (١/ ٦٤) (٢٢) من طريق أبي أسامة عن مهدي بن ميمون عن يونس بنحوه، ورواته ثقات.
(٤) غير مذكورة بالأصل.
(٥) إسناده ضعيف - أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٢٠٧)، وأحمد في "الزهد" (ص/٢٧٩) (٢٠١٤)، وابن أبي الدنيا في "العزلة" (ص/٧٨) (٢٠٦) مختصرا، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٤٤٨) من طريق سيف بن هارون البرجمي عن منصور عن مسلم بن سابور قال: حدثني شيخ من بني حرام عن هرم بن حيان العبدي مطولا بنحوه، وفيه سيف بن هارون: قال في "التقريب": " ضعيف أفحش ابن حبان القول فيه"، وفيه جهالة الراوي عن هرم.
[ ٤٥ ]
وروي أن معاوية (^١) بن قرة ﵀ قال: "أدركت سبعين رجلًا من أصحاب محمد ﵇ لو خرجوا فيكم اليوم ما عرفوا شيئًا مما أنتم عليه إلا الأذان" (^٢).
وروى الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: "إذا رأيتم اليوم شيئًا مستويًا فتعجّبوا". وقال: "لو صليت مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبي ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم، ومات أحمد ﵀ سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهذا قاله في أهل زمانه، فكيف لو أدرك أهل زماننا، وما عسى أن يقول فيهم. الله المستعان. ألا فما ذكرناه وما نذكره بعد من أقوال الصحابة والتابعين يدل على أن المنافين والزنادقة من أهل زماننا له ذكر وصية عند الناس بالتديّن والصلاح، وكثير من المؤمنين عندهم مجانين وبين ظهرانيهم مطرودين [ق ١٤ /أ] محقورون أذلاء أذلّ من اليهود والنصارى، ولتمسكهم بما كان عليه النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) بالأصل: معمر، وهو خطأ.
(٢) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٩٩)، ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٩/ ٢٦٩) عن أبيه عن إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: ثنا عيسى بن خالد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن تمام بن نجيح، عن معاوية بن قرة به، وفيه تمام قال عنه الذهبي في "الكاشف"، وابن حجر في "التقريب": "ضعيف".
[ ٤٦ ]
وروى سليمان الخطابي في كتاب "حفظ اللسان" أن طاووسًا ﵁ قال: "إذا تمّت سنة ثلاث وثلاثين ومائة ظهرت شياطين سبعة من جزائر البحور، وتهيئوا بهيئة العلماء، فأحلّوا الحرام وحرموا الحلال، فلا تأخذوا العلم إلا ممّن تعرفون أو يعرف لكم" (^١) ألا فاعتبروا قول طاووس وهو من كبار العلماء التابعين الذين جمعوا بين العلم والعمل، مات سنة ستّ ومائة قبل أن تجيء ثلاث وثلاثون ومائة بسبع سنة، فكيف بنا بعد اثنين وخمسمائة؟ قلت: فكيف بنا في زماننا اليوم ونحن في سنة أربع وخمسين وسبع مائة، وهذا قوله في شياطين تهيئوا في هيئة العلماء، فكيف بجهّال زماننا اتبعوا شياطينًا تهيئوا بهيئة الجهّال وضلالتهم أعظم من ضلالة شياطين تهيئوا بهيئة العلماء يتكلمون بكلام يردّون على رسول الله ﵇ ما جاء به عن الله ﷿، ويكفرّون الناس [ق ١٤ / ب] ويوهمونهم أنّهم يتكلمون في علم الحقائق والمكاشفات وأقوام آخرون يتكلمون بالعلم وليسوا من العلماء، بل من المحدّثين ومن رؤساء الجهّال. الله المستعان.
ما أكثر ما حشوا كتبهم من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله ﵇ وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم ألا وأنه لا يخفى حالهم على أصحاب الحديث ما فعلوا وما افتروا على الله، وعلى رسوله وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم.
_________________
(١) لم أقف عليه من كلام طاوس – وإنما أخرج ابن عدي في "لكامل" (٥/ ١٣٣)، وابن بطة في "الإبانة" (٦/ ١٤٧) (٤٢٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ١٥٧) من طريق بقية بن الوليد عن الصباح بن مجالد عن عطية العوفي عن أبي سعيد مرفوعا: «إذا كان سنة خمس وثلاثين ومئة خرجت مردة الشياطين، كان حبسهم سليمان بن داود ﵇ في جزائر البحور، فيذهب تسعة أعشارهم إلى العراق يجادلونهم بمشتبه القرآن، وعشر بالشام»، وإسناده ضعيف قال ابن حجر في الميزان: " صباح" بن مجالد شيخ لبقية لا يدرى من هو والخبر باطل، وأورده بن الجوزي في الموضوعات"، وفيه أيضا: بقية مدلس ويسوي فلابد وأن يصرح بالسماع حتى نهاية السند، وعطية العوفي مدلس، وقد عنعنه.
[ ٤٧ ]
وروى قتيبة بن سعيد بإسناده إلى ابن أبي ليلى أنه قال: "سيأتي على الناس زمان يقال له زمان الذئاب، فمن لم يكن في ذلك الزمان كلبًا أكلوه" (^١). قال قتيبة: هو هذا الزمان. ومات قتيبة سنة [سنة أربعين ومئتين] (^٢)
ولقد أحسن القائل:
إذا كان الزمان زمان سوء وكان الناس أشباه الذئاب
فكن كلبًا على من كان ذئبًا فإنّ الذئب ينفى بالكلاب
_________________
(١) إسناده ضعيف - أخرجه الخطابي في "العزلة" (ص/٦٩) بإسناد فيه من لم أعرفهم.
(٢) غير مذكورة بالأصل.
[ ٤٨ ]
وروى الإمام الحافظ [عبد الله أحمد] (^١) بن بطة (^٢) ﵁ ما ذكرناه من قول الصحابة ثم قال: هذا يا إخواني رحمنا الله وإياكم [قول] (^٣) أصحاب رسول الله ﷺ عبد الله بن بُسر وأنس بن مالك وأبو الدّرداء وابن عبّاس رضوان الله عليهم ومن تركت وأكثر [ق ١٥ /أ] ممّن ذكرتُ، فيا ليت شعري كيف حال المؤمن في هذا الزمان وأيّ عيش له مع أهله وهو لو عاد عليلًا لعاين عنده وفي منزله وما أعدّ له أهله للعلّة والمرض من صنُوف البدع ومخالفة السنّة والمضاهاة للفُرس والروم وأهل الجاهليّة ما لا يجوز له معه عيادة المرضى، وكذلك إن شهد أملاك رجل مسلم، وكذلك إن شهد وليمة رجل مسلم، وكذلك إن خرج يريد الحجّ عاين في هذا المواطن ما يكربُهُ ويكرثه ويسوؤه في نفسه وفي المسلمين ويغمّه، فإذا كانت مطالب الحقّ قد صارت مقابح فماذا عسى أن يكن أفعالهم في الأمور التي تطوي عنهم ذكرها إنا لله وأنا إليه راجعون.
_________________
(١) كذا بالأصل، هو خطأ كما هو واضح من ترجمته في التعليق التالي.
(٢) هو عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان، أبو عبد الله العكبريّ، المعروف بابن بطة: عالم بالحديث، فقيه من كبار الحنابلة. من أهل عكبرا مولدا ووفاة رحل إلى مكة والثغور والبصرة وغيرها في طلب الحديث، ثم لزم بيته أربعين سنة، فصنف كتبه وهي تزيد على مئة، منها: السنن، المناسك، الإمام ضامن الإبانة، الإنكار على من قضى بكتب الصحف الأولى، الإنكار على من أخذ القرآن من المصحف، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، توفي عام: سبع وثمانين وثلاثمائة. وله ترجمة في طبقات الحنابلة (٢/ ١٤٦)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٦٤) (٣٥٩٨)، الأعلام (٤/ ١٩٧)، معجم المؤلفين (٦/ ٢٤٥).
(٣) ساقطة من الأصل، استدركتها من الإبانة.
[ ٤٩ ]
ما أعظم مصائب المسلمين في الدين وقلّ في ذلك المفكّرون ولو أن رجلًا عاقلًا أنعم النظر في الإسلام وأهله لعلم أن أمور النّاس كلّها تمضي على سنن أهل الكتابين وطريقتهم وسنة كسرى وقيصر وعلى ما كان عليه أهل الجاهلية، فما من طبقة من الناس ولا صنف منهم إلاّ وهم في سائر أمورهم مخالفون لشرائع الإسلام وسنة [ق ١٥ / ب] الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ومضاهون فيما يفعلون أهل الكتابين والجاهلية، فإن من صرف بصره إلى السلطنة وأهلها وحاشيتها ومن لاذ بها من حكّامها وعمّالها وجد الأمر فيهم بالضدّ مما أمروا به ونصبوا له في أفعالهم وأحكامهم وزيّهم ولباسهم، وكذلك هو في سائر الناس من التجار والسوقة وأبناء الدنيا وطالبيها من الزّراع والصنّاع والأجراء والفقهاء والعلماء إلا من عصمه الله ﷿ ومتى فكرت في ذلك وجدت الأمر كما أخبرتك في المصائب والأفراح والزّيّ واللباس والآنية والأبنية والمساكن والخدّام والمراكب والولائم والأعراس والمجالس والفرش والمآكل والمشارب وكلّ ذلك يجري بخلاف الكتاب والسنة بالضّدّ ممّا أمر به وندب إليه المؤمنون، وكذلك من باع واشترى وملك واقتنى وآجر واستأجر وزرع وزارع، فمن طلب السلامة لدينه في وقتنا هذا مع الناس عدمها ومن أحبّ أن يلتمس معيشته حكم الكتاب والسنة فقدها وكثر خصماؤه وأعداؤه ومخالفوه ومبغضوه فيها. الله المستعان فما أشد [ق ١٦ /أ] تعذّر السلامة في هذا الزمان فطرقات الحقّ خالية مقفّرة موحّشة لعدم سالكيها قد اندفنت محاجّها وتهدّمت صواياها وأعلامها، وفقد أدلاؤها، وقد وقفت شياطين الإنس والجنّ
[ ٥٠ ]
على فجاجها وسبلها تتخطّف الناس عنها. الله المستعان فليس يعرف هذا الأمر ويهمّه إلا رجل عاقل مميّز قد أدّبه العلم، وشرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربّه فقد كثر المغترّون بتمويهاتها وتباهى الزائغون الجاهلون بلبسة حليّها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم الخالية قبلنا، وحلّ بنا الذي حذرنا منه نبيّنا ﷺ من الفرقة والاختلاف وترك الجماعة والائتلاف وواقع أكثرنا الذي عنه نهينا، وترك الجمهور منّا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حليته الإيمان، وانكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وعبدت الأهواء واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتن، وانتشر أعلامها وظهرت الرّدة، وانكشف قناعها، وقدّحت زناد الزندقة، فاضطرمت نيرانها، وخلف محمد ﵇ [في أمته] (^١) بأقبح الخلف، [ق ١٦ / ب] وعظمت البليّة، واشتدّت الرزية، وظهر المبتدعون، وتنطع (^٢) المتنطعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهتكت سجف المشاينة، وشهرت سيوف المخاشنة بعد أن كان أمرهم هينًا وحدّهم ليّنا، وذلك حتى كان (^٣) أمر الأمة مجتمعا والقلوب متألفة، والأئمة عادلة، والسلطان قاهرًا، والحق ظاهرًا، فانقلب وانعكس الزمان، وانفرد كل قوم ببدعتهم، وحربت الأحزاب، وخولف الكتاب، واتخذوا أهل الإلحاد رؤساء وأربابًا، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهّور في الغشاوة العامة (^٤)
_________________
(١) ساقطة من الأصل، استدركتها من الإبانة.
(٢) قال الخليل الفراهيدي في "العين": " النِّطَعُ ما يُتَّخَذُ من الأَدَمِ، وتصحيحه: كَسْرُ النّون وفتحُ الطّاء، يجمع على أنطاع. والنطع مثل فِخْذ وفَخْذ: ما ظهر من الغار الأعلى، وهي الجلدةُ الملتصقةُ بعَظْمِ الخُلَيْقاء، وفيها آثارٌ كالتّحزيز، ويُجْمَعُ على نُطُوع، ومنهم من يقول للأسفل والأعلى: نِطْعان".
(٣) بالأصل: " حين" والتصويب من الإبانة.
(٤) وفي الإبانة: " وتهوك في العسرة العامة" ..
[ ٥١ ]
وأهل الأسواق، ونعق إبليس اللعين بأوليائه نعقة، فأجابوه من كل ناحية مطاوعين، وأقبلوا نحوه من كل قاصية مسرعين، فألبسوا شيعًا، وتميّزا قطعًا، وشمتوا بنا أهل الأديان السالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله ﷿، وصدفهم عن الحق، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم هواهم، ولله ﷿ عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسوله، واشتغلت نيران البدع في الدين [ق ١٧ / أ] وصاروا إلى سبيل المخالفين المعاندين؛ فأصابهم ما أصاب من كان قبلهم من الأمم الماضية، وصرنا من أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار، ورويت فيهم الآثار، ألا فهذا هو قول الإمام أبي عبد الله بن بطة ﵁ من خمسمائة سنة فيهم. الله المستعان.
[ ٥٢ ]
قال الحافظ أبو نعيم: وقد صار المتمسكون في زماننا بالسمت الأهدى، والحظ الأوفى، أغرب الغرباء، وأبعد البعداء؛ لأن الناس أصبحوا على طبقات ثلاث: متحلّ بالعلم يسوق به، اتخذ العلم مكسبًا ينحط في الأهواء، جامعًا بذلك الأسواء والأدواء. وآخر مرتكسًا في ضلالته، منتكسًا في بدعته، أصبح إليها داعيًا، وعن قبول الحق ناهيًا، لا يرى الحق إلا في وفاقه، ولا الباطل إلا في خلافه وشقاقه. وثالث بجهله راضيًا لاهيًا، وعن حظّه ماضيًا ساهيًا بالتكاثر لهجًا وبارًا، وبالتفاخر بهجًا لا يعرف معروفًا، ولا يعين ملهوفا رخصت عليه أديانهم، فخفت من الأعمال ميزانهم، وسقطت [ق ١٧ /ب] عند المحققين أوزانهم، فهم كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "همج رعاع أتباع كل ناعق" (^١). يَرفُصُون مع كل زاعق ويُنساقون لكل سائق، إذا دارت رحى الظالمين والجائرين صالوا بصولتهم (^٢)، فإذا أقبلت راية المضلين المبطئين، غالوا إلى ضلالتهم، فدينهم التحوّل والانتقال، ودنياهم التطاول والاعتدال، وكيف لا يعزّ المحققون وهم من بين الناس مقدّمون وعن مصاحبة الأشرار يميّزون، وبالأخيار منهم يرحلون؟ قلت: كما روي عن مرداس الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "يذهب الصالحون الأول فالأول حتى لا يبقى إلا حفالة كحفالة التمر والشعير، لا يعبأ الله بهم" (^٣). وعن مسلمة (^٤) الفهري ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأوَّلُ فَالأوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ، لا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ ﷿ بهم" (^٥) قوله ﵇ حفالة التمر والشعير يعني رذالته وما لا خير فيه منه.
_________________
(١) جزء من وصية علي ﵁ لكميل بن زياد وقد سبق بيان ضعف إسنادها.
(٢) وفي الحاشية: الصول والصولة جمل. . . - كلمة غير واضحة - يقال: صال يصول صولًا، وصولة إذا حمل وتوجه].
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" (٨/ ٩٢) (٦٤٣٤) بنحوه، وقال عقبه: «يقال حفالة وحثالة».
(٤) بالأصل: " مسعود"، وهو خطأ.
(٥) إسناده ضعيف - أخرجه ابن الصفار في "الأربعون من مسانيد المشايخ العشرين" (ص/ ٣٠٩) بإسناد فيه جبارة بن المغلس، قال عنه الذهبي في "الكاشف" وابن حجر في "التقريب": "ضعيف"، وشيخه شريك القاضي: صدوق يخطئ كثيرا.
[ ٥٣ ]
يقول كما لا يؤكل ما تبقى من حفالة التمر والشعير لا يصحب من يبقى من الناس في آخر الزمان كما جاء في الحديث عن النبي ﵇ أنه قال: "إذا تقارب الزمان [ق ١٨ / أ] انتقى الموت خيار أمتي كما ينتقى أحدكم خيار الرطب من الطبق" (^١) المعنى تقارب زمان القيمة يقصد بالموت الخيار من أمّته ﵇؛ ليعجل بهم إلى أجرهم وينجون من الشر والمحن والآفات والفتن التي بين يدي الساعة، ولما صحّ عن النبي ﵇ "أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس" (^٢). وروي [عن] عائشة ﵂: "أن النبي ﵇ قال: "لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى" فقلت: وكيف ذلك؟ قد قال الله ﷿: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فقال ﵇: " إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم". أخرجه مسلم في الصحيح (^٣).
_________________
(١) ضعيف جدا - أخرجة الرامهرمزي في "أمثال الحديث" (ص؟ ١٢٦)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ٢٩٩) (١٤٠٤، ١٤٠٥) من طريق أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا إسماعيل بن عبد الله بن الحارث الهمداني، عن عمار بن محمد، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وفيه يحيى بن عبيد الله قال عنه الذهبي في "الكاشف": "ضعفوه وتركه القطان بآخرة"، وقال ابن حجر: " متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع"، وقال ابن حجر عن أبيه: "مقبول" يعني عند المتابعة وإلا فلين.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" (٤/ ٢٢٦٨) (٢٩٤٩) من حديث عبد الله ﵁ به.
(٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٠) (٢٩٠٧) بنحوه.
[ ٥٤ ]
وأخرج الحديث الآخر في الصحيح أنس عن النبي ﵇ قال: "لا تقوم الساعة على أحد يقول الله الله" (^١). وفائدة الحديث: أن يتحرّى العبد فعل كل خير؛ ليكون من أهل الخير، فيقبض عليه، وأن لا يكره الموت عند حضوره إيثارًا للنجاة من شر آخر الزمان، والموت على الإيمان، إلا أن ابتداء هذه الفتن والبلايا والابتداع والضلال كان دخولها في الإسلام [ق ١٨ /ب] من حين قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ونجا من ذلك كل أصحاب رسول الله ﵇، وطهّرهم الله ﷿ من هذه الأحوال القبيحة، وهلك وضل بذلك خلق كثير ممن جاءوا بعد الصحابة رضوان الله عليهم وهم الذين يخالفون كتاب الله وسنة رسوله ﵇، ولا يرضون بإتباعهما كما جاء وسيتحسنون حوادث وبدع مات الصحابة على السكوت عنها. فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من يحدثنا عن الفتنة. وفي لفظٍ: قال: أيكم يعقّل عن رسول الله ﵇ الأيّام التي بين يدي الساعة. وفي رواية أخرى: قال: من يحدثنا عن حديث النبي ﵇ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا. فقال ائت؟ قال: يا أمير المؤمنين فتنة الرجل في أهله وما له يكفّرها الصوم والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: لست عن هذا أسألك؛ إنما أسألك عن الفتنة التي قبل الساعة تموج موجان البحر؟ قال يا أمير المؤمنين بينك وبينها باب مغلق. فقال عمر ﵁: أخبرني عن الباب يكسر كسرًا ويفتح فتحًا؟ ! قال: بل يكسر كسرًا [ق ١٩ / أ] فقال عمر ﵁: إذًا لا يغلق إلى يوم القيامة. وفي لفظ قال: فوضع عمر ﵁ يده على رأسه وقال: ويحيك! إنه إذا كسر لا يُغلق إلى يوم القيامة. قال حذيفة: أجل وسئل حذيفة عن الباب من هو؟ فقال: عمر رضوان الله عليه" (^٢). وروي عن بن مسعود ﵁ أنه قال: "كَانَ عُمَرُ حَائِطًا حَصِينًا عَلَى الإِسْلامِ، يَدْخُلُ النَّاسُ فِيهِ وَلا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فلما قتل عمر ﵁ انْثَلَمَ (^٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١/ ١٣١) (١٤٨).
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١/ ١١١) (٥٢٥)، ومسلم في "صحيحه" (١/ ١٢٨) (١٤٤) من حديث حديفو ﵁ بنحوه.
(٣) وفي الحاشية: انهدم ..
[ ٥٥ ]