الْحَائِطُ فَالنَّاسُ يَخْرُجُونَ مِنْهُ وَلا يَدْخُلُونَ فيه" (^١). وفي لفظ "أن عمر ﵁ كان حائطا كثيفا يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فمات عمر فانثلم الحائط فهم منه يخرجون ولا يدخلون". وفي لفظ آخر: قال: "عمر ﵁ كان حصنا حصينًا على الإِسلام، يدخل النَّاس فيه ولا يخرجون منه. قال: فأصبح الحسن قد انثلم فالناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه". وممّا يؤيد ذلك ما فعل المنافقون بعثمان بن عفان ﵁.
فصل
ألا فاستمعوا الآن ما روي عن نبيّكم ﵇ في صفة المؤمنين وأخلاقه (^٢)، إن كنتم من أمته لتعرضوا بها صفة مشايخكم وفقهائكم وما هم عليه، فإن وافق ما قال من [ق ١٩ /ب] صفة المؤمن وأخلاقه وإلا فالقوم زنادقة ملحدون دجالون كذابون آكلون الدنيا بالدين ضالون مضلون.
_________________
(١) صحيح - أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٦/ ٣٥٤)، وأحمد في "فضائل الصحابة" (١/ ٢٧٠) (٣٥٦)، والطبراني في "الكبير" (٩/ ١٦٠) (٨٨٠١)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٠٠) (٤٥٢٢) من طرق عن ابن مسعود بنحوه.
(٢) كذا بالأصل، وفيه زيادة: "من" قبل كلمة وأخلاقه.
[ ٥٦ ]
وروى الحافظ أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (^١) في كتاب الترغيب والترهيب بإسناده عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يا معاذ: إن المؤمن قَيَّدَهُ القرآن عن كثير من هوي نفسه وشهواته، وحال بينه وبين أن يهلك فيما يهوى بإذن الله ﷿، يا معاذ: إن المؤمن لا يأمن روعه، ولا يسكن قلبه، ولا يطمئن من اضطرابه، يخلف جسر جهنم، يا معاذ: إن المؤمن يتوقع الموت صباحًا ومساءًا، يا معاذ إن المؤمن يعلم أن عليه رقباء على سمعه وبصره ولسانه ورجليه ويديه وبطنه وفرجه حتى اللمحة (^٢) ببصره وفتات الطينة بأصابعه، وكحل عينيه، وجميع سعيه، فالتقوى رقيبه، والقرآن دليله، والخوف محجته (^٣)، والشوق مطيته، والوجل شعاره، والصلاة كهفه، [ق ٢٠ / أ] والصوم جنته، والصدقة فكاكه (^٤)،
_________________
(١) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي الطليحي التيمي الأصبهاني، أبو القاسم، الملقب بقوام السنة: من أعلام الحفاظ. كان إماما في التفسير والحديث واللغة. وهو من شيوخ السمعاني في الحديث. من كتبه (الجامع) في التفسير، ثلاثون مجلدة، و(الإيضاح) في التفسير، أربع مجلدات، وتفسيران آخران، وتفسير بالفارسية، عدة مجلدات، و(دلائل النبوة) و(التذكرة) نحو ٣٠ جزءا، و(سير السلف) في تراجم الصحابة والتابعين، و(الترغيب والترهيب) و(شرح الصحيحين) و(الحجة في بيان المحجة)، و(إعراب القرآن)، و(المبعث والمغازي)، وغيرها، ولد عام (٤٥٧)، وتوفي عام (٥٣٥) وترجمته في: تذكرة الحفاظ (٤/ ٥٠) (١٠٧٥)، الوافي بالوفيات (٩/ ١٢٧)، طبقات الشافعية (١/ ٥٩١)، الأعلام (١/ ٣٢٣)، وغيرها.
(٢) وفي الحاشية: اللمحة: نظر واحد.
(٣) وفي الحاشية: المحجة بالفتحات وتشديد الجيم: طريق واسع.
(٤) قال ابن سيده في "المحكم": (الفك: انفراج الْمنْكب عَن مفصله استرخاء وضعفا)، وعبارته قريبة جدا من عبارة المؤلف في الحاشية إلا أن تتمتها مبتورة بالصورة التي معي من المخطوط ..
[ ٥٧ ]
والصدق وزيره، والحياء أميره، وربه من وراء ذلك بالمرصاد، يا معاذ: إني أحب لك ما أحب لنفسي، وقد أنهيت إليك ما أنهى إلي جبريل، ﵇، فلا أعرفك غدًا توافيني يوم القيامة وآخر سعد بما آتاك الله أسعد منك" (^١).
_________________
(١) ضعيف – أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨/ ١٧٦) (٨٣١٧)، وفي "مسند الشاميين" (٤/ ٣٥٥) (٣٥٤٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦)، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٠٥) (١٢٥٠) من طرق عن ضعيفة عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ مطولا ومختصرا بنحوه، ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٢٧) (١٩٢٧٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣١) من طريق أحمد بن أبي الحواري، نا يونس الحذاء، عن أبي حمزة، عن معاذ بن جبل بنحوه، وقال ابن كثير في "تفسيره": (وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا -وفي إسناده نظر وفي صحته، فذكره .. ثم قال: قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل). والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٥٦٨٥).
[ ٥٨ ]
وروي عن سويد بن الحرث ﵁ قال: وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ قَوْمِي فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَكَلَّمْنَاهُ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ سَمْتِنَا وَزِيِّنَا فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ؟» قُلْنَا: مُؤْمِنِينَ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ؟» قُلْنَا: خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: خَمْسٌ مِنْهَا أَمَرَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا، وَخَمْسٌ مِنْهَا أَمَرَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نَعْمَلَ بِهَا، وَخَمْسٌ مِنْهَا تَخَلَّقْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْنُ عَلَيْهَا الآنَ إِلَّا أَنْ تكرهها (^١) منَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَمَا الْخَمْسُ الَّتِي أَمَرَتْكُمْ رُسُلِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهَا؟» قُلْنَا: أَمَرَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: «فَمَا الْخَمْسُ الَّتِي أَمَرَتْكُمْ رُسُلِي أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا؟» فَقُلْنَا: أَمَرَتْنَا رُسُلُكَ أَنْ نَقُولَ جَمِيعًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، [ق ٢٠ /ب] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَنُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَنَحُجَّ الْبَيْتَ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَنَصُومَ رَمَضَانَ، فَنَحْنُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَا الْخَمْسُ الَّتِي تَخَلَّقْتُمْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» فَقُلْنَا: الشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالصِّدْقُ فِي مَوَاطِنِ اللِّقَاءِ، وَالرِّضَى بِمواقع الْقَضَاءِ، وَتَرْكُ الشَّمَاتَةِ إِذَا حَلَّتِ المَصَائِبِ بِالأَعْدَاءِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: «أدباء عُلَمَاءُ فقهاء كَادُوا مِنْ فِقْهِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ لخصال ما أشرفها وأنبلها وأعظم عند الله ﷿ ثوابها»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَنَا أُوصِيكُمْ بِخَمْس خِصَالٍ لِتَكْمل عِشْرِينَ خَصْلَةً". فقلنا: أوصينا يا رسول الله.
_________________
(١) بالأصل: " تكرهيها ".
[ ٥٩ ]
فقال ﷺ: "إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ فَلا تَجْمَعُوا مَا لا تَأْكُلُونَ وَلا تَبْنُوا مَا لا تَسْكُنُونَ وَلا تَنَافَسُوا فِي شَيْءٍ غَدًا عَنْهُ تَزُولُونَ، وَارْغَبُوا فِيمَا عَلَيْهِ تُقْدِمُونَ وفيه تجاوزن، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَعَلَيْهِ تُعْرَضُونَ» (^١).
_________________
(١) إسناده ضعيف – أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٢٧٩)، والبيهقي في "الزهد الكبير" (ص/٣٥٣) (٩٧٠) من طريق أحمد بن أبي الحواري، يقول: سمعت أبا سليمان الداراني، يقول: حدثني شيخ بساحل دمشق يقال له علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي، حدثني أبي، - ولم يذكره البيهقي - عن جدي سويد بن الحارث بنحوه، وقال الذهبي في "الميزان" في ترجمة علقمة بن يزيد: "لا يعرف. وأتى بخبر منكر فلا يحتج به".
[ ٦٠ ]
وروي أبو الفرج بن الجوزي ﵁ بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ خَلْقِهِ الْأَصْفِيَاءَ [ق ٢١ / أ] الْأَخْفِيَاءَ الْأَبْرِيَاءَ الشَّعِثَةَ رُءُوسُهُمُ الْمُغْبَرَّةَ وُجُوهُهُمُ الْخَمِصَةَ بُطُونُهُمْ الَّذِينَ إِذَا اسْتَأْذَنُوا عَلَى الْأُمَرَاءِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ وَإِنْ خَطَبُوا الْمُتَنَعِّمَاتِ لَمْ يُنْكَحُوا وَإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا وَإِنْ طَلَعُوا لَمْ يُفْرَحْ بِطَلْعَتِهِمْ وَإِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا وَإِنْ مَاتُوا لَمْ يُشْهَدُوا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ لَنَا بِرَجُلٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ ﷺ: «ذَاكَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ» قَالُوا: وَمَا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ؟ قَالَ: "أَشْهَلُ (^١) ذُو صُهُوبَةٍ (^٢) بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ مُعْتَدِلُ الْقَامَةِ آدَمُ شَدِيدُ الْأَدَمَةِ ضَارِبٌ بِذَقْنِهِ إِلَى صَدْرِهِ رَامٍ بِذَقْنِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَاضِعٍ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ يَتْلُو الْقُرْآنَ يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ ذُو طِمرينِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ (^٣)
_________________
(١) الشُّهْلة: حُمْرة فِي سَوادِ العَين، ويقال: رجل أشْهَلُ وَامْرَأَة شَهْلاءُ. وانظر: تهذيب اللغة مادة (ه ش ل)، وجمهرة اللغة مادة (ش ل ه).
(٢) (الصَّهَبُ) وَالصُّهْبَةُ وَالصُّهُوبَةُ حُمْرَةٌ فِي شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَهِيَ إذَا كَانَ فِي الظَّاهِرِ حُمْرَةٌ وَفِي الْبَاطِنِ اسْوِدَادٌ. وانظر المغرب مادة (ص ه ب).
(٣) قال المطرزي في "المغرب" مادة (ط م ر): «الطِّمْرُ) الثَّوْبُ الْخَلَقُ وَالْجَمْعُ أَطْمَارٌ وَيُقَالُ مَا وَبِهْتُ لَهُ وَمَا أَبَهْتُ لَهُ أَيْ مَا فَطِنَتْ لَهُ وَمَعْنَى لَا يُؤْبَهُ لَهُ لِذِلَّتِهِ وَلَا يُبَالَى بِهِ لِحَقَارَتِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ فِي دِينِهِ وَالْخُضُوعِ لِرَبِّهِ بِحَيْثُ إذَا دَعَاهُ اسْتَجَابَ دُعَاءَهُ) ..
[ ٦١ ]
مُتَّزِرٌ بِإِزَارِ صُوفٍ وَرِدَاءِ صُوفٍ مَجْهُولٌ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ مَعْرُوفٌ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّ قَسَمَهُ أَلَا وَإِنَّ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ لُمْعَةٌ بَيْضَاءُ أَلَا وَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِلْعِبَادِ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيقَالُ لِأُوَيْسٍ: قِفْ وَاشْفَعْ فَيُشَفِّعُهُ اللهُ ﷿ فِي مِثْلِ عَدَدِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ يَا عُمَرُ وَأَنْتَ يَا عَلِيُّ إِذَا أَنْتُمَا لَقِيتُمَاهُ وَاطْلُبَا مِنْهُ الدُّعَاءِ وَاسْأَلا أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكُمَا [ق ٢١ / ب] اللهُ قال: فَكَانَا يَطْلُبَانِهِ عَشْرَ سِنِينَ وَلَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الَّتِي فِيهَا عُمَرُ قَامَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَهْلَ الْحَجِيجِ مِنْ الْيَمَنِ أَفِيكُمْ أُوَيْسٌ فَقَامَ شَيْخٌ كَبِيرٌ طَوِيلُ اللِّحْيَةِ فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَا أُوَيْسٌ، وَلَكِنِ ابْنُ أَخٍ لِي يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَهُوَ أَخْمَلُ ذِكْرًا، وَأَقَلُّ مَالًا وَأَهْوَنُ أَمْرًا مِنْ أَنْ نَرْفَعَهُ إِلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَيَرْعَى إِبِلَنَا حَقِيرًا بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَعَمَّى عَلَيْهِ عُمَرُ كَأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ وَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَخِيكَ هَذَا أَبِحَرَمِنَا هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَأَيْنَ يُصَابُ؟ فَقَالَ: بِأَرَاكِ عَرَفَاتٍ قَالَ: فَرَكِبَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ﵄ سِرَاعًا إِلَى عَرَفَاتٍ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ وَالْإِبِلُ تَرْعَى حَوْلَهُ فَشَدَّا حِمَارَيْهِمَا ثُمَّ أَقْبَلَا إِلَيْهِ وَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ فَأَوْجَزَ أُوَيْسٌ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَيْكُمَا السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: رَاعِي إِبِلٍ وَأَجِيرُ قَوْمٍ قَالَا: لَسْنَا نَسْأَلُكَ عَنِ الرِّعَايَةِ وَلَا عَنِ الْإِجَارَةِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ، قَالَا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلُّهُمْ عَبِيدُ اللهِ ﷿ فَمَا اسْمُكَ الَّذِي سَمَّتْكَ أُمُّكَ؟ قَالَ: يَا هَذَانِ مَا تُرِيدَانِ مِنِّي؟ قَالَا: صِفُ لَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ
[ ٦٢ ]
أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ وَقَدْ عَرَفْنَا الصُّهُوبَةَ الشُّهُولَةَ وَأَخْبَرَنَا أَنُّ تَحْتَ مَنْكِبِكَ الْأَيْسَرِ عَلامَة بَيْضَاءَ [ق ٢٢ /أ] فَأَوْضِحْهَا لَنَا فَإِنْ كَانَتْ بِكَ فَأَنْتَ هُوَ فَأَوْضَحَ مَنْكِبَهُ فَإِذَا اللُّمْعَةُ فَابْتَدَرَاهُ يُقَبِّلَانِهِ وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَغْفِرِ اللهُ لَكَ قَالَ: مَا أَخُصُّ بِاسْتِغْفَارِي نَفْسِي وَلَا أَحَدًا مِنْ وَلَدِ آدَمَ وَلَكِنَّ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، يَا هَذَانِ قَدْ شَهَرَ اللهُ ﷿ لَكُمَا حَالِي وَعَرَّفَكُمَا أَمْرِي فَمَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَمَّا هَذَا فَعُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا أَنا فَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَاسْتَوَى أُوَيْسٌ قَائِمًا وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَأَنْتَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ فَجَزَاكُمَا اللهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَيْرًا قَالَا: وَأَنْتَ جَزَاكَ اللهُ عَنْ نَفْسِكِ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: مَكَانَكَ رَحِمَكَ اللهُ حَتَّى أَدْخَلَ مَكَّةَ وَآتِيَكَ بِنَفَقَةٍ مِنْ عَطَائِي وَفَضَلِ كِسْوَةٍ مِنْ ثِيَابِي هَذَا الْمَكَانُ مِيعَادٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا مِيعَادَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ لَا أَرَاكَ بَعْدَ الْيَوْمِ تَعْرِفُنِي، مَا أَصْنَعُ بِالنَّفَقَةِ؟ مَا أَصْنَعُ بِالْكِسْوَةَ؟ هَذِي ثِيَابِي صَحِيحَانِ أَمَا تَرَانِي لم أخزهما أَمَا تَرَى نَعْلَيَّ مَخْصُوفَتَانِ مَتَى تَرَانِي أُبْلِيهُمَا؟ أَمَا تَرَانِي إِنِّي قَدْ أَخَذْتُ مِنْ رِعَايَتِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ مَتَى تَرَانِي آكُلُهُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَ يَدَيَّ وَيَدَيْكَ عَقَبَةً كَئُودًا يَقْطَعُهُمَا إِلَّا كُل ضَامِرٌ مَهْزُولٌ مُخِفٌّ فَأَخِفَّ رَحِمَكَ اللهُ فَلَمَّا [ق ٢٢ / ب] َمِعَ عُمَرُ ذَلِكَ ضَرَبَ بِدُرَّتِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَلَا لَيْتَ أُمَّ عُمَرَ لَمْ تَلِدْهُ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ عَاقِرًا لَمْ تُعَالِجْ حَمْلَهَا أَلَا مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا وَلَهَا؟ ثُمَّ
[ ٦٣ ]
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خُذْ أَنْتَ هَاهُنَا حَتَّى
آخُذَ أَنَا هَاهُنَا، فَوَلَّى عُمَرُ نَاحِيَةَ مَكَّةَ وَسَاقَ أُوَيْسٌ إِبِلَهُ" (^١).
وروى أن رجلًا سمع أويس القرني ﵁ يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة أو عارية، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس في بيتي من الرياش إلا ما على ظهري" (^٢).
_________________
(١) منكر جدا - أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٨٠) ومن طريقه الرافعي في "أخبار قزوين" (١/ ٩١) من طريق حامد بن محمود، ثنا سلمة بن شبيب، ثنا الوليد بن إسماعيل الحراني، ثنا محمد بن إبراهيم بن عبيد، حدثني مجالد بن يزيد، عن نوفل بن عبد الله، عن الضحاك بن مزاحم، عن أبي هريرة ﵁ به، وقال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٦٢٧٦): (وهذا إسناد ضعيف مظلم منقطع؛ الضحاك بن مزاحم، قال الحافظ العلائي في "مراسيله " (ص ٢٤٣) وقد ذكر الضحاك هذا: "وقال أبو حاتم: لم يدرك أبا هريرة ولا أبا سعيد ﵃. وقال ابن حبان: أما رواياته عن أبي هريرة، وابن عباس وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر".قلت: والسند إليه لا يصح؛ فيه ثلاثة ليس لهم ذكر في شيء من كتب التراجم التي عندي، وهم: الوليد بن إسماعيل، ومحمد بن إبراهيم، ونوفل بن عبد الله؛ فلم يترجمهم البخاري ولا ابن أبي حاتم ولا ابن حبان، ولا الذين جاءوا من بعدهم، اللهم! إلا الأول منهم؛ فقد ذكره المزي في شيوخ سلمة بن شبيب قال الحافظ الذهبي وقد ساق من هذا الحديث بعضه في كتابه "السير" (٤/ ٢٧ - ٢٨): " وهذا سياق منكر، لعله موضوع ". وقد أورد ابن الجوزي في وموضوعاته " (٢/ ٤٣ - ٤٤) من رواية ابن حبان، وهذا في "الضعفاء" (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق محمد بن أيوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر ).
(٢) حسن لغيره - أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٤٥٨) (٥٧٢٢)، وعنه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٨٣) (٨٩٦) من طريق أبي العباس قاسم بن القاسم السياري، بمرو، ثنا عبد الله بن علي، ثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله بن المبارك، أنا سفيان الثوري قال: " كان لأويس فذكره بنحوه، فيه عبدالله بن علي وهو الغزال لم أجد له ترجمة، كما أنه منقطع بين الثوري، وأويس. ورواه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١/ ٤٩٢) (٨٨٧) من طريق عبد الرزاق بن عبد الكريم وعبد الله بن محمد أبو طاهر الكيال، قالا: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن جعفر اليزدي، ثنا محمد بن يعقوب بن يوسف، ثنا محمد بن سنان، ثنا أبو عاصم النبيل عن النجم بن فرقد بنحوه، محمد بن سنان: ضعيف. ورواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (٩/ ٤٤٥): من طريق أبي القاسم الشحامي أنا أبو نصر عبد الرحمن بن علي أنا يحيى بن إسماعيل أنا عبدالله بن محمد حدثنا عبد الله بن هاشم حدثنا وكيع حدثنا سفيان حدثني قيس بن يسير بن عمرو عن أبيه أن أويس القرني عري مرة فكساه أبي فقبل. قال: وكان أويس يقول فذكره بنحوه. وقيس بن يسير لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال، ولدعائه طرق أخرى تصلح بمجموعها للاعتبار، إلا أن في النفس من قوله شيء فإنه يعتذر ويتبرأ إلى الله مما هو ليس مكلفا به.
[ ٦٤ ]