بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قال الشيخ الإمام العالم الحافظ المفتي ناصر الإسلام والسنة أحمد بن محمد بن محمد بن محمود الدشتي جامع الورعين وقامع المبتدعين قال: أن سائلا سألني بعد أن كتب صورة المسائل: ما قول السادة العلماء وفقهم الله تعالى في قوم يجتمعون في مسجد أو غيره ويسمعون الدفوف والشبابات (^١) والغناء بالألحان المطربة ويتواجدون ويرقصون ويزعمون هذا جائز ومن المندوبات، فأنكر عليهم قوم آخرون، وقالوا: هذا ما ينبغي لكم ولا يحسن بكم، وقد قال رسول الله ﷺ: "شر الأمور محدثاتها " (^٢) وأن هذا من المحدثات ومن البدع والضلال وأن المساجد ما بنيت لهذا (^٣) وهذا تضييع الأوقات ولم يكن هذا من فعل رسول الله ﷺ ولا من فعل أصحابه رضوان الله عليهم ولا هو مما يتقرب به أحد إلى الله تعالى ولا طريق أحد من الصالحين فالأولى بالعبد غير ذلك من الحذر والجدّ في التعبد وما أُجمع على استحبابه.
فقالوا لمن أنكر عليهم: قد ورثنا ذلك عن أبائنا الأوّلين ومشايخنا المحققين العادلين وأباحه لنا الإمامين العالمين: مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليهم، ونحن لسادتنا من التابعين وفيما نحن عليه غير مبتدعين.
_________________
(١) والشبابة هي: القصبةُ الَّتِي يزمرُ بها الرَّاعي.
(٢) صحيح - جزء من حديث رواه البخاري في "صحيحه" من حديث عبد الله ﵁ (٩/ ٩٢) (٧٢٧٧)، ورواه مسلم في "صحيحه" من حديث جابر ﵁ (٢/ ٥٩٢) (٨٦٧).
(٣) وهذا أولى بالمنع من إنشاد الضالة فقد روى مسلم في "صحيحه" (١/ ٣٩٧) (٥٦٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا».
[ ٨ ]
فلا شك ولا ريب أن القوم بلغهم عن أقوام من أهل البدع والضلال قبلهم أنهم كانوا يفعلون أفعالهم القبيحة الشنعاء فاستمروا على ذلك [ق ١ / ب] واعتقدوا ما اعتقد الآباء ونشأوا على ذلك وكذلك أبناء الأبناء وهلم جرا فهلك الآباء والأبناء ووقعوا في الضلالة والعماء فإذا أنكر عليهم أحد، وقال: أرجعوا عن الضلالة الظلماء إلى ما كان عيه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء فإن العلماء المحققين، والزهاد الصّادقون، والأولياء الكاشفون (^١)، والفقهاء العارفون كانوا على غير ما أنتم عليه من الطريق العوجاء فإن لم تصدقوا فسألوا أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء.
_________________
(١) الكشف الذي يحصل للمرء أنواع، فمنه النفساني وهو مشترك بين المسلم والكافر، ومنه الرحماني وهو الذي يكون عن طريق الوحي والشرع، ومنه الشيطاني وهو ما يحصل عن طريق الجن. والمؤلف هنا يشير إلى الكشف الرحماني الذي يحدث لأولياء الله تعالى الذين يقيمون الشرع ويعظمونه، والكشف الرحماني مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة ﵄ إن امرأته حامل بأنثى، وكشف عمر ﵁ لما قال يا سارية الجبل - أي إلزم الجبل - وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن.
[ ٩ ]
قالوا: إنا وجدنا آبائنا على هذا الفعل وغدا عليه مشايخنا الكبراء فلا نترك ما كانوا عليه ولا نرجع إلى قول العلماء مضاهاة لمن قال ذلك من المشركين السفهاء ممن دعاهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إلى يوم الجزاء وإذا أخذ أحدهم من السنة الزهراء إما ببيان حديث، أو بتقليد العلماء قالوا له: أترغب عما كان عليه مشايخنا القدماء مضاهاة لقول أبي جهل وعبد الله بن أمية لأبي طالب حين دعاه النبي ﵇ إلى دين الأنبياء وخلع ما كان عيه من قبله من الآباء فتمسك بما كان عليه ورغب عما دعاه إليه خاتم الأنبياء مع إقراره أن الحق ما دعاه إليه ومات على ما كان عليه من الضلالة والعماء (^١) فخسر الدنيا والآخرة، وندم حين لم ينفعه الندم ولا الدعاء حين ذل به القدم إلا أن يكون قبل ما دعاه إليه سيد الأمم وأشرف العرب والعجم ﷺ وشرف وكرم وكذلك ليندمن [ق ٢ /أ] من دعي إلى الحق الذي كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم فترك الانقياد إليه وتمسك بما كان عليه الآباء من القدماء وليعض أنامله على تفريطه فيما مضى.
_________________
(١) يشير إلى ما رواه البخاري في "صحيحه" (٥/ ٥٢) (٣٨٨٤)، ومسلم في "صحيحه" (١/ ٥٤) (٢٤) من طريق لزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: «لأستغفرن لك، ما لم أنه عنه» فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
[ ١٠ ]
فنسأل الله رب الأرض والسماء أن يميتنا على الدين المرتضى وأن يصرف عنا سوء القضاء ويستعملنا فيما يحب ويرضى وأن يبصر من كان منا على ضلالة بالهدى ويجنبه طريق الردى، وما ذكرت هذا الكلام إلا لعل معتبر يعتبر فيرجع عما يعتقده ويفعله متابعة منه لأهل الباطل والضلالة؛ لئلا يحشر يوم القيامة معهم ويلحقه من الخزي والندامة مثل ما يلحقهم ثم يتبرؤن منه فما تنفعه متابعتهم.
و.. (^١) إنما أذكر ما جاء في النهي عن الرقص والسماع بالكتاب والسنة والإجماع ورد استدلالهم في نصر الابتداع، واذكر من أخلاق نبينا المصطفى ﵇ وما جاء عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومن بعدهم في تبديل أشياء كثيرة من دين الإسلام وفي تغيير ما كانوا يعهدونه في عهد رسول الله ﵇ والخلفاء الراشدون، وأذكر من أخلاق الصحابة ومن أخلاق من بعدهم من الأولياء والصالحين من العلماء والمشايخ والفقهاء وصفاتهم وكلامهم وسيرهم وآدابهم وحفظ أوقاتهم نصيحة مني إذا كانت نصيحة المؤمن واجبة على المؤمن كما قال النبي ﵇: "إنما الدين النصيحة" يكررها ثلاثا (^٢) وأؤدي الأمانة التي أخذها الله تعالى [ق ٢ / ب] ﷿ على العلماء بقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
_________________
(١) كلمة من حرفين لم أتبينها، وهي غير مؤثرة في السياق.
(٢) صحيح - أخرجه أبو داود في "سننه" (٤/ ٢٨٦) (٤٩٤٤)، وأحمد في "مسنده" (٢٨/ ١٤١) (١٦٩٤٢)، (٢٨/ ١٤٥: ١٤٨) (١٦٩٤٥: ١٦٩٤٧) بالتكرير ثلاثا، واصله في صحيح مسلم (١/ ٧٤) (٥٥) بدون تكرير - كلهم - من طريق سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم الداري ﵁ - مرفوعا به.
[ ١١ ]