الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة، وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان. وأما الموجودات في الخارج فهي أمور معينة، كل موجود له حقيقة تخصه، متميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجو معين، وهم معترفون بذلك. وقائلون إن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلي. فإذن القياس لا يفيد
[ ٢ / ١٥٠ ]
معرفة أمر موجود بعينه. وكل موجود فإنما هو موجود بعينه، فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات. وإنما يفيد أمورًا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا محققة في الأعيان.
فيما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه، لا يدل شيء منها على عينة. وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
فإذا قال: هذا محدث، وكل محدث فلا بد له من محدث، وإنما يدل هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإنما تعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب، وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات، والمقدمات فيها قضية كلية لابد من ذلك. والكلي لا يدل على معين.