الوجه الثامن: أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتوترات والمجربات والحدسيات، ومعلوم أنه لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا.
ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحدسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة باشتراك بني آدم فيه وتناقضوا في ذلك، فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات، فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب، ويرون جنس السحاب والبرق. وإن لم يكن ما يراه هؤلاء هو عين ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد، وأما ما يسمعه بعضهم من كلام بعض صوته، فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه، بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم. وكذا أكثر المرئيات. وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه، بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه، ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء. لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجريب والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ويجر هؤلاء مالم
[ ٢ / ١٦٠ ]
يتواتر عند غيرهم ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب، ثم هم مع هذا يقولون في المنطق إن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم: وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات، بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر، فإن الخبر المتواتر ينقله عدد كثير، فيكثر السامعون له، ويشتركون في سماعه من العدد الكثير، بخلاف ما يدرك بالحواس، فإنه يختص بمن أحسه، فإذا قال: رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شمت، فكيف يمكنه أن يقيم مع هذا برهانًا على غيره؟ ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد، فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها. ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلى بطريق الخبر.