وفي كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي فصل جيد من ذلك، فإنه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال: وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على أوضاع المنطقيين هذه، وقالوا: ما قول صاحب المنطق إلى القياس لا يبني من مقدمة واحدة، فغلط. لأن القاتل إذا أراد مثلًا أن يستدل على أن الإنسان جوهر، فله أن يستدل على نفس
[ ٢ / ١٤٨ ]
الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين، بأن يقول الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة. وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية وهي أن يقول: إن كان قابل للمتضادات في أزمان مختلفة جوهر، لأن الخاص داخل في العام، فعلى أيهما دل، استغنى عن الآخر: وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الأثر أن له مؤثرًا؛ والكتابة أن لها كاتبًا، من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى مقدمتين.
قالوا فنقول: أنه لابد من مقدمتين. فإذا ذكرت إحداهما استغنى بمعرفة المخاطب عن الأخرى، فترك ذكرها. لأنه مستغن عنها.
قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا قال: الجوهر لكل حي، والحياة لكل إنسان، فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان فسواء في العقول قول القائل: الجوهر لكل حي، وقوله لكل إنسان.
ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين ببنتين بأنفسهما، وإذا كان الأمر كذلك، كانت إحداهما كافية. ونقول لهم: أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما، يستدل بهما على شيء مختلف فيه. وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة، فإذا كنتم لا تجدون ذلك، بطل ما ادعتيموه.
قال النوبختي: وقد سألت غير واحد من رؤسائهم أن يوجدنيه، فما أوجدنيه فما ذكروه أرسطاطا ليس غير موجود ولا معروف قال: فأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين، فهما غير مستعملين على ما بناهما
[ ٢ / ١٤٩ ]
عليه. وإذا كان يصحان بقلب مقدماتهما حتى تعود إلى الشكل الأول فالشكل الأول هو الكلام منهما .. انتهى.
قال ابن تيمية: ومقصوده أن سائر الأشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الأول على ما تقدم بيانه فسائر الأشكال وانتاجها منه كلفة ومشقة، مع أنه لا حاجة إليها، فإن الشكل الأول يمكن أن يستعمل. جميع المواد الثبوتية والسلبية الكلية والجزئية. وقد علم انتفاء فائدته، فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد إليه أولى وأخرى.
والمقصود أن هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفطن لما في كلام أهل الباطل ويرده. ولهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا ورواية من غير تشاعر ولا تواطؤ.
وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه، وتبين أنه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي، بل يكون استعماله تطويلًا وتكثيرًا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة.