لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو أن ما ذكروه من صور (القياس) ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية. بل [و] كل ما يمكن علمه (بقياسهم) يمكن علمه
[ ٢ / ١٢٥ ]
بدون (قياسهم) فلم يكن في (قياسهم) ما يحصل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه. فصار عديم التأثير في العلم وجودًا وعدمًا، وفيه تطويل كثير متعب، فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتضييع لزمان وكثرة الهذيان.
والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم وقالوا: هذا لا يفيد العلم المطلوب، بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن، كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد، فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف، وصل في هذه مدة قريبة بسعي معتدل، فإذا تبين له مما يسلك به التعاسيف «والعسف في اللغة الأخذ: على غير طريق بحيث يدور طرقًا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة» فإنه يتعب تعبًا كثيرًا، حتى يصل إلى الطريق المستقيم إن وصل، وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب. فيعتقد اعتقادات فاسدة، وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء، فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح. هذا إذا بقى في الجهل البسيط، وهكذا هؤلاء.
ولهذا حكى من كان حاضرًا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي أنه قال: عند موته: (أموت وما أعلم شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب). ثم قال: (الافتقار وصف سلبي، أموت وما علمت شيئًا) فهذا حالهم إذا كان منتهى أحدهم الجهل البسيط. وأما من كان منتهاه الجهل
[ ٢ / ١٢٦ ]
المركب فكثير. والواصل منهم إلى علم، يشبهونه بمن قيل له: أين أذنك)؟ فأدار يده على رأسه. ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه وهو أقرب وأسهل.
والأمور النظرية متى جعل لها طرق غير النظرية كان تعذيبًا للنفوس بلا منفعة لها. كما لو قيل لرجل: أقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفوس بالسورية) فإن هذا ممكن بلا كلفة، فلو قال له قائل: اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها، وتميز بينها وبين الضرب، فإن القسمة عكس الضرب، فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد (العددين بقدر آحاد) العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الآخر. ولهذا إذا ضرب الخارج (بالقسمة) في المقسوم عليه، عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر. ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح، فإنه إنما يتناول ضرب العدد (الصحيح دون) المكسور، بل الحد الجامع لهما أن يقال: (الضرب طلب جملة- تكون نسبتها إلى أحد المضروبين- كنسبة المضروب الآخر إلى الواحد فإذا قيل: (اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد). فهذا وإن كان كلامًا صحيحًا لكن من المعلوم أن (من) معه ما لا يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور هذا كله، كان هذا تعذيبًا له بلا فائدة، وقد لا يفهم هذا الكلام، وقد تعرض له فيه إشكالات.
[ ٢ / ١٢٧ ]